الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي المتطهرين من الأقذار والأحداث، ومن الفواحش والمنكرات، فالسياق قرينة على المعنى الأول، وذكر التوبة قرينة على المعنى الثاني، ويشير إليه السياق من حيث إن من أتى الحائض قبل أن تطهر وتتطهر يجب عليه التوبة. ومن المعنى الثاني خاصة قوله عز وجل {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41] وقوله تعالى حكاية عن قول لوط {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] أي من الفاحشة. ومنه قوله تعالى {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] أي طهراه من الوثنية وشعائرها ومظاهرها كالأصنام والتماثيل والصور.
ومن الآيات التي استعملت الطهارة فيها بمعنييها قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]. فإذا تاملت هذه الآيات وعرفت استعمال القرآن لكلمة الطهارة في معنييها، ترجح عندك أن الآية التي نفسرها من هذا القبيل، فذكر الطهارة بعد الأمر بالوضوء والغسل قرينة المعنى الأول، والسياق العام، وذكر إتمام النعمة بعد الطهارة التي ذكرت بغير متعلق قرينة المعنى الثاني مضمومًا إلى الأول.
أما تفصيل القول في حكمة الوضوء والغسل - ويتضمن حكمة ما يجب من طهارة كل البدن والثياب من القذر- فيدخل في مسألتين، نبين فيهما فوائدهما الذاتية وفوائدهما الدينية.
الفوائد الذاتية للطهارة الحسية:
(الفائدة الأولى) ما أشرنا إليه آنفًا، من كون غسل البدن كله، وغسل أطرافه يفيد صاحبه نشاطًا وهمة، ويزيل ما يعرض لجسده من الفتور والاسترخاء؛ بسبب الحدث أو بغير ذلك من الأعمال التي تنتهي بمثل تأثيره، فيكون جديرًا بأن يقيم
الصلاة على وجهها، ويعطيها حقها من الخشوع ومراقبة الله تعالى، ويعسر هذا في حال الفتور والكسل، والاسترخاء والملل، أو الحر والبرد، ونزيد ذلك بيانًا فنقول: من المعروف عقلًا وتجربة أن الطهارة دواء لهذه العوارض؛ فهي بمقتضى سنة رد الفعل تفيد المقرور حرارة والمحرور ابترادًا، وتزيل الفتور الذي يعقب خروج الفضلات من البدن كالبول والغائط اللذين يضر احتباسهما، كاحتباس الريح في البطن، فالحاقن من البول، والحاقب من الغائط، والحازق من الريح، كالمريض. وكل منهم تكره صلاته كراهة شديدة، فمتى خرجت هذه الفضلات الضارّ احتباسها، يمثنعر الإنسان كأنه كان يحمل حملًا ثقيلًا وألقاه، ويشعر عقب ذلك بفتور واسترخاء. فإذا توضأ زال ذلك ونشط وانتعش، كذلك من مس فرجه أو قبل امرأة مس جسدها بغير حائل، يحصل له لذة جسدية في بعض الأحيان، وحدوث اللذة عبارة عن تثبه أو تهيج في العصب يعقبه فتور ما، بمقتضى سنة رد الفعل، والوضوء يزيل هذا الفتور الذي يصرف النفس باللذة الجسدية عن اللذة الروحية والعقلية، ولهذا اشترط بعض من قال بنقض الوضوء بمس ما ذكر أن يكون بلذة، واكتفى بعضهم بكونه مظنة اللذة.
أما إذا بلغ الإنسان من هذه اللذة الجسدية غايتها بالوقاع أو الإنزال، فيكون ذلك منتهى تهيج المجموع العصبي الذي يعقبه بسنة رد الفعل أشد الفتور والاسترخاء والكسل، وضعف الاستعداد للذة الروحية بمناجاة الله وذكره، ولا يزيل ذلك إلا غسل البدن كله؛ فلذلك وجب الغسل عقب ذلك. واشترط بعضهم في الإنزال اللذة، ويحصل نحو هذا الضعف والفتور للمرأة بسببين آخرين وهما: الحيض والنفاس، فشرع لها الغسل عقبهما، كما شرع لها الغسل من الجنابة كالرجل. والظاهر أن سبب ما ورد في السنة من الأمر بالوضوء من أكل ما مسته النار كله هو ما فيه من اللذةلا، وخص منها لحم الإبل لأنهم كانوا يستطيبونه، أو لأنه يستثقل على المعدة فيضعف النشاط عقب أكله، ثم خفف النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة في ذلك واكتفى بالحدث الذي هو غاية الأكل عن المبدإ، كما هو مذهب الجماهير، ومن
زال عقله بمرض عصبي أو غيره، كالإغماء والسكر وتناول بعض المخدرات والأدولة، لا ينشط بعد إفاقته إلا إذا أمسّ الماء بدنه بوضوء أو غسل، وإنني أرى هذا الدخان (التبغ والتنباك) الذي فتن به الناس في هذه الأزمنة، لو كان في زمن الشارع لأوجب الوضوء منه، إن لم يحرمه تحريمًا. ويقرب من الإغماء ونحوه النوم، ومهما اختلف الفقهاء في نقض الوضوء به هل هو لذاته أو لكونه مظنة لشيء آخر؟ وهل ينقض مطلقًا أو يشترط فيه الكثرة أو عدم تمكن المقعدة من الأرض؟ فالجماهير على وجوب الوضوء عقب النوم المعتاد.
واعلم أن هذه الفائدة تحصل بالماء دون غيره من المائيات حتى ما يزيل الوسخ أكثر من الماء كالكحول، فلا تحصل عبادة الغسل بغير الماء لإنعاشه، وكونه أصل الأحياء كلها، وهذا الذي تعبر عنه الصوفية بتقوية الروحانية للعبادة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] الآية. ولا ينافى روحانية المائية القطرة التي تقطر من الورد وغيره، بل تزيد المتطهر به طهارة وطيبًا وروحانية ومادة الماء معروفة.
(الفائدة الثانية من فوائد الطهارة الذاتية): ما أشرنا إليه من كونها ركن الصحة البدنية، وبيان ذلك: أن الوسخ والقذارة مجلبة الأمراض والأدواء الكثيرة، كما هو ثابت في الطب، ولذلك نرى الأطباء ورجال الحكومات الحضرية يشددون في أيام الأوبئة والأمراض المعدية - بحسب سنة الله تعالى في الأسباب - في الأمر بالمبالغة في النظافة، وجدير بالمسلمين أن يكونوا أصلح الناس أجسادًا، وأقلهم أدواء وأمراضًا، لأن دينهم مبنى على المبالغة في نظافة الأبدان والثياب والأمكنة.
فإزالة النجاسات والأقذار التي تولد الأمراض من فروض دينهم، وزاد عليها إيجاب تعهد أطرافهم بالغسل كل يوم مرة أو مرارًا، إذ ناطه الشارع بأسباب تقع كل يوم، وتعاهد أبدانهم كلها بالغسل كل عدة أيام مرة، فإذا هم أدوا ما وجب عليهم من ذلك تنتفي أسباب تولد جراثيم الأمراض عندهم، ومن تأمل تأكيد سنة السواك،
وعرف ما يقاسيه الألوف والملايين من الناس من أمراض الأسنان، كان له بذلك أكبر عبرة. ومن دقائق موافقة السنة في الوضوء لقوانين الصحة غير تقديم السواك، عليه تأكيد البدء بغسل الكفين ثلاث مرات، وهذا ثابت في كل وضوء فهو غير الأمر بغسلهما لمن قام من النوم، ذلك بأن الكفين اللتين تزاول بهما الأعمال يعلق بهما من الأوساخ الضارة وغير الضارة ما لا يعلق بسواهما، فإذا لم يبدأ بغسلهما يتحلل ما يعلق بهما، فيقع في الماء الذي به يتمضمض المتوضئ ويستنشق ويغسل وجهه وعينيه، فلا يأمن أن يصيبه من ذلك ضرر مع كونه ينافي النظافة المطلوبة. ومن حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل جميع الأعضاء، اختبار طعم الماء وريحه، فقد يجد فيه تغيرًا يقتضي ترك الوضوء به.
الفائدة الثالثة من فوائد الطهارة الذاتية: تكريم المسلم نفسه في نفسه وفي أهله وقومه الذين يعيش معهم، كما يكرمها ويزينها لأجل غشيان بيوت الله تعالى للعبادة بهداية قوله تعالى:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] ومن كان نظيف البدن والثياب كان أهلا لحضور كل اجتماع، وللقاء فضلاء الناس وشرفائهم، ويتبع ذلك أنه يرى نفسه أهلًا لكل كرامة يكرم بها الناس، وأما من يعتاد الوسخ والقذارة فإنه يكون محتقرًا عند كرام الناس، لا يعدونه أهلا لأن يلقاهم ويحضر مجالسهم، ويشعر هو في نفسه بالضعة والهوان، ومن دقق النظر في طبائع النفوس وأخلاق البشر رأى بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن، أو طهارة الجسد واللباس ؤطهارة النفس وكرامتها - ارتباطًا وتلازمًا.
والطهارة في الآية تشمل الأمرين معًا كما تقدم، وكل منهما يكون عونًا للآخر. كما أن التنطع والإسراف في أي واحدة منهما يشغل عن الأخرى.
وهذا هو سبب عدم عناية بعض الزهاد والعباد بنظافة الظاهر، وعدم عناية الموسوسين المتنطعين في نظافة الظاهر بنظافة الباطن، والإسلام وسط بينهما. يأمر بالجمع بين الأمرين منهما، وإن اشتبه ذلك على بعض المحققين حتى هونوا أمر نظافة الظاهر في بعض كتبهم مع ذكرهم لأدلتها في تلك الكتب، والله تعالى يقول
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] ولأجل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الطهور شطر الإيمان" رواه أحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وله تتمة.
وذلك أن الإنسان مركب من جسد ونفس وكماله إنما يكون بنظافة بدنه وتزكية نفسه. فطهور الجسم هو الشطر الأول الخاص بالجسد، وتزكية النفس بسائر العبادات هو الشطر الثاني، وبكلتيهما يكمل الإيمان بالأعمال المترتبة عليه.
ويؤيد ذلك ما ورد عن تأكيد الأمر بالغسل يوم الجمعة والطيب ولبس الثياب النظيفية لأنه يوم عيد الأسبوع، يجتمع الناس فيه على عبادة الله تعالى فيطلب فيه ما يطلب في عيدي السنة. وورد في أسباب الأمر بالغسل فيه خاصة أن بعض الصحابة كانوا يتركون فيه أعمالهم قبيل وقت الصلاة، فتشم رائحة العرق منهم ولا تكون أبدانهم نظيفة. وفي بعض هذه الروايات أنهم كانوا يلبسون الصوف فإذا عرقوا علت رائحته، حتى شمها النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهو يخطب، فكان يأمرهم بالغسل والطيب، والثياب النظيفة لأجل هذا، رواه ابن جرير وغيره، وقد روى مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من عدة طرق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"غسل الجمعة واجب على كل محتلم" أي بالغ مكلف، وحكى ابن حزم القول بوجوب غسل الجمعة عن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمرو بن سليم وعطاء وكعب والمسيب بن رافع وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد، ولكن المالكية والشافعية على كونه سنة مؤكدة، والوجوب قول الشافعي في القديم ورواية عنه في الجديد، وعارض القائلون بأنه سنة حديث الوجوب بما يدل على أن المراد به التأكيد لصحة صلاة الجمعة ممن توضأ فقط. وقال الظاهرية أنه واجب لليوم وليس شرطًا لصحة صلاتها. وقال ابن القيم: إن أدلة وجوبه أقوى من أدلة وجوب الوضوء من لمس المرأة ومس الفرج والقيء والدم (1).
(1) 6/ 258 - 264.