الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والجمال، فيجد الخاصة بها إبداعًا لهم، وإرضاء لنهمهم العلمي، ولا يحرم العامة من الإفادة منها. وتلك هي الحكمة {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269].
تقوم طريقة الأستاذ في التفسير على ما يلي:
1 -
يأتي بوحدة من الآيات الكريمة، فيبين أولًا معاني المفردات، غير مهمل ما تدعو له الحاجة من مسائل لغوية في النحو أو البلاغة.
2 -
بعد انتهائه من ذلك، يفسر الآيات تفسيرًا مبسطًا يجلي فيه مواطن الهداية، كما يبين فيه آراء المفسرين معقبًا عليها إن رأى ذلك ضروريًّا.
3 -
يحرص في تفسيره على أمرين هامين: أحدهما: بيان المأثور مما ورد في تلك الآيات أو كان له تعلقًا بها، والآخر التنبيه على قول بعيد، أو تأويل غريب أو رأي شاذ، بكل أدب رفيع.
4 -
لا يستطرد إلا إذا دعت الحاجة واقتضى المقام، فيذكر ذلك بقدر.
تلك هي طريقة الشيخ، والأسس التي تقوم عليها أسس سليمة في أصلها من الناحية العلمية والتربوية وخير ما يبين لنا ذلك نماذج نختارها من تفسيره.
4 - نماذج من تفسير الشيخ:
1 - تفسير آيات الصوم:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)} [البقرة: 183 - 185].
تضمنت الآيات السابقة إيجاب القصاص ثم إيجاب الوصية، وجاءت هذه الآيات عقبها بإيجاب عبادة هي من أعظم أركان الإسلام، وهي الصيام، فقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} .
وردت هذه الآيات في صيغة الخطاب مفتتحة بالنداء ووصْف المخاطبين بأكمل خصلة تقوم عليها السعادة في الدارين، وهي الإيمان، ليقبل الناس على ما يلقى إليهم من أمر هذه العبادة، ويضعوه موضع العناية بقدر ما يقتضيه إيمانهم وتقديرهم الشرف الذي اكتسبوه من خطاب رب العالمين. قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعِ لها سمعك، فإنها لأمر تؤمر به، أو نهي تنهى عنه.
والصيام في أصل اللغة كالصوم: الإمساك عن الفعل من نحو الأكل والمشي والكلام، وخصه بعض المفسرين بالإمساك عما تنازع إليه النفس. وحقيقته شرعًا: الإمساك بنية عن الأكل والشرب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى مغرب الشمس. ومعنى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} : فرض عليكم. وقد دل القرآن على بعض أحكامه، ودلت السنّة على سائرها.
{كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .
معنى الجملة: أن الصيام كتب على من قبلنا من الأنبياء وأممهم، والتشبيه في قوله (كما كتب) يرجع إلى الوجوب، أي أن الله فرض عليكم الصيام مثل ما فرضه على من تقدمكم من الأمم. وحكمة التذكير بأن الصيام قد فرض على الأمم السابقة، تخفيف وقعه على النفوس، حيث إن الصائم يكفُّ نفسه عن كثير من الشهوات التي اعتاد التمتع بها، فإذا قيل له إن هذه العبادة قد فرضت على أمم من قبلنا. وأفهم السياق أنهم لم يهملوها. خف عليه أمرها، وأقبل على أدائها بنفس مطمئنة.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
هذه الجملة واقعة موقع التعليل لقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام)، والمعنى: فرض عليكم الصيام لتدخلوا في زمرة أهل التقوى، ذلك أن الصيام يكف النفوس عن كثير مما تنزع إليه النفس من خواطر السوء، ويربي فيها ملكة الصبر ومغالبة طغيان الشهوات، ويروضها إلى عمل الخير مقبلة عليه راغبة فيه، وبهذه السيرة يبلغ العاملون أسنى منازل البر والتقوى.
{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} .
وصف الأيام المفروض صيامها بكونها معدودات، يكنى بذلك عن قلتها ليخفف أمر صيامها متتابعات على المكلف، فيقبل عليه محتملًا مشقته التي لا تزيد على مشاق اعتدا الناس احتمالها للحصول على مآرب من متاع هذه الحياة وزينتها.
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} .
العدة: من العد بمعنى معدود. ولم تقدر الآية المرض الذي يؤذن لصاحبه بالفطر، ولكن المحققين في فهم مقاصد الشريعة حملوه على المرض الذي يلحق صاحبه بالصوم مشقة فوق ما يجده وهو سليم البنية، كمن يخشى تزيّد المرض أو تأخر برئه.
وظاهر الآية أيضًا أن كل ما ينطلق عليه اسم سفر، يبيح الفطر. والذين ينظرون عند تقرير الأحكام إلى حكمة التشريع يرون أن الفطر إنما أبيح للمسافر نظرًا إلى ما يلحقه من المشقة. ولما كانت لا توجد في كل مسافة يتنقل بها الشخص من موضع إقامته إلى مكان آخر، كان مناط الرخصة هو السفر الذي شأنه أن توجد فيه مشقة. وقد اختلف الفقهاء في تقديره، فقدره طائفة من الأئمة بمسير ثلاثة أيام، وقدره آخرون بمسير يوم السير الوسط، فمن أخذ في سفر يقدر بمسير يوم على الدواب السير المعتاد، يباح له الفطر وإن قطع تلك المسافة في زمن أقل من يوم كراكب سيارة أو طائرة. ومعنى الآية: فمن كان منكم مريضًا أو مسافرًا فأفطر فالواجب
عليه متى برئ من مرضه أو انقطع سفره، صيام أيام بعدد ما أفطر فيه من أيام رمضان.
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} .
ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الآية نزلت عند ابتداء فرض الصيام على وجه الرخصة، فكان الناس مخيّرين بين الصيام والفدية، ثم نسخ التخيير بقوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، ورويت آثار صحيحة عن السلف في هذا المعنى. ولعل وجه القول بنسخ هذه الآية هو أن الشارع لم يرد إرغام العباد على الصوم وهم يستكبرون مشقته، ويستصعبون القيام به، فخيرهم بينه وبين الفدية، ولما استبان لهم أن مشقته على المؤمن بحق غير فادحة، وتتابعوا على الصيام مؤثرين له على الفدية، نسخ التخيير الذي تضمنته الآية، وبقيت الآية تتلى ليعرف منها أن الشريعة تأخذ في تشريعها مأخذ الحكمة، وتسلك مسلك التدريج في تقرير الأحكام التي يحتاج المكلف في احتمال مشقتها إلى عزيمة نافذة.
وأنكر آخرون من أهل العلم أن تكون الآية منسوخة وقالوا: الإطاقة في قوله تعالى: (يطيقونه) بمعنى القدرة على الصيام بتكليف شديد، وحملوا قوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} على أصحاء يستطيعون الصوم ولكنهم يلاقون فيه مشقة شديدة، وهم الشيوخ والعجائز. وأضاف بعض الأئمة إلى هؤلاء الحامل والمرضع إذا خافتا أن يلحق ولديهما ضرر من الصيام. وقد بينت الآية الفدية بطعام مسكين. ويكفي في تحقيق طعام المسكين المقدار الذي يشبعه في اليوم الواحد.
{فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} .
التطوع: فعل الشيء على وجه التبرع، والمعنى فمن تطوع فاعلًا خيرًا بأن زاد على القدر المقرر للفدية، فأعطى لمسكين واحد ما يكفيه الجوع أكثر من يوم، أو أطعم مسكينين فأكثر، فما تطوع به معدود عند الله في أعمال الخير التي يجازى صاحبها الجزاء الأوفى.
{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} .
هذا خطاب لمطيقي الصيام من الذين خيروا بين الصوم والفدية، فهي من متممات قوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} . والمعنى: أن الصوم أفضل من الفدية، ذلك أن الفوائد الروحية والاجتماعية التي تحصل بالصوم أرجح من الفوائد التي تحصل بالفدية. ويصح أن تكون هذه الجملة موصولة بقوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} فيكون المراد منها، فرض عليكم الصيام الخ، ثم قال {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} أي أن الصوم من الأعمال التي تورثكم خيرًا عظيمًا.
هذا أسلوب معروف في بلاغة اللغة العربية، يقصد منه التحريض على فعل ما هو خير كما ورد في هذه الآية، أو الزجر عما فيه شر، كما قال تعالى:{وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] فقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} بمعنى: إن كنتم من أهل العلم. والمعنى: وصومكم خير لكم فصوموا إن كنتم من أهل العلم، لأن شأن أهل العلم المبادرة إلى الفعل متى عرفوا وجه الخير منه.
هذا بيان للأيام المعدودات المفروض على الناس صيامها، ومعنى إنزال القرآن في شهر رمضان: ابتداء نزوله فيه، فقد أنزل في ليلة القدر، وكانت وقتئذ في رمضان، وهي المشار إليها بقوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)} [الدخان: 3 - 4] وفي قوله: {أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} تنبيه لمزية في هْذا الشهر اقتضت تخصيصه بأن يكون مظهرًا لركن من أهم أركان الإسلام وهو الصيام، تلك المزية هي: جملة مبدأ لإنزال الكتاب الذي استضاء الناس بما فيه من هدى وبينات من الهدى والفرقان. ومعنى كون القرآن
هدى للناس: أنه يرشدهم إلى سبيل الحق، ويدعوهم إلى مراقي الفلاح في الدنيا، ومعارج السعادة في الأخرى.
وقوله (بينات) وصف لآيات المقدرة في نظم الآية. والفرقان: ما يفرق بين الحق والباطل أي يفصل بينهما، والمعنى: أن القرآن أنزل هدى وآيات بينات، أي واضحات، من جملة ما أنزل الله به كتبه، وبعث به أنبياءه من الهدى والفرقان.
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} .
أمر بصيام شهر رمضان بعد أن وصف الشهر بكونه مطلع هداية القرآن. ليجد الأمر بالصوم من نفوس السامعين إقبالًا زائدًا وعناية. وشهد: من الشهود بمعنى الحضور، فمعنى شهد الشهر: حضر فيه. أي كان مقيمًا وقت دخوله.
{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} .
أعيد في هذه الجملة ذكر الرخصة للمريض والمسافر، تأكيدًا لمشروعيتها، وتنبيهًا على أنها صادرة عن عناية من شارعها، حتى لا يقع في نفوس المتقين أدنى حرج من الأخذ بها.
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} .
هذه جملة مستأنفة لبيان حكمة الإذن للمريض والمسافر في الفطر. وهي أن الله تعالى بنى تشريعه على اليسر والرفق، كما قال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
ومن مثل هاتين الآيتين تقررت في الشريعة قاعدة من القواعد التي تشهد بسماحتها، وهي: المشقة تجلب التيسير.
وإرادة الله في التشريع تنبئ بعدم إرادته للعسر. فقوله تعالى: {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} تصريح بما فهم من الجملة قبلها لتوكيد معناها، وتقوية يقين المكلفين بأنهم لا يلاقون فيما شرع الله عسرًا في حال.