الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يفوتني هنا أن أنبه على ما سبق من قول الأستاذ الشيخ محمد عبده، حينما سئل عن الدجال، بأنه رمز للخرافات والدجل. لكن الشيخ رشيدًا جعله تابعًا لظواهر العلم وتقدم الفنون العصرية كالكهرباء والكيمياء، ومنه أنه رحمه الله رد على الشيخ محمد عبده، في مسألة نزول المسيح عليه السلام، حيث اعترف بصحة الحديث، إلا أننا رأيناه في مسألة الدجال يقول ما يقول، مع أن نزول المسيح من السماء أدل على الخوارق، وأبعد عن تحكيم العقل من الدجال الذي يخرج من الأرض.
2 - رأيه في أحاديث المهدي:
أما عن حديثه عن المهدي فيقول: (وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتهما في صحيحيهما)(1).
وعجيب أمر الشيخ أنه يرد أحاديث المهدي، لما بينها من تعارض، لأن الشيخين لم يعتدا بها. هكذا صنيع مفسرنا رحمه الله، إنه إذا لم تتفق الأحاديث مع مقاييسه، يرفضها جملة وتفصيلًا، فإذا لم تكن قد وردت في الصحيحين، احتج بأن الشيخين لم يعتدّا بها فلم يخرجاها، فإذا ورد الحديث في صحيح مسلم، كحديث عائشة رضي الله عنها في الرضاع، وحديث الجساسة رد الحديث محتجًا بأن البخاري أعله فلم يخرجه. فإذا ورد في صحيح البخاري زعم بأنه لا يخلو من علة إسرائيلية، أو من خطأ الرواية في المعنى.
ويستمر الشيخ في إيراد الروايات المتعارضة في حديث المهدي أعباسي أم علوي، وما اسمه واسم أبيه إلى غير ذلك. ويختم الشيخ بحثه بنتائج، نذكر أهمها وأخطرها:
(1) تفسير المنار جـ 9 ص 459.
(إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم، وما كل مسلم مؤمنًا صادقًا، وما كانوا يفرقون في الأداء بين ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره وما بلغهم عنه بمثل: (سمعت وحدثني وأخبرني) كما فعل المحدثون من بعد عند وضع مصطلح الحديث، وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم، كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله. . . ولكن البلية في الرواية عن مثل كعب الأحبار، وممن روى عنه أبو هريرة وابن عباس، ومعظم التفسير المأثور مأخوذ عنه وعن تلاميذه، ومنهم المدلسون كقتادة، وكذا غيره من كبار المفسرين كابن جريح) (1).
وهذا قول فضلًا على أنه لا يليق بجلال الصحابة، فإنه لا يثبت أمام النقد العلمي وهو مخالف للقواعد الأولية، ككون الصحابة عدولًا يتشددون في رواية الحديث، وهم أشد وعيًا لما سمعوه من الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وحاشاهم أن ينسبوا للرسول ما لم يقله.
على أنني قد أتفق مع الشيخ في موقفه من أحاديث المهدي لما ذكره الشيخ من جهة، ولأسباب لا محل الآن لإيرادها من جهة أخرى.
وخلاصة القول، إن الشيخ رشيدًا رحمه الله نفر من الإسرائيليات في تفسيره ونفَّر منها وحذر، ولكنه غالى وتطرف، وحكم العقل أكثر مما ينبغي، وجعله أعظم المقاييس التي يقاس بها تمريض الحديث أو تصحيحه، فكانت النتائج التي وصل إليها لا تقل خطورة عن الإسرائيليات، بل إنها والحق يقال أشد خطورة وأسوأ آثارًا، ذلك لأنها تتعلق بمصدر من مصادر التشريع وهو السنّة، وليست كذلك الإسرائيليات.
(1) تفسير المنار جـ 9 ص 466.