الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
استشهاده بآراء المتكلمين في آيات العقيدة ومناقشتهم.
4 -
ابتعاده عن الخرافات والإسرائيليات، ووقوعه فيما هو أخطر منها.
5 -
استقلال الشخصية.
6 -
بيانه لسنن الله في العمران والاجتماع.
7 -
دفاعه عن الإسلام.
8 -
عنفه على مخالفيه في الرأي.
9 -
كثرة التفريعات والاستطرادات.
1 - العناية بالتحقيقات اللغوية:
ليس عجيبًا أن يعنى المفسر بعلوم اللغة، وفروعها المتعددة، فهي الوسيلة لفهم القرآن وتدبره. ولقد أدرك صاحب المنار هذا. لذا رأينا في تفسيره كثيرًا من الأبحاث اللغوية، سواء كان ذلك في متونها أم مركباتها، إعرابية أم أسلوبية.
يقول الشيخ (1): (لا يتعظ الإنسان بالقرآن، فتطمئن نفسه بوعده، وتخضع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاف حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ، مع النظر في بعض النحو، كنحو ابن هشام، وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر. وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة، يؤهله لفهم القرآن.
قال الإمام أبو بكر الباقلاني- من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئًا من بلاغة القرآن، بدون أن يمارس البلاغة بنفسه، فهو كاذب مبطل).
والمباحث اللغوية في تفسير المنار، إنما تنم عن سعة اطلاع، ورسوخ قدم، ورفعة ذوق، فمن حيث متون اللغة نقرأ للشيخ رشيد كثيرًا من التحقيقات اللغوية، التي لا تظهر فيها سمة النقل وحده، بل تبدو فيها آثار شخصيته العلمية الواضحة.
(1) تفسير المنار جـ 1 ص 182.
1 -
فعند تفسيره قوله تعالى في سورة النساء: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} [النساء: 9] يقول (1): (وليخش) أمر من الخشية، وهي كما في المعاجم: الخوف، وقال الراغب هي خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. وأقول: إن القيد الذي ذكره لا يظهر في كل الشواهد التي وردت من هذا الحَرْف في القرآن وكلام العرب، فلم يكن عند عنترة خوف مشوب بتعظيم، ولا علم فيما عبر عنه بقوله:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن
…
للحرب دائرة على ابني ضمضم
فإذا كان بين الخوف والخشية فرق، فالأقرب عندي أن تكون الخشية هي الخوف في محل الأمل، ومن دقق النظر في الآيات التي ورد فيها حرف الخشية، يجد هذا المعنى فيها، ولعل أصل الخشية مادة: خشت النخلة، تخشو، إذا جاء تمرها دقلًا (رديئًا) وهي مما يرجى منها الجيد.
2 -
وعند تفسيره قول الله عز وجل: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، يورد ما قاله الشيخ محمد عبده، من أن (لعل) تستعمل للإعداد والتهيئة للشيء وفي هذا معنى الترجي، ثم يعقب عليه بقوله (2):(إن ما ذكره من الإعداد صحيح ولكنه غير مطرد. والتحقيق أن الترجي عبارة عن كون الشيء مأمولًا بما يذكر من سببه، غير مقطوع به لذاته، بل يتبع قوة أسبابه مع انتفاء الموانع، ويتعلق تارة بالمتكلم، وتارة بالمخاطب، وتارة بالمتكلم عنه، وتارة بغيرهم، فتأمل قوله تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)} [الطلاق: 1] وقوله حكاية عن قوم موسى: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ} [الشعراء: 40] وقوله: {وَقَال فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36)} [غافر: 36] وقوله لموسى وهارون: {فَقُولَا لَهُ
(1) تفسير المنار جـ 1 ص 187.
(2)
تفسير المنار جـ 4 ص 393.
قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)} [طه: 44]. وقد علم أن هذا مقطوع بعدم وقوعه عند الله، ولكن الرجاء فيه متعلق بموسى وهارون أي {قولا له قولًا لينًا} راجين به أن يتذكر أو يخشى لا قولًا غليظًا منفرًا.
وتأتي (لعل) للإشفاق وإفادة التحذير من أمر وقعت أسبابه، فكان بها مظنة الوقوع كقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم:{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} [الشعراء: 3] وقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: 12].
وعند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] ينقل أقوال علماء اللغة في معنى (الذرء)(1) ويعقب عليها بقوله: (فإذا تأملت مع هذه الأقوال استعمال القرآن لهذا الحرف في النبات والحيوان والإنسان خاصة، علمت أن الذرء في أصل اللغة، بمعنى خلق ذلك أي إيجاده، كما أن أصل معنى الخلق التقدير، ويسند إلى الله تعالى بمعنى إيجاد الأشياء بتقدير ونظام لا جزافًا، ولهذا عطف الذرء والبدء على الخلق في حديث الدعاء (أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق وذرأ وبرأ)(2).
وبعد ذلك يفسر المقصود بالقلب، ثم ينتقل إلى توضيح معنى الفقه، فيقول:(أما الفقه فقد فسروه بالعلم بالشيء والفهم له، وكذا بالفطنة، كما في جل المعاجم أو كلها، وقالوا: فقه: (كعلم وفهم وزنًا ومعنى). وقالوا فقه (ككرم وضخم) فقاهة، أي صار الفقه وصفًا وسجية له، وقال الراغب: الفقه هو التوصل بعلم شاهد إلى علم غائب. قال السيوطي بعد نقله: فهو أخص من العلم. وقال ابن الأثير في النهاية: إن اشتقاقه من الشق والفتح، أي هذا
(1) تفسر المنارجـ 9 ص 386.
(2)
مسند أحمد (3/ 419).
معناه الأصلي، فهو كالفقء بالهمزة، وهي تتعاقب مع الهاء لاتحاد مخرجهما وذكر الحكيم الترمذي هذا، واستدل به على أن الفقه بالشيء، هو معرفة باطنه والوصول إلى أعماقه، فمن لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها لا يسمى فقيهًا.
وذكر أصحاب المعاجم، أن اسم الفقه غالب على علم فروع الشريعة، أي من العبادات والمعاملات، وهو اصطلاح حادث لا يفسر به ما ورد في الكتاب والسنّة من هذه المادة. والتحقيق أنهم لم يكونوا يسمون كل من يعرف هذه الفروع فقيهًا، كما ترى عبارة الغزالي الآتية، ولغيره ما هو أوضح منها، فقد اشترطوا فيه معرفته بدلائلها وذكر الغزالي في (بيان ما بدل من ألفاظ العلوم)، أن لفظ الفقه تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها ..
قال: ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدلك عليه قوله تعالى:{لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] وما يحصل به الإنذار والتخويف، هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك ليس به إنذار ولا تخويف، بل التجرد له على الدوام، يقسى القلب وينزع الخشية منه، كما نشاهد الآن من المتجردين له، . وقال تعالى:{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] وأراد به معاني الإيمان دون الفتوى. وروي عن أبي حنيفة تفسيره بمعرفة النفس ما لها وما عليها.
وأقول: ذكرت هذه المادة في عشرين موضعًا من القرآن، تسعة عشر منها تدل على أن المراد به نوع خاص من دقة الفهم والتعمق في العلم، الذي يترتب عليه الانتفاع به، وأظهره نفي الفقه عن الكفار والمنافقين، لأنهم لم يدركوا كنه المراد مما نفي فقهه عنهم، ففاتهم المنفعة من الفهم الدقيق، والعلم المتمكن
من النفس، ومنه قول قوم شعيب لنبيهم:{مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هود: 91] وإن تراءى لغير الفقيه أنه ليس منه، فإنهم كانوا يفهمون كل ما يقول فهمًا سطحيًا ساذجًا، لأنه يكلمهم بلغتهم، ولكن لم يكونوا يبلغون ما في أعماق بعض الحكم والمواعظ من الغايات البعيدة لعدم تصديقهم إياه، وعدم احترامهم له، ولأنه مخالف لتقاليدهم وأهوائهم الصادة لهم عن التفكير فيه والاعتبار به. أما الموضع العشرون فهو قوله تعالى حكاية عن نبتّه موسى عليه السلام:
{وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 27 - 28]، وهو لا ينافي ما ذكر؛ لأن فصاحة اللسان الداعية إلى الدين والواعظ المنذر تعين على تدبر ما يقول وفقهه.
4 -
وفي تفسير الركون في قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113] من سورة هود يظهر لنا تضلعه رحمه الله في إمامة اللغة، فهو ناقد ومقوّم بل راسم منهج في التعامل مع الألفاظ اللغوية إلى حد الاجتهاد اللغوي، يقول (1):
{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، أي ولا تستندوا إلى الذين ظلموا من قومكم المشركين، ولا من غيرهم، فتجعلوهم ركنًا لكم تعتمدون عليهم فتقروهم على ظلمهم، وتوالوهم في سياستكم الحربية أو أعمالكم المالية، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، فالركون من ركن البناء وهو الجانب القوي منه، ومنه قوله تعالى حكاية عن لوط عليه السلام:{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)} [هود: 80] ، والسند بمعنى الركن، وقد اشتق منه:(سند إلى الشيء، كركن إليه، واستند إليه)، وفسره الفيروز أبادي في قاموسه بالتبع للجوهري بالميل إلى الشيء والسكون له، وهو تفسير بالأعم، كعادتهم،
(1) تفسير المنار جـ 12 ص 169.
وفسره الزمخشري بالميل اليسير، وتبعه البيضاوي وغيره من المفسرين، الذين يعتمدون عليه في تحريره للمعاني اللغوية، لدقة فهمه وذوقه وحُسن تعبيره وإنه لكذلك، وقتما يخطئ في اللغة إلا متحرفًا إلى شيوخ المذهب (المعتزلة)، أو متحيزًا إلى فئة من رواة المأثور من الصحابة والتابعين، أو نقلة اللغة. وشيوخ المذهب يخطئون في الاجتهاد، وفئة الروايات تخطئ في اعتماد الأسانيد الضعيفة والإسرائيليات، ورواة اللغة يفسرون اللفظ أحيانًا، بما هو أعم منه أو يلازمه أو بغير ذلك من قرائن المجاز في بعض كلام العرب، ولا يعنون أن ذلك هو حد اللفظ المعروف بحقيقته. وقد فسر بعضهم الركون بالميل والسكون إلى الشيء، وهو من تساهلهم، ولكنهم قد ذكروا في مادته، ما يدل على هذا التساهل، ويؤيد ما حققناه).
5 -
وتظهر دقته في فهمه وغوصه في أعماق معاني الألفاظ، وهو يفرق بين معنى الإجابة والاستجابة، عند قوله تعالى:{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأنعام: 36] من سورة الأنعام (1). فبعد أن ينقل ما قيل في الفرق بينهما يقول: (وقال الراغب: والاستجابة قيل هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها وهذا من دقائق تحديده للمعاني رحمه الله تعالى، ولكنه لم يحط به.
وحقيقة الجواب والإجابة كما يؤخذ من قوله: قطع الصوت أو الشخص الجوب أو الجوبة، وهي المسافة بين البيوت أو الحفرة ووصوله إلى الداعي، أي المستلزم للشروع والمضي فيها. وعند الإمكان، وغايته الإجابة التامة عند عدم المانع، فالسين والتاء على معناهما، ومن دقق النظر في استعمال الصيغتين في القرآن الكريم، يظهر له أن أفعال الإجابة كلها، قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤال كله، بالفعل حقيقة أو ادعاء، دفعة واحدة،
(1) تفسير المنار جـ 7 ص 384.
ومنه الإجابة بالقول، كقولك: نعم، وبلى، ولبيك، ولك ذلك، وأن الاستجابة قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤال بالقوة أو التهيؤ والاستعداد له، ومنه قوله تعالى:{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران: 172]، فهو قد نزل في تهيؤ المؤمنين للقتال في حمراء الأسد بعد أحد، أو بالفعل التدريجي، كاستجابة دعوة الدين التي تبدأ بالقبول بالشهادتين، ثم تكون سائر الأعمال بالتدرج وشواهده كثيرة، والاستجابة من الله القادر على كل شيء، إنما يعبر بها في الأمور التي تقع في المستقبل، ويكون الشأن فيها أن تقع بالتدريج، كاستجابة الدعاء بالوقاية من النار، وبالمغفرة وتكفير السيئات وإيتاء ما وعد الله به المؤمنين في الآخرة، قال تعالى بعد حكاية هذا الدعاء بذلك عن أولي الألباب:{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} [آل عمران: 195] وكاستجابته للمؤمنين في بدر بإمدادهم بالملائكة تثبتهم، كما في سورة الأنفال، ومن ذلك استجابته لأيوب وذي النون وزكريا عليهم السلام، كما في سورة الأنبياء. كل ذلك مما يقع بالتدريج في الاستقبال. وأما قوله تعالى لموسى وهارون، حين دعوا على فرعون وملئه:{قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] فهو تبشير لهما بأنه تعالى قد قبلها بالفعل، وهذا من الإجابة القولية، جاءت بصيغة الماضي للإيذان بتحقق مضمونها في المستقبل، حتى كأنها أجيبت وانتهى أمرها. وهذا المعنى تؤديه مادة الإجابة دون مادة الاستجابة. ولو ذكرت هذه المسألة بصيغة الحكاية، لعبر عن إعطائهما ما سألا بلفظ الاستجابة، كما قال في شأن كل من أيوب وذي النون وزكريا.
6 -
ومن ذلك بيانه لمعنى (ذرية) يقول:
إن الذرية من مادة ذرأ المهموزة، أي خلق، كما أن البرية من مادة برأ. وقيل من مادة ذرو، فأصلها ذروية وقيل هي من الذر وأصلها فعلية كقمرية.
قال الراغب: والذرية أصلها الصغار من الأولاد، وإن كان قد يقع على الصغار والكبار معًا في التعارف، ويستعمل للواحد والجمع. وأصله الجمع، وقال الأستاذ الإمام: يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافًا لعرف الفقهاء، وهو قليل، والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله (بعضها من بعض) ظاهر على الأول. ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران، ويصح أن يكون بمعنى أنهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة: 67] وهو استعمال معروف. أقول: وهؤلاء الذين يشبه بعضهم بعضًا من هذه الذرية هم الأنبياء والرسل، قال تعالى في سياق الكلام على إبراهيم {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)} [الأنعام: 84 - 87] (1).
7 -
ويبين معنى الإدلاء في قوله تعالى: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188] فيقول: إن الإدلاء بمعنى الإلقاء، وقالوا: إنه في الأصل إلقاء الدلو، واختير هذا التعبير لأنه يشعر بعدم الروية. هذا ما اقتصر عليه الأستاذ الإمام، وفي التفسير الكبير للإمام الرازي: إلقاء الدلو يراد به إخراج الماء.
وإلقاء المال إلى الحكام يراد به الحكم للملقى، وذكر وجهًا آخر بعيدًا. والضمير في قوله تعالى (بها) قيل إنه يرجع إلى الأموال، والمعنى لا تلقوها إليهم بالرشوة، وقالوا: إن الرشوة رشاء الحكم، وقيل: إن المراد ولا تلقوا بحكومة الأموال إلى الحكام. والفريق من الشيء: الجملة والطائفة منه.
(1) ج 3/ ص 288.
والإثم فسره بعضهم بشهادة الزور وبعضهم باليمين الفاجرة، وهو أعم من ذلك وإن صح ما ذكروه في سبب نزول الآية وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم من مراسيل سعيد بن جبير ((أن عبد الله ابن أشوع الحضرمي وأمرأ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة، فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف امرؤ القيس، فهم به، فنزلت) والمراد بالعلم في قوله (تعلمون) ما يشمل الظن، وهو احتراس عمن يأكل معتقدًا أنه حقه، ولذلك أمثلة وفروع لا تحصى، ذكر الأستاذ الإمام منها في الدرس: ما إذا علم زيد أن أباه أودع له وديعة كذا عند فلان الذي مات فطالب ولد الميت بذلك، وكان هذا يعتقد أن أباه تركه تراثًا فمن حكم له به منهما لا يقال إنه أكله بالإثم.
وذكر الأستاذ الإمام في تفسير الآية ما عليه المسلمون في هذا العصر ولا سيما في بلاد مصر، من كثرة التقاضي والخصام والإدلاء إلى الحكام، حتى إن منهم من لا يطالب غريمه بحقه إلا بواسطة المحكمة، ولعله لو طالبه لما احتاج إلى التقاضي، ومنهم من يحاكم الآخر لمحض الانتقام والإيذاء وإن أضر بنفسه أهـ.
أقول: وكم من ثروة نفدت، وبيوت خربت، ونفوس أهينت، وجماعة فرقت، وما كان لذلك من سبب إلا الخصام، والإدلاء بالمال إلى الحكام، ولو تأدب هؤلاء الناس بآداب الكتاب الذي يتتسبون إليه؛ لكان لهم من هدايته ما يحفظ حقوقهم، ولمنع تقاطعهم وعقوقهم. ويحل فيهم التراحم والتلاحم، محل التزاحم والتلاحم، وإنك ترى من أذكيائهم ممن يزعم أنهم عن هدى الدين أغنياء، وقد عموا عما أصابهم بتركه من الأرزاء، فهم بالفسق يتنابذون ويتحاسدون، ويتنافذون ويتنافدون ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (1).
(1) ج 2، ص 200.
8 -
وبين معنى الإحصان في قوله تعالى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 24] قال: والإحصان من الحصن، وهو المكان المنيع المحمي، ففيه معنى المنع الشديد، ويقال: حصنت المرأة (بضم الصاد) حصنا وحصانة أي عفت فهي حاصن وحاصنة وحصان وحصناء (بالفتح فيهما) قال الشاعر (1):
حصان رزان ما تزن بريبة
…
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
ويقال: أحصنت المرأة إذا تزوجت. لأنها تكون في حصن الرجل وحمايته ويقال: أحصنها أهلها إذا زوجوها، ومن شأن المتزوجة أن تحصن نفسها فتكتفى بزوجها عن التطلع إلى الرجال؛ لأجل حاجة الطبيعة، وتحصن زوجها عن التطلع إلى غيرها من النساء، فعلى المرأة المعول في الإحصان. حتى قيل: إن لفظ المحصنة (بفتح الصاد) اسم فاعل نطقت به العرب على خلاف عادتها فقد روى عن ابن الأعرابي أنه قال (كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف: أحصن، وألفج إذا ذهب ماله، وأسهب إذا كثر كلامه) وروى مثله عن الأزهرى. وعن ثعلب أن المرأة العفيفة يقال لها محصنة (بفتح الصاد) ومحصنة (بكسرها) وأما المرأة المتزوجة فيقال لها: محصنة بالفتح لا غير. وجماهير السلف والخلف، ومنهم أئمة الفقه المشهورون، على أن المراد بالمحصنات ههنا المتزوجات. وقيل: هن الحرائر، وقيل: عام في الحرائر والعفائف والمتزوجات. وقد يقال: هن الحرائر المتزوجات وسيأتي عن الأستاذ الإمام ما يرجحه (2).
9 -
ومن ذلك بيانه لمعنى المنخنقة والموقوذة. يقول: (قال صاحب القاموس: (خنقه خنقًا (ككتف) وخنقًا فهو خنق أيضًا (أي ككتف) وخنق ومخنوق كنخقه فاختنق. وانخنقت الشاة ننفسها) وقد روى ابن جرير في تفسير المنخنقة أقوالًا
(1) هو حسان بن ثابت في مدح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
(2)
ج 5، ص 3.
عن مفسري السلف في هذا المعنى، فعن السدى أنها التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق فتموت.
وعن ابن عباس والضحاك، التي تختنق فتموت، وعن قتادة: التي تموت في خناقها.
وفي رواية عن الضحاك: الشاة توثق فيقتلها خناقها، وفي رواية أخرى عن قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هي التي تختنق، إما في وثاقها أو بإدخال رأسها في المواضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت، وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره؛ لأن المنخنقة هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها. ولو كان معنيًا بذلك أنها مفعول بها لقيل (والمخنوقة) حتى يكون معنى الكلام ما قالوا أ. هـ، وهو المختار عندنا لأنه هو المعنى اللغوي المنطبق على حكمة الشارع.
ويغلط من يقول إن فعل الانخناق هنا مما يسمونه فعل المطاوعة، كما قال الصرفيون في مثل كسرته فانكسر، ولتوهم من لا ذوق له في اللغة أن هذه الصيغة لا تجيء إلا لما كان أثرًا لفعل فاعل مختار ككسرته فانكسر، والصواب أن هذه فلسفة باطلة. وأن العربي القح إنما يقول انكسر الشيء إذا كان يعلم أنه أنكسر بنفسه أو يجهل من كسره، إلا إذا كان المقام مقام تعبير عن شيء تعاصى كسره على الكاسرين ثم انكسر بفعل أحدهم، وهذا لا يتأتى إلا في بعض المواد.
وأرى ذوقي يوافق في مادة الخنق ما يفهم من عبارة القاموس من أن مطاوع خنق هو اختنق من الافتعال، وأن انخنق لا يفهم منه إلا ما كان بفعل الجيوان بنفسه كما قال ابن جرير.
ويؤيد هذا الفهم الذي جزم ابن جرير بأنه هو الصواب الجمع به بين هذه الزوائد.
في سورة المائدة بتن حصر المحرمات في الأربعة الأولى منها. فالمنخنقة بهذا المعنى من قبيل ما مات حتف أنفه من حيث إنه لم يمت بتذكية الإنسان له لأجل أكله، فهي داخلة في عموم الميتة بالمعنى الشرعي الذي بيناه في تفسيرها، وإنما خصها بالذكر؛ لأن بعض العرب في الجاهلية كانوا يأكلونها، ولئلا يشتبه فيها بعض الناس؛ لأن لموتها سببًا معروفًا، وإنما العبرة في الشرع بالتذكية التي تكون بقصد الإنسان لأجل الأكل، حتى يكون واثقًا من صحة البهيمة التي يريد التغذي بها، ولو أراد تعالى بالمنخنقة المخنوقة بفعل الإنسان لعبر بلفظ المخنوقة أو الخنيق؛ لأنه حينئذ يفيد أن الخنق وإن كان ضربًا من التذكية بفعل الفاعل لا يحل، ويفهم منه تحريم المنخنق بالأولى، بل يفهم هذا من لفظ الميتة أيضًا كما تقدم. فالعدول إلى صيغة المنخنقة لا تعقل له حكمة إلا الإشعار بكون المنخنقة في معنى الميتة).
ويقول في معنى (الموقوذة): (وهي التي ضربت بغير محدد حتى انحلت قواها وماتت.
قال في القاموس: الوقذ شدة الضرب. قال شارحه: وفي البصائر للمصنف الموقوذة هي التي تقتل بعصا أو بحجارة لاحد لها فتموت بلا ذكاة أ. هـ. وشاة وقيذ وموقوذة والوقذ أيضًا: الشديد المرض، المشرف على الموت، وما نقله ابن جرير من أقوال مفسري السلف موافق لهذا، وهو أن الوقيذ: ما ضرب بالخشب أو العصا، وكانوا يأكلونها في الجاهلية، والوقذ محرم في الإسلام لأنه تعذيب للحيوان وقد قال صلى الله عليه وسلم:(إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتهم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن شداد بن أوس فلما كان الوقذ محرمًا حرم ما قتله به، ثم إن الموقوذة تدخل في عموم الميتة الشرعية على الوجه الذي فسرناها به أخذًا من مجموع النصوص، فإنها لم تذك تذكية شرعية
لأجل الأكل) (1).
10 -
ومن ذلك بيانه لمعنى طوعت في قوله {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ} [المائدة: 30] قال: فسروا طوعت بشجعت، وهو مأثور عن ابن عباس ومجاهد، وبوسعت وسهلت وزينت، ونحو ذلك من الألفاظ التي رويت عن مفسري السلف وعلماء اللغة، وكل منها يشير إلى حاصل المعنى في الجملة، ولم أر أحدًا شرح بلاغة هذه الكلمة في هذا الموضع ببعض ما أجد لها من التأثير في نفسي. وإنها لبمكان من البلاغة يحيط بالقلب، ولضغط عليه من كل جانب. {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} إنني أكتب الآن، وقلبي يشغلني عن الكتابة بما أجد لها فيه من الأثر والانفعال، إن هذه الكلمة تدل على تدريج وتكرار في حمل الفطرة على طاعة الحسد الداعي إلى القتل، كتذليل الفرس والبعير الصعب، فهي تمثل لمن يفهمها ولد آدم الذي زين له حسده لأخيه قتله، وهو بين إقدام وإحجام، يفكر في كل كلمة من كلمات أخيه الحكيمة، فيجد في كل منها صارفًا له عن الجريمة، يدعم ويؤيد ما في الفطرة من صوارف العقل والقرابة والهيبة. فَيَكِرُّ الحسد من نفسه الأمَّارة على كل صارف في نفسه القرامة، فلا يزالان يتنازعان ويتجاذبان، حتى يغلب الحسد كلا منهما ويجذبه إلى طاعته، فإطاعة صوارف الفطرة وصوارف الموعظة لداعي الحسد هو التطويع الذي عناه الله تعالى، فلما تم كل ذلك قتله. وهذا المعنى يدل عليه اللفظ، ويؤيده ما يعرف من حال البشر في كل عصر، بمقتضٍ، فنحن نرى من أحوال الناس واختبار القضاة للجناة، أن كل من تحدثه نفسه بقتل أخ له من أبيه القريب أو البعيد (آدم) يجد من نفسه صارفًا أو عدة صوارف تنهاه عن ذلك، فيتعارض المانع والمقتضى في نفسه زمنًا طويلًا أو قصيرًا حتى تطوَّع له نفسه القتل بترجيح المقتضى عنده على الموانع، فعند ذلك يقتل إن قدر، فالتطوع لا
(1) ج 6/ ص 137.
بد فيه من التكرار، كتذليل الحيوان الصعب، وتعليم الصناعة أو العلم، وقد يكون التكرار لأجل إطاعة مانع أو صارف واحد، وقد يكون لإطاعة عدة صوارف وموانع، وأقرب الألفاظ التي قيلت إلى هذا المعنى كلمة التشجيع المأثورة، فهي تدل على أنه كان يهاب قتل أخيه، وتجبن فطرته دونه فما زالت نفسه الأمارة بالسوء تشجعه عليه حتى تجرأ وقتل عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر للعاقبة.
11 -
بيانه لمعنى يذر: (ذروا) أمر لم يرد في اللغة استعمال ماضيه ولا مصدره وهو بمعنى الترك والإهمال، فهو بوزن ودع الشيء يدعه ودعا، ومعناه. إلا أن هذا قد استعمل ماضيه ومصدره قليلًا، وذاك لم يستعمل منه إلا المضارع (يذر) والأمر (ذر) وتعدد ذكرها في التنزيل، وزعم الراغب في مفرداته أن معناه قذف الشيء لقلة الاعتداد به. وأورد من الشواهد عليه من القرآن ما هو ظاهر فيه، وأشار إلى شاهد واحد يخالفه في الظاهر ووعد ببيان دخوله في موضع آخر، ولعله يعني تفسيره للقرآن، وهو قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 234] ولم يقل: ويتركون ويخلفون، ولعله أجاب عنه بأن المراد: ويتركون أزواجًا هن عرضة للإهمال، وعدم الإنفاق عليهن فليوصوا لهن، وإلا كانوا هم المهملين لهن، والقاذفين بهن في بِيْدِ الإهمال والحاجة. ويرد عليه أيضًا قوله تعالى حكاية عن المخلفين في سورة الفتح {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} [الفتح: 15] وكل ما عداه من استعمال القرآن لهذه الكلمة يظهر فيه معنى الترك لعدم المبالاة والاهتمام. لا القذف كما عبر به، ومنه قوله تعالى {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} [آل عمران: 179] {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 127]{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ} [نوح: 26]{وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 27]{وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} [الشعراء: 166]{وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} [القيامة: 21]{ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91]{فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا