الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونهج في تفسيرها نهج الشيخ رشيد رضا رحمه الله، ونسج على منواله.
ونختار فيما يلي نماذج من تفسير الشيخ البنا على كلتا الطريقتين:
أولًا: نماذج من تفسيره الوعظي الدَّعوي:
1 -
فسَّر الشيخ البنا رحمه الله قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] وقال بعنوان (من وظائف القائد)، فقال:[من ص 113 - ص 115].
تسير البشرية قُدُمًا نحو الكمال الذي كتبه الله لها يوم شاء أن يستخلف الإنسان في الكون وسخَّر له ما في السماوات، وما في الأرض جميعًا. والبشرية في محاولتها هذه أحيانًا تستوحي الشحر والخيال وتستلهم منه صورًا رائعة جميلة وإن كانت بين الخطأ والصواب، وأحيانًا تستوحي الفكر والعقل، فيرشدها إلى تجارب في تكوين الأمم، وتربية الشعوب كثيرًا ما تكون طويلة المدى، وكثيرًا ما تنزع بها المماكسات العاطفية ونحوها إلى جهة الخطأ، فتصبح عقيمة النتائج فاسدة الآثار.
لهذا اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى ورحمته بالناس وهو ربهم البر الرحيم أن يشد أزر العقل والقلب بنواميس. ونظم إلهية تقرب على الإنسانية المدى وترشد البشرية إلى مدارج الكمال الذي كتب لها.
وجاء الرسل الكرام بهذه النواميس وتلك النظم، فكان كل منهم الزعيم الرباني لأمته الذي يصلها بأسباب السماء ويصف لها نظم الحياة في الأرض، تسمع عن زعماء الشعر وقادة العواطف، وتسمع عن أساطين العلم والأدمغة الكبيرة، وتسمع عن زعماء الأمم في السياسة والاجتماع والثورات الفكرية أو العملية، وتسمع عن قادة الحروب وبناة الدول، فتصف أولئك جميعًا بالزعامة وترى فيهم رؤوسًا تنهض بالإنسانية نحو الكمال.
فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في أمته زعيم رباني جمع الله له مظاهر الزعامة جميعًا، فهو يخاطب القلوب والعقول، ويختط سبل الإصلاح الاجتماعي والسياسي، ويحدث في أمته وبها ثورة فكرية عملية تدفع الإنسانية إلى الأمام عدة مراحل.
والفرق بين الزعامتين: الزعامة المسممدة من قوى البشر، والزعامة المستمدة من إمداد الله، أن الثانية صواب كلها لا خطأ فيها، وأنها أدوم أثرًا وأبقى على الزمن، وأنها أعم وأشمل في نواحي الحياة كلها.
والفرق بين الزعماء الربانيين وهم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - في القديم، وبين الزعيم الأخير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن أحد أولئك - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما كان يأتي للأمة الواحدة أو الأمم المتجاورة، وهو صلى الله عليه وسلم إنما بعث للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وأن الشرائع السابقة كانت عرضة للتبدل أو التغير، أما الشريعة الختامية فقد كفلت بالحراسة الإلهية، وبقيت في كنف قوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
إذا تقرر هذا علمنا أية نعمة على البشر ينعمها الله تبارك وتعالى بالأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وعلمنا الارتباط بين الآية الكريمة: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} وبين ما قبلها من قول الله تبارك وتعالى: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .
أما وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أجملتها الآية الكريمة في هذه العناصر المباركة:
* {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} يصلكم بالحق ويبلغكم دستور السماء، ويتلو عليكم نظام الله الذي إن تمسكتم به سعدتم، وإن هديتم بهديه رشدتم، فوظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الأولى تبليغ دستور الله لعباد الله.
* {وَيُزَكِّيكُمْ} يطهر أخلاقكم ويصفي نفوسكم ويطبعها على الخير، ويغسلها من أدران الرذائل، حتى تستعد لفقه هذا الدستور وتنشط للعمل به وتحرص على حمايته. فإذا كانت الوظيفة الأولى إيصال الدستور من السماء إلى
الأرض، فإن الوظيفة الثانية إمداد النفوس وتقوية الأخلاق وتدعيم القلوب لتحفظ هذا الدستور وتحرسه.
* {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} فإذا تطهرت النفس وصفا القلب واستعدت الفطرة جاء دَور العلم وتلاه دَور الحكمة، والعلم تلقي المعلومات ودراستها، والحكمة إلقاء المعلومات وفيضانها وانتزاعها من النفس والروح، فأنت في مركز العَالم منفعل وفي مركز الحكيم فاعل وشتان ما بينهما وأولاهما من وسائل الثانية، فإذا فقه الإنسان المعلومات الحاضيرة وقويت ملكته العلمية، استدل بهذا الذوق العلمي على الكشف والتحقيق، فعلم ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا.
أرأيت التدرج في هذا النسق البديع؟ يوضع النظام من السماء فتصقل النفوس لتلقيه، فتفقهه وتتعلمه، فتتذوقه وتفيض به، فتكشف المساتير وتبني المستقبل على أساسه، إن هذا لهو الفضل العظيم.
أو رأيتَ بعد ذلك كيف يجدد الزعيم الرباني أمته تجديدًا قويًّا ثابتًا؟ وكيف يسير هذا التجديد في خطوات متناسقة مأمونة العثار؟ إذا عرفت هذا فإن القائد لا يزال وسيظل قائمًا والخطوات مرسومة وما بقى إلا وظيفة الأمة وذلك ما سنتحدث عنه إن شاء الله (1).
2 -
وتحت عنوان (من وظائف الأمة الناهضة) فسّر الشيخ قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ
…
بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 152 - 154] يقول:
قد علمت في الكلمة الأولى الإشارة في الآية الكريمة إلى وظيفة القائد وهنا ترى الإشارة إلى واجب الأمة.
(1) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية - السنة الرابعة - العدد 9 في 19 ربيع أول 1355 هـ/ 9 يونيه 1936 م.
تحتاج الأمة المجاهدة إلى قوانين لا بد منها، لتنجح في مهمتها وتنتصر في جهادها. تحتاج إلى الإيمان القوي المتين المرتكز على قواعد ثابتة من روحها وفطرتها المستند إلى نبع فياض من قلبها ووجدانها، وتحتاج إلى قوة مادية يتشكل بها هذا الإيمان فيعرب للناس عن وجوده ويبرهن للخصوم على قوته وثباته.
ومن الناس من ينصرف إلى القوة الروحية في الأمة ويراها كل شيء، ومن الناس من ينصرف إلى المادة وحدها ويرى أنه لا حاجة إلى ما سواها. وكلا النظرتين يرى النهضة من جانب واحد، والمصلح إنما ينظر إليها من كل ناحية: لا بد من الجانب الروحي الذي يستند إلى الإيمان والخلق وهو أول وأولى بالعناية، وهو الدعامة التي تستند عليها القوة المادية. فإذا قويت روح الأمة وأخلاقها. تبع ذلك حتمًا دوام التفكير في وسائل القوة المادية وتلا ذلك التفكير القوة نفسها، فها أنت تسمع قول الله تبارك في نظامه الحكيم الذي وضع لحياة الأمم ونهوضها، فها أنت تسمع قول الله تبارك وتعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، إلى جانب قوله تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
وأساس القوة الروحية كما علمت الإيمان بالمثل الأعلى والتفاني في سبيل الوصول إليه، وكلما سما هذا المثل سمت نهضة الأمة، وتوفرت لها وسائل القوة، وأي مثل أسمى من (سبيل الله) الذي تفنى أمامه الماديات والأهواء والمطامع والمنافع الشخصية ولا يجد النفعي ولا الوصولي ولا الدسَّاس ولا المغرض إليه سبيلًا، لهذا كان المثل الذي وضعه القرآن الكريم لأمته وجعله أساس نهضتها الإيمان بالله أولًا، ومن هذا الإيمان:
تستمد الأمة سيادتها في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].
وتستمد عزتها في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
وتستمد التأييد والهداية في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257].
وتستمد القوة في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31].
وتستمد في النهاية النصر في قوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، وهذا معنى خاص تنفرد به النهضة المستندة إلى جانب الله والإيمان به وسلوك سبيله لا يكون في غيرها من النهضات أبدًا، وتأمل قول الله تعالى:{فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104].
وعلى ضوء هذا البيان نتفهم الآية الكريمة ونعرف منها وظائف الأمة وواجباتها في النهضة:
* {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} فالواجب الأول أن تستذكر الأمة دائمًا مثلها الأعلى وتجعله القائد في نهضتها والهادي في حيرتها، فيكون جزاء ذلك تأييد الله وتسديد الخطط ونجاح الغايات.
* {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} والواجب الثاني أن تتعرف الأمة خطواتها ومدى نجاحها. وإذا كانت حقيقة الشكر استخدام النعمة فيما خُلقت له، فعلى الأمة أن تجعل النصر سبيلًا إلى نصر آخر؛ ولا تقف عند حد النصر الأول فإن مهمة المسلم أن يسير بالدنيا إلى منتهى الكمال الممكن لها، لا يلهيه نصر عن نصر ولا يشغله واجب عن واجب، وبذلك تنجو الأمة من دور الاستغلال والانتفاع الذي يلي غالبًا دور النصر والنعمة، وما تزال الأمة بخير ما دامت مجاهدة، فإذا انقلبت مستغلة فتلك أولى بوادر الانهزام.
* {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} والواجب الثالث من واجبات الأمة أن تحتمل التضحيات وتصبر على المشاق في كفاحها ونضالها وأن تستروح روح النصر بالصلاة لما فيها من الصلة بالله تبارك وتعالى واستمداد فيضه واستعادة ما فقدته الروح من مضائها وقوتها بهذا النضال.
فالصلاة امتلاء الروح بالقوة المعنوية، والصبر هو المحافظة على هذه القوة واستخدامها بأكبر قدر مستطاع، حتى إذا أضناها الجهد وأمضَّها الجلاد، تجددت مرة أخرى بالصلاة، وهذا تلازم غريب بينهما يدركه من صفت نفسه وقويت روحه.
وفي الصبر وحقيقته وآثاره ومعناه كلام واسع لعلنا نعرض له في كلمة أخرى إن شاء الله، فإذا استعانت الأمة في جهادها بالصبر والصلاة كان الله معها وأدركها نصره وتأييده وظلت في كنفه:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
* {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} وهنا نرى الواجب الرابع من واجبات الأمة وهو واجب هام إن أدته الأمة لم تسقط راية الجهاد من يدها أبدًا، ولم يتطرق إليها الضعف يومًا من الأيام. ذلك الواجب أن تعتبر الأمة التضحية والفداء مغنمًا، لا مغرمًا، ونصرًا لا هزيمة، وتجارة رابحة لن تبور، وأن تعتقد أن الموت في ميدان الشرف هو حياة الخلود، وأن الفناء في سبيل الواجب هو عين البقاء. وهذا المعنى إن تشبعت به الأمة فهي لا شك منصورة مهما كان في سبيلها من عقبات، وانظر إلى الكتيبة الأولى كيف استولت عليها هذه العقيدة فكانت سر نجاحها.
أو لست تَشِمُ بوارق النصر من قول عمير بن الحمام في بدر:
ركضا إلى الله بغير زاد
…
إلا التقى وعمل المعاد
أو من رجز الأنصار بين الصفوف:
نحن الذين بايعوا محمدًا
…
على الجهاد ما حيينا أبدًا
ألا إن أعذب الأناشيد في أذن المجاهد المؤمن وأحلاها على قلبه ذلك الهتاف العالي المجيد: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154].
ولقد جمعت هذه الآية الكريمة في نسق واحد أركان النهضة، وهي المثل الأعلى في قوله تعالى:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} .
والقوة المعنوية في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} .
والقوة المادية في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} .
واعلم أنهما سبيلان لا ثالث لهما أولهما ما علمت وما يشير إليه قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} وهو سبيل البقاء والمجد وثانيهما ما يشير إليه قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر: 19]، وهو سبيل الفناء والتدهور فأي سبيل من السبيلين تختار أمتنا؟ (1).
3 -
وبعد أن فسر الشيخ البنا فاتحة الكتاب على صفحات مجلة الشهاب قال تحت عنوان (تناسب وإنعام):
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17]، ولا شك أن من تدبر الفاتحة الكريمة - وكل مؤمن مطالب بتدبرها في تلاوته عامة وفي صلاته خاصة - رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله، ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه. فهو يبتدى ذاكرًا تاليًا متيمنًا باسم الله الموصوف بالرحمة التي تظهر آثار رحمته متجددة في كل شيء، مستشعرًا أن أساس الصلة بينه وبين خالقه العظيم هو هذه الرحمة التي وسعت كل شيء. فإذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه
(1) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية - السنة الرابعة - العدد 10 في 36 ربيع أول 1355 هـ/ 16 يونيه 1936 م.
انطلق لسانه بحمد هذا الإله الرحمن الرحيم، وذكَّره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله وعظيم آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعًا، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثم تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة ليست عن رغبة ولا رهبة ولكنها عن تفضل ورحمة فنطق لسانه مرة ثانية بالرحمن الرحيم، ولكن من كمال هذا الإله العظيم أن يقرن الرحمة بالعدل، ويذكر بالحساب بعد الفضل فهو مع رحمته السابغة المتجددة سَيَدِينُ عباده، ويحاسب خلقه يوم الدين:{يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19]. فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب، وإذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مُكلَّفًا بتحري الخير والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه، فليلجأ إليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلي بعد العطاء والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إليه فلا يوفقون للعثور عليه آمين.
فهل رأيت تناسبًا أدق أو ارتباطًا أوثق مما تراه بين معاني هذه الآيات الكريمات؟ .
وتذكر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي، الذي أوردناه آنفًا:"قَسَّمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي". وأَدِمْ هذا التدبر والإنعام. واجتهد أن تقرأ في الصلاة أو غيرها على مكث وتمهل وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد والنغمات من غير تكلف ولا تطريب، أو اشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية أو الصلاة الجهرية، فإن ذلك يعين على الفهم ويثير ما
غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبر وخشوع (1).
4 -
وفي مقالة بعنوان (من سنن الله في تربية الأمم) فسَّر الشيخ البنا رحمه الله قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] وقال بعد أن عرض لسبب نزول الآية والروايات فيه: "وأيًّا ما كان سبب النزول فإن الآية الكريمة تقرر سنَّة من سنن الله في حياة الأمم، ذلك أن كل أمة بين طورين لا ثالث لهما، يخلف كل منهما الآخر متى توفرَّت دواعيه وأسبابه، هذا الطوران هما: طور القوة وطور الضعف.
فالأمة تقوى إذا حدَّدت غايتها، وعزمت مثلها الأعلى، ورسمت منهاجها، وصَمَّمت على الوصول إلى الغاية وتنفيذ المنهاج، والمحاكاة للمثل مهما كلَّفها ذلك من تضحيات إذا صدقت عزيمة الأمة، وقويت إرادتها في ذلك، فقد قويت قوة مطردة لا تزال تزداد حتى تتسلَّم غوارب المجد، ولا يمكن لأية قوة في الأرض أن تُضعف هذه القوة أو تنال من تلك الأمة وهي على هذا الحال.
"ولا تزال الأمة بخير حتى تنسى الغاية، وتجهل المثل وتضل المنهاج، وتؤثر المنفعة والمتعة على الجهاد والتضحية، وتهن العزائم، وتضعف الإرادات، وتنحلَّ الأخلاق، ويكون مظهر ذلك الإغراق في الترف والقعود عن الواجب، وحينئذٍ تأخذ الأمة في الضعف، ويدبُّ إليها دبيبُ السَّقم الاجتماعي، ولا تزال تضعف حتى تتجدد أو تبيد: وسبيل التجدد أن يتُيح الله لها الطبيب الماهر، فيهتدي إلى الدواء الناجح، وتتبعُه الأمة في تناول هذا الدواء، فتموتُ جراثيم المرض وتعود إليها القوة
…
وتملك مهمة المصلحين والقادة مصابيح الهدى، وشموسُ النهضات، بِهِم تنجلي كل فتنة عمياء
…
وسبيل الإباءة أن تسدر الأمة في غيِّها،
(1) مجلة الشهاب - السنة الأولى - العدد 2 في غزة صفر 1367 هـ / 14 ديسمبر 1947 م.
وتظلَّ هائمة على وجهها لا تُصِيخ لناجح، ولا تسمعُ لمرشد، حتى تحين فيها ساعة الفناء" [مقاصد القرآن الكريم ص 132 - 133].
5 -
وكتب الشيخ البنا رحمه الله مقالة بديعة جملة في تفسير قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]، فقال:{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 54] تعال معي - أيها الأخ القاريء - لنَقفَ برهة أمام هذه الآية الكريمة فَنسْتَجلى ما فيها من روائع الجمال اللفظي وبدائع التفضل المعنوي ثم نقول بعد ذلك
…
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء:
1 -
أرأيت كيف عبَّر القرآنُ الكريمُ عن محمد صلى الله عليه وسلم (بالنبي) وهل تذوقْتَ ما في هذا اللفظ الكريم من معاني التعظيم والتكريم والشرف العالي والمنحة الخاصة والمقام السامي الرفيع الذي نَبَا عن تقدير الناس وسَمَا عن مقاييسهم وموازينهم.
2 -
وأَرأيتَ كيف عبَّر القرآن الكريم عن الاستحقاق بالولاية فوقعت كلمة (أولى) موقع كلمة (أحق) لما في الأولى من الشعور بأن ذلك الاستحقاق إنما كان عن الحب والولاء والرغبة والرجاء لا عن خوف ولا إرهاب ولا إلزام ولا إكراه.
3 -
وأرأيت كيف عبَّر القرآنُ بكلمة (المؤمنين) ولم يقل الناس أو المسلمين لما في هذه الكلمة من الإشارة إلى أن هذه الأولوية ثمرة التصديق ونتيجة الإيمان واليقين كما قال صلى الله عليه وسلم: "تالله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ومن نفسه التي بين جنبيه".
وهناك لطيفة أخرى هي أن هذه الفضيلة فضيلة موالاة النبي صلى الله عليه وسلم إنما كتبها الله لأشرف طبقات الخلق وهم المؤمنون تعظيمًا لقدر نبيه صلى الله عليه وسلم وتقديرًا لتصديق عباده المؤمنين.
4 -
وأرأيت كيف عبَّر (بالأنفس) ليُدخِلَ في هذه الأولوية كلَّ ما دونها وهو كل شيء من مباهج الحياة ومظاهرها
…
فالأهلُ دون النفس
…
والمالُ دون النفس
…
والمسكنُ دون النفس
…
والزوجُ دون النفس
…
والعشيرةُ دون
النفس
…
وإنما يكون حب الإنسان لهذه العوارض نتيجةَ حُبِّه لنفسه وثمرة حرصه على إسعادها.
ألا كلُّنا يبغى الحياةَ لنفسه
…
حريصًا عليها مُستهامًا بها صَبّا
فحبُّ الجبان النفسَ أورده التقى
…
وحبُّ الشجاع النفسَ أورده الحربا
فإذا جاد الإنسان بنفسه وسخا بروحه، فقد جاد بكل شيء والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
وبعد أيها الأخ: فهذه لوامع بروق تسطع في قلوب المؤمنين حين تهطل عليهم سحائب فيض الحب النبوي من سماء الحقيقة المحمدية فتهتف بها ألسنتهم وتجري بها أقلامهم، وإن في القول بعد ذلك لسعة، وإن ما يبدو في مرآة قلوب العارفين لا حد له، فسل الله يعطك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وبعد أن ملأت سمعك وقلبك من روائع هذا الجمال هلمَّ نتفهم الآية الكريمة: إن ربك يقول لك: النبي أحق بك من نفسك، فنفسُك وكل ما تملك فداء لنبيك وملْك لرسولك صلى الله عليه وسلم وَوَقف على مناصرة الدعوة وحماية شريعته، ليس لك أن ترغب بنفسك عن نفسه أو تحتجز روحَك أو مالك أو كل ما تملك عن مناصرته، وفي هذا المعنى وردت الآية الكريمة:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، والآية الكريمة:{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} [التوبة: 120].
والحديث الصحيح: "تالله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اختار الرفيقَ الأعلى وفارق الحياة الدنيا، فإن هذا المعنى ثابتٌ لسنته من بعده ولشريعته الباقية الخالدة، فهي أولى بكل مؤمن من نفسه وأحق به من أهله وأرضه ومسكنه وقومه وعشيرته والناس أجمعين. فَهمَ المسلمون