الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثبتنا الله والمسلمين عليهما، وحشرنا في زمرة الكاملين، المكملين إنه المولى الغفور الكريم (1).
* * *
2 - القَول الحسَنُ:
تمهيد:
اللسان وخطره:
اللسان أداة البيان، وترجمان القلب والوجدان.
والكلام به يتعارف الناس ويتقاربون، وبه يتحاجون ويتفاضلون، ولولاه لما ظهرت ثمرات العقول والمدارك، ولما تلاحقت الأفكار والمشاعر، ولما تزايدت العلوم والمعارف، ولما ترقى الإنسان في درجات أنواع الكمالات، ولما امتاز على بقية الحيوانات.
فهو رابطة أفراد النوع الإنساني وعشائره وأممه. وبريد عقله وواسطة تفاهمه.
فإذا حسن قويت روابط الإلفة، وتمكنت أسباب المحبة، وامتد رواق السلام بين الأفراد والعشائر والأمم. وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم، وتشابكت الأيدي في التعاون والتآزر.
ويعني العالم من وراء ذلك تقرر الأمن واطراد العمران.
وإذا قبح كان الحال على ضد ذلك:
(1) تفسير ابن باديس (105 - 114).
فالكلام السيء قاطع لأواصر الأخوة، باعث على البغضاء والنفرة، يبعد بين العقول فتحرم الاسترشاد والاستعداد والتعاون، وبين القلوب فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة، وهما أشرف ما تتحلى به القلوب، وإذا بطلت الرحمة والمحبة بطلت الألفة والتعاون، وحلت القساوة والعداوة، وتبعهما التخاصم والتقاتل.
وفي ذلك كل الشر لأبناء الشر.
القول الحسن:
فالمحصل للناس سعادتهم وسلامتهم، والمبعد لهم عن شقاوتهم وهلاكهم - هو القول الحسن:
ولهذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يرشد العباد إلى قول التي هي أحسن، فقال تعالى:{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
(والعباد المأمورون هنا هم المؤمنون لوجهين:
الأول: أنهم أُضيفوا إليه وهذه إضافة شرف لا يكون إلا للمؤمنين به.
الثاني: أن الذين يخاطبون بهذا الإرشاد ويكون منهم الامتثال إنما هم من حصلوا أصل الإيمان.
التي هي أحسن ومواطنها:
(والتي هي أحسن) هي الكلمة الطيبة، والمقالة التي هي أحسن من غيرها.
فيعم ذلك.
ما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس، حتى ينادي بعضهم بعضا بأحب الأسماء إليه (1).
وما يكون من البيان العلمي فيختار أسهل العبارات وأقربها للفهم حتى لا يحدث
(1) وكما أوصى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ليكون أدعى إلى المحبة والمودة.
الناس بما لا يفهمون، فيكون عليهم حديثه فتنة وبلاء.
وما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون إذاية لخصمه، ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به (1).
وما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة، فيسوقها بأجلى عبارة وأوقعها في النفس، خالية من السب والقدح، ومن الغمز والتعريض، ومن أدنى تلميح إلى شيء قبيح.
عموم الأمر:
وهذا يطالب به المؤمنون سواء كان ذلك فيما بينهم، أو بينهم وبين غيرهم.
وقد جاء في الصحيح: "أن رهطًا من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: السام عليكما (2) ففهمتها عائشة رضي الله عنها فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقالت: ألم تسمع ما قالوا؟ فقال: قد قلت: وعليكم".
فكان الرد عليهم بمثل قولهم بأسلوب العطف على كلامهم، وهو قوله وعليكم، أحسن من الرد عليهم باللعنة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم القولة التي هي أحسن، وهذا أدب الإسلام للمسلمين مع جميع الناس.
وأفاد قوله تعالى: (أحسن) بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة، فننتقي أحسنها في جميع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام.
(1) والرسول صلى الله عليه وآله وسلم دعا بالرحمة لرجل سهل إذا باع أو اشترى أو قضى أو اقتضى.
(2)
والسام، هو الموت.