الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حاجة اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء؛ فَمَنْ أنكسُ قلبًا وأفسدُ فطرةً وأبطلُ قياسًا ممن يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء وإن الشارع فَرَّق بين المتماثلين؟ هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبد للَّه من انشراحِ القلبِ وقوَّته، واتساع الصدر، وفَرحِ النفس، ونشاطِ الأعضاء؛ فتميزت عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلها دون غيرها، وباللَّه التوفيق.
فصل [توبة المحارب]
وأما اعتبار توبة المحارب قبل القُدرة عليه دون غيره فيقال: أين في نصوص الشارع هذا التفريق؟ بل نصه على اعتبارِ توبة المحارب قبل القدرة عليه إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريقِ الأَوْلى؛ فإنه إذا دُفعت توبته عند حد حِرابه مع شدةِ ضررها وتعديه فلأن تَدفع التوبةُ [ما دون حد](1) الحِراب بطريق الأولى والأحرى (2)، وقد قال اللَّه تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "التَّائب من الذَنْبِ كمن لا ذنبَ له"(3)
= مختصرًا: "إذا توضأ الرجل المسلم خرجت خطاياه من سمعه وبصره ويديه ورجليه فإن قعد قعد مغفورًا له".
ورواه هكذا مختصرًا: أحمد (5/ 252 و 256 و 264)، وأبو عبيد في "الطهور"(رقم 20، 21، 22)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(807)، والطبري (6/ 138). وكلها مدارها على شهر بن حوشب.
وقد وجدت أحمد (5/ 255) يرويه من طريق أبي غالب، عن أبي أمامة موقوفًا مختصرًا، وأبو غالب الراسبي هذا ليس أحسن حالًا من شهر!.
ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(1528) مطولًا لكن ليس بهذه السياقة من حديث أبي أمامة أيضًا.
قال الهيثمي (1/ 222): "ورجاله رجال الصحيح".
وتابع شهرًا: أبو الرصافة وأبو مسلم وأم هاشم؛ كما في "المسند"(5/ 254، 290، 263)، وعبد الرزاق (152)، فالحديث حسن.
(1)
بدل ما بين المعقوفتين في (ن) بياض.
(2)
انظر: "مدارج السالكين"(1/ 365) وسيأتي بحث التوبة في عدة مواضع.
(3)
رواه ابن ماجه (4250) في (الزهد): باب ذكر التوبة، والطبراني في "الكبير"(10281)، والدارقطني في "علله"(5/ 297)(895)، وأبو نعيم في "الحلية"(4/ 210)، والسهمي =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= في "تاريخ جرجان"(674)(ص 399)، والقضاعي في "مسند الشهاب"(108)(1/ 97)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 154)، والخطيب في "الموضح"(1/ 257) كلهم من طريق وهيب بن خالد عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة عن عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا.
قال أبو نعيم: "غريب من حديث عبد الكريم لم يصله عن معمر إلا وهيب".
وقال الدارقطني: "يرويه عن وهيب محمد بن عبد اللَّه الرقاشي، وغيره لا يرفعه".
قلت: بل يرفعه معلى بن أسد: عند الطبراني، والحديث ذكره الهيثمي في "المجمع" (10/ 200): وقال: ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
ولا أدري لماذا ذكره في "الزوائد" مع أنه في "سنن ابن ماجه" بلفظه!
أقول: لكن رواه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبي مريم عن ابن مسعود موقوفًا، وفيه زيادة.
رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 154) والخطيب في "الموضح"(1/ 257).
وسأل ابن أبي حاتم في "العلل" عنه أباه (2/ 141) فقال: هذا خطأ إنما هو عبد الكريم عن زياد بن الجراح عن ابن معقل قال: دخلت مع أبي على ابن مسعود.
ونحوه قال الدارقطني في "علله"(5/ 297) قال: وهو أصح من حديث أبي عبيدة، قاله ابن عيينة، والثوري وغيرهما عن عبد الكريم.
أقول: والحديث المشار إليه هو حديث ابن مسعود: "الندم توبة" وقد اختلف في رفعه ووقفه؛ كما بيَّن الدارقطني في "علله"، ولا أدري لعل الخطأ من وهيب بن خالد فمع أنه من الثقات إلا أنه تغير قليلأ في آخر عمره، وقد خرَّجت حديث:"الندم توبة" في تعليقي على "تالي التلخيص"(1/ 97 - 98) للخطيب البغدادي، فانظره غير مأمور.
وللحديث شواهد:
أولًا: حديث أبي سعيد الأنصاري، رواه الطبراني في "الكبير"(22/ 775)، وأبو نعيم في "الحلية"(10/ 398) من طريق يحيى بن أبي خالد عن ابن أبي سعيد عن أبيه مرفوعًا.
قال الهيثمي في "المجمع"(10/ 200): وفيه من لم أعرفهم.
أقول: هكذا وقع عند الطبراني وأبي نعيم: أبو سعيد، وقد ترجمه ابن أبي حاتم:"أبو سعد"، وكذا ذكره الحافظ في "الإصابة":"أبو سعد".
ثانيًا: حديث ابن عباس، رواه البيهقي في "الشعب"(7178)، وفي "الكبرى"(10/ 154) وابن عساكر في "التوبة"(رقم 9).
قال السخاوي في "المقاصد الحسنة"(152): وسنده ضعيف، فيه من لا يعرف، وروي موقوفًا، قال المنذري: ولعله أشبه وهو الراجح. وقال الذهبي: إسناده مظلم، انظر:"تخريج أحاديث الإحياء"(5/ 2083).
ثالثًا: حديث أنس بن مالك: رواه الديلمي (2251 - ط الريان)، والقشيري في =
واللَّه سبحانه جعل الحدود عقوبة لأرباب الجرائم، ورفع العقوبة عن التائب شرعًا وقدرًا؛ فليس في [شرع اللَّه](1) ولا في قَدَرِه عقوبةُ تائب ألبتَّة، وفي "الصحيحين" من حديث أنس قال:"كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، إني أصبتُ حدًا فأقمه عليَّ. [قال] (2): ولم يسأله عنه، فحضرت الصلاة فصلَّى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاةَ قام إليه الرجل فأعاد قوله، قال: أليس قد صَليتَ مَعَنَا؟ قال: نعم (3)، قال: "فإن اللَّه عز وجل قد غَفَرَ [لَكَ](2) ذَنْبَكَ" (4) فهذا لما جاء تائبًا بنفسه من غير أن يُطلب غفر اللَّه له، ولم يُقم عليه الحد الذي اعترفَ به، وهو أحد القولين في المسألة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب (5).
= "الرسالة"(ص 45). قال شيخنا الألباني في "السلسلة الضعيفة"(2/ 82): هذا إسناد مظلم، من دون أنس لم أجد لأحد مهم ذكرًا في شيء من كتب التراجم.
رابعًا: حديث أبي عتبة الخولاني: رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 154).
وفيه عثمان بن عبد اللَّه الشامي، قال فيه ابن عدي: يروي الموضوعات عن الثقات.
خامسًا: حديث عائشة، أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/ 232) والبيهقي في "الشعب" (رقم 7040) -وقال:"تفرد به هذا النهرواني (أحمد بن عبد اللَّه) -وهو مجهول"- ضمن سياق طويل، وإسناده واه جدًا، فيه مجاهيل وعلي بن زيد بن جدعان.
أقول: الحديث حَسَّنه بشواهده، ابن حجر؛ كما قال السخاوي في "المقاصد الحسنة"، وكذا شيخنا الألباني كما في "السلسلة الضعيفة". وإن كان في النفس من هذا شيء؛ فإن شواهد الحديث كلها واهية، والأوّل معلول، فلا يطمئن القلب لتحسينه، ويظهر أن هذا هو رأي البيهقي في "سننه"، وكانه أيضًا ما يميل إليه البوصيري في "مصباح الزجاجة" (2/ 347) حيث يقول: وروي من أوجه ضعيفة بهذا اللفظ. واللَّه أعلم.
وأصح ما ورد عن الشعبي قوله، أخرجه وكيع في "الزهد"(278)، وابن أبي الدنيا في "التوبة"(رقم 183) وأبو القاسم البغوي في "الجعديات"(رقم 1756)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 403 رقم 2123)، وأبو نعيم في "الحلية"(4/ 318)، والبيهقي في "الشعب"(7196)، وعبد بن حميد -كما في "الدر المنثور"(1/ 261) -، وإسناده صحيح.
(1)
في (ك) و (ق): "شرعه".
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(3)
"المشهور: أن يقول: بلى، ليثبت أنه صلى، أما نعم، فتنفي أنه صلى، وهو غير الواقع"(و).
(4)
رواه البخاري (6823) في (الحدود): باب إذا أقر بالحد ولم يبين، ومسلم في (التوبة) (2764) باب قوله تعالى:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} .
(5)
انظر: "مدارج السالكين"(1/ 178 - 434، 3/ 435)، و"طريق الهجرتين"(417 - 451)،=
فإن قيل: فماعزٌ جاء تائبًا والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهما الحد.
قيل: لا ريبَ أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيمَ عليهما، وبهذا (1) احتج أصحاب القول الآخر، وسألتُ شيخَنا (2) عن ذلك؛ فأجاب بما مضمونه بان الحد مُطهِّر، وإن التوبة مطهرة، وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة (3)، وأبيا إلا أن يُطهرا بالحد، فأجابهما (4) النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ماعزٍ:"هلَّا تركتموه يتوب فيتوب اللَّه عليه"(5) ولو تعيَّن الحدُّ بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخيَّر بين
= و"الداء والدواء"(ص: 11، 125، 214)، و"الوابل الصيب" (ص: 14، 16)، و"الحدود والتعزيرات" (ص: 71 - 85) للشيخ الفاضل بكر أبو زيد، و"سقوط العقوبات في الفقه الإسلامي"(2/ 141 - 157).
(1)
في المطبوع: "وبهما".
(2)
انظر: "الاختيارات الفقهية"(296).
(3)
في (ق) و (ك): "عن التطهير بالتوبة".
(4)
في (ق) و (ك): "فأجابه".
(5)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(10/ 71)، و"المسند"(2/ 161 رقم 648)، وأحمد في "مسنده"(5/ 216 - 218)، وأبو داود (4419) في (الحدود): باب رجم ماعز، ومن طريقه ابن الأثير في "أسد الغابة"(573/ 4)، والنسائي في "سننه الكبرى" (7205) في (الحدود): باب: إذا اعترف بالزنا ثم رجع عنه، و (7274) في الستر على الزاني، والطحاوي في "مشكل الآثار" رقم 435)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(رقم 2393)، والحاكم في "المستدرك"(4/ 363)، والبيهقي (8/ 330 - 331) كلهم من طريقي هشام بن سعد وزيد بن أسلم، كلاهما عن يزيد بن نعيم بن هَزَّال عن أبيه به.
أقول: هذا إسناد رجاله روى لهم مسلم، غير نعيم بن هزال، وقد اختلف في صحبته، قال ابن حبان: له صحبة، وذكره ابن السكن في الصحابة، وظاهر صنيع أبي داود والحاكم إثبات الصحبة له، وذكره ابن أبي عاصم في الصحابة، أما ابن عبد البر فقال: إنه لا صحبة له، وإنما الصحبة لأبيه هَزَّال، وهو أولى بالصواب. ولم يرجح الحافظ ابن حجر شيًا، بشيء، وإنما قال: سيأتي حديثه في ترجمة هَزَّال. وقال في "التلخيص الحبير": إسناده حسن. ولم يجزم ابن عبد الهادي في "التنقيح" بشيء أيضًا -كما في "نصب الراية"(3/ 307)، وإنما قال: فإن لم يثبت صحبته؛ فالحديث مرسل.
أقول: حديث هَزَّال الذي أشار إليه الحافظ هو في قصة ماعز، وليس فيه:"فهلا تركتموه" بل فيه: "يا هَزّال لو سترته بثوبك كان خيرًا لك"، وقد وقع في إسناده اختلاف ذكره النسائي في "سننه الكبرى"(3/ 306 - 307) ينظر فإنه هام.
وقد روى أبو داود (4420)، والنسائي (7207) ما يدل على أن قوله في الحديث ". . . يتوب فيتوب اللَّه عليه" ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قال:"هلا تركتموه وجئتموني به" أي أراد أن يتثبت منه، وقال النسائي بعده: هذا الإسناد خير من الذي قبله. أي حديث نعيم بن هَزَّال. =