الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا من فهمه وفطنته رحمه الله، وفي ذلك فوائد عديدة:
منها: أن المسألة تزداد وضوحًا وبيانًا بتفهم السؤال.
ومنها: أن السائل لعله أهمل فيها أمرًا يتغتر به الحكم فإذا أعادها رُبَّما بيَّنه له.
ومنها: أن المسؤول قد يكون ذاهلًا عند (1) السؤال أولًا، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك.
ومنها: ربما بَان له تعنُّت السائل وأنه وضع المسألة؛ فإذا غَيَّر السؤال وزاد فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقة لها، وأنها من الأغلوطاتِ أو غيرِ الواقعات التي لا يجب الجواب عنها؛ فإن الجوابَ بالظنِّ يجوز عند الضرورة، فإذا وقعت المسألة صارت حال ضرورة فيكون التوفيق إلى الصّواب أقرب، واللَّه أعلم.
ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب
[أنواع ما يحرم القول به]
فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع:
أحدهما: الإعراضُ عمَّا أنزل اللَّه وعدم الالتفات إليه اكتفاءً بتقليد الآباء.
الثاني: تقليدُ من لا يعلم المقلِّد أنه أهل [لأن](2) يُؤخذ بقوله.
الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلَّد، والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قَلَّدَ قبل تمكّنه من العلم والحجة، وهذا قَلَّدَ بعد ظهور الحجة له؛ فهو أولى بالذم ومعصية اللَّه ورسوله.
وقد ذم اللَّه سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا
(1) في المطبوع: "عن".
(2)
بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "أن".
عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف: 23 - 24][وقال تعالى](1): {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [المائدة: 104] وهذا في القرآن كثير يَذمُّ فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء.
فإن قيل: إنّما ذم من قلَّد الكفّار وآباءه الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ولم يَذم من قَلَّد العُلماءَ المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر، وهم أهل العلم، وذلك تقليدٌ لهم، فقال تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وهذا أمرٌ لمن لا يعلم بتقليدِ من يَعْلم.
فالجواب أنه سبحانه ذمَّ من أعرض عَمَّا أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذَمِّه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جُهده في اتباع ما أنزل اللَّه وخفي عليه بعضُه فقلَّد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ إن شاء اللَّه تعالى.
وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما سيأتي، وقال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] فأمر باتباع المُنزَّل خاصة، والمُقلِّد ليس له علم أن هذا هو المنزَّل وإن كان (2) قد تبيَّنت (3) له الدلالة في خلاف قول من قَلَّده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع لغير المنزل، وقال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] فمنَعَنَا سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله، وهذا يبطل التقليد. وقال تعالى:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا (4) وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} [التوبة: 16] ولا وليجة (5) أعظم ممن جعل رجلًا
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) وبدلها في (ك) و (ق): "قال".
(2)
في (ق): "كانت"، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة ما أثبتناه.
(3)
في (ك) و (ق): "تبيّن".
(4)
تحرفت في المطبوع إلى: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة. . . "!.
(5)
"الوليجة: البطانة"(و).
بعينه عيارًا (1) على كلام اللَّه وكلام رسوله وكلام سائر الأمة، يقدّمه على ذلك كله، ويَعْرض كتابَ اللَّه (2) وسنة رسوله وإِجماع الأمة على قوله فما وافقه منها قَبِلَه لموافقته لقوله وما خالفه منها تلطَّف في رده وطلب (3) له وجوه الحيل، فإن لم تكن هذه وليجة فلا ندري ما الوليجة! وقال تعالى:{يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 66 - 67] وهذا نصٌّ في بطلان التقليد.
فإن قيل: إنما فيه ذم من قلد من أضله السبيل، أما من هداه السبيل فأين ذم اللَّه تقليده؟
قيل: جواب [هذا](4) السؤال في نفس السؤال، فإنه لا يكون العبد مهديًا (5) حتى يتبع ما أنزل اللَّه على رسوله؛ فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل اللَّه على رسوله فهو مهتد، وليس بمقلد، وإن لم يعرف (6) ما أنزل اللَّه على رسوله فهو جاهلٌ ضالٌ بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدًى في تقليده؟ وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب وأنهم إنما يقلدون (7) أهل الهدى فهم في تقليدهم على هدى.
فإن قيل: فأنتم تُقِرُّون (8) أن الأئمة المقلدين في الدِّين على هدى، فمقلِّدوهم على هدى قطعًا؛ لأنهم سالكون خلفهم.
قيل: سلوكُهُم خلفهم مبطلٌ لتقليدهم لهم قطعًا؛ فإن طريقتَهم كانت اتباع الحجة والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم إن شاء اللَّه تعالى، فمن ترك الحجة وارتكب ما نَهوا عنه ونهى اللَّه ورسوله عنه قبْلهم فليس على طريقتهم وهو من المخالفين لهم، وإنما يكون على طريقتهم من اتَّبع الحجة، وانقاد للدليل، ولم يتخذ رجلًا بعينه سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يجعله مختارًا على الكتاب والسنة يعرضها (9)
(1) كذا في (ق) و"الإحكام"(6/ 124) لابن حزم -ومنه ينقل المصنف- وفي جميع النسخ المطبوعة: "مختارًا"!! وفي هامش (ق): "معيارًا".
(2)
في (ن) و (ك): "كلام اللَّه" وبعدها في (ك) و (ق): "وكلام رسوله".
(3)
في المطبوع: "تطلب"، وأشار في هامش (ق) إلى أنه في نسخة هكذا.
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(5)
في المطبوع: "مهتديا".
(6)
في المطبوع: "وإن كان لم يعرف".
(7)
في المطبوع: "وأنهم إن كانوا إنما يقلدون".
(8)
في (ك): "مقرّون".
(9)
في (ن): "يعرفها"، وفي (ك) و (ق):"يعرضهما".