الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن نبيهم فيقولون: أَمَر بكذا، [وفَعلَ كذا](1)، ونَهى عن كذا هكذا كانت فتواهم؛ فهي حجة على المستفتين كما هي حجة عليهم، ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدمها، واللَّه ورسوله وسائر أهل العلم يعلمون أنهم وأن مستفتيهم لم يعملوا (2) إلا بما عَلِموه عن نبيهم وشاهدوه وسمعوه منه، هؤلاء بواسطة وهؤلاء بغير واسطة، ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد من الأمة يحلل ما حَلَّله ويحرِّم ما حَرَّمه ويستبيح ما أباحه، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من أفتى بغير السنة منهم، كما أنكر على أبي السنابل [وكَذَّبه](3)، وأنكر على من أفتى برجم الزاني البكر (4) وأنكر على من أفتى باغتسال الجريح حتى مات (5)، وأنكر على من أفتى بغير علم؛ كمن يُفتي بما لا يعلم صحته، وأخبر أن إثم المستفتي عليه (6)، فإفتاء الصحابة في حياته نوعان؛ أحدهما: كان يبلغُه ويُقرِّهم عليه، فهو حجة بإقراره لا بمجرد إفتائهم، الثاني: ما كانوا [يفتون](7) به مُبلغين له عن نبيهم، فهم فيه رُواة لا مقلِّدون ولا مقلَّدون.
[المراد من إيجاب اللَّه قبول إنذار من نفر للفقه في الدين]
الوجه السابع والخمسون: قولكم: "وقد قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في المطبوع: "لم يعلموا"!
(3)
هو في حديث رواه البخاري (5319)، و (5320) في (الطلاق): باب {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ، ومسلم (1484) في (الطلاق): باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل من حديث، سبيعة الأسلمية.
وقد جاء -أيضًا- في حديث رواه أبو السنابل نفسه، رواه أحمد (4/ 304 - 305)، والترمذي (1193)، والنسائي (6/ 190 - 191)، وابن ماجه (2027)، والطبراني (22/ رقم 896 - 900)، إلا أن فيه انقطاعًا كما قال الترمذي وغيره، وانظر "الإصابة"(4/ 96) ترجمة أبي السنابل.
وما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4)
يريد حديث العسيف الذي رواه البخاري (2314) في (الوكالة): باب الوكالة في الحدود -وأطرافه كثيرة- ومسلم (1697) في (الحدود): باب من اعترف على نفسه بالزنا من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، وفيه: وأني أُخبرت أن على ابني الرجم. . . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقصن بينكما بكتاب اللَّه. . . وعلى ابنك جَلْد مئة وتغريب عام.
(5)
سبق تخريجه.
(6)
سيأتي لفظه وتخريجه.
(7)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] فأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم" جوابه من وجوه؛ أحدها: أن اللَّه سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي؟. الثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة؛ فإنه سبحانه نوَّع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين:
أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء أهل الجهاد وأهل العلم؛ فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار من سمعه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهنا للناس في الآية قولان: أحدهما: أن المعنى فهلَّا نَفَر من كل فرقة طائفة تتفقه وتُنذر القاعدة، فيكون المعنى في طلب العلم، وهذا قول الشافعي (1) وجماعة من المفسرين، واحتجوا به على قبول خبر الواحد؛ لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدد التواتر. والثاني: أن المعنى فلولا نفر من كل [فرقة](2) طائفة تجاهد لتتفقه (3) القاعدةُ وتنذر النافرةَ للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح؛ لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"وإذا استُنْفِرتم فانفِروا"(4) وأيضًا فإن المؤمنين عامٌ في المقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم والغائبين عنه، والمقيمون مرادون ولا بد فإنهم سادات المؤمنين، فكيف لا يتناولهم اللفظ؟ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصًا بالغائبين عنه فقط، والمعنى وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم، فلولا نفر إليه [من](5) كل [فرقة](2) منهم طائفة، وهذا خلافُ ظاهر لفظ المؤمنين، وإخراجٌ للفظ النفير عن مفهومه في القرآن والسنة، وعلى كلا القولين فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد (6)
(1) انظر: "أحكام القرآن" للبيهقي (ص 35)، و"الرسالة"(ص 365 - 369) للشافعي.
(2)
في (ط): "قرية"!!
(3)
في (ك): "التفقه".
(4)
رواه البخاري (1834) في (جزاء الصيد): باب لا يحل القتال بمكة، و (2783) في (الجهاد): باب فضل الجهاد، و (2825) باب وجوب النفير، و (3077) باب لا هجرة بعد الفتح، ومسلم (1353) في (الحج): باب تحريم مكة وصيدها. . . وفي (الإمارة): باب المبايعة بعد فتح مكة، من حديث ابن عباس.
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(6)
انظر في هذا المعنى المستنبط من الآيات: "بدائع الفوائد"(4/ 189 - 190).