الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي، وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير، وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما.
وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت [له] (1) امرأة: هذا واجب قد وُضِع عنا، فقال: هَبِي أنه قد وضع عنكنَّ سلاح اليد واللسان، فلم يوضع عنكن سلاح القلب، فقالت: صدقتَ جزاك اللَّه خيرًا.
[تعطيل العبودية الخاصة تجعل الإنسان من أقل الناس دينًا]
وقد غرَّ إبليس أكثر الخلق بأنْ حسّن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطَّلوا هذه العبوديات، فلم يحدثوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينًا؛ فإن الدين هو القيام بما أمر اللَّه به (2)، فتارك حقوق اللَّه التي تجب عليه أسوأ حالًا عند اللَّه ورسوله من مرتكب المعاصي؛ فإن ترْك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجهاَ ذكرها شيخنا (3) رحمه الله في بعض تصانيفه.
[أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينًا]
ومن له خبرة بما بعث اللَّه به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما كان هو عليه وأصحابه رأى أن أكثر من يُشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينًا، واللَّه المستعان، وأيّ دين وأيُّ خير فيمن يرى محارم اللَّه تُنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة [رسول اللَّه](4) صلى الله عليه وسلم يُرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان؟ شيطان أخرس! كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذي إذا سَلِمت لهم مآكلُهم ورياساتُهم فلا مُبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزن المتلمظ (5)، ولو
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2)
في المطبوع: "القيام للَّه لما أمر به".
(3)
انظر: "مجموع الفتاوى"(11/ 28/ 129 - 130، 29/ 279) وذكر المصنِّفُ في كتابه "الفوائد"(ص 153 - 164) ثلاثًا وعشرين وجهًا منها.
(4)
بدل ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق): "رسوله".
(5)
"لمظ: تتبع بلسانه اللماظة، وهي بقية الطعام في الفم، وأخرج لسانه، فمسح بشفتيه، أو تتبع الطعم، وتذوق كتلمظ"(و) وفي (ق): "المتلحض".
نُوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتَبذَّل وجدَّ واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه (1). وهؤلاء -مع سقوطهم من عين اللَّه ومَقْتِ اللَّه لهم- قد بُلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب؛ فإن (2) القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه للَّه ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل.
وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرًا أن اللَّه سبحانه أوحى إلى ملك من الملائكة أنِ اخسِف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب كيف وفيهم فلان العابد؟ فقال: به فابدأ؛ فإنه لم يتمعّر (3) وجهه فيّ يومًا قط (4).
(1)"لكأنما يصف ابن القيم بعض شيوخ الدين في عصرنا"(و).
(2)
في المطبوع: "فإنه".
(3)
"يتغير"(و).
(4)
رواه الطبراني في الأوسط (رقم 7661)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(7595) من طريق عبيد بن إسحاق العطار حدثنا عمار بن سيف عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف، عبيد بن إسحاق، ضعفه يحيى بن معين وقال البخاري: عنده مناكير، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر، وقال الأزدي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ما رأينا إلا خيرًا، وما كان بذاك الثبت، وفي حديثه بعض الإنكار.
أما الذهبي فقال: وأما أبو حاتم فَرضيه!!!. وعمار بن سيف: أثنى عليه ابن المبارك، وقال العجلي: ثقة ثبت متعبد وكان صاحب سنة. . . وروى الدارمي عن ابن معين: ثقة. وفي أخرى عن ابن معين: ليس حديثه بشيء.
وقال أبو حاتم: كان شيخًا صالحًا وكان ضعيف الحديث منكر الحديث. وجَرَحه أبو زرعة والبخاري والبزار وأبو نعيم، وقال ابن عدي: والضعف على حديثه بيّن، إذن فالرجل ضعيف ويحمل كلام من أحسن الكلام فيه على صلاحه وتقواه، أما في الحديث فلا.
لذلك فقول الهيثمي في "المجمع"(7/ 270): وكلاهما ضعيف، ووثَّق عَمَّار بن سيف ابنُ المبارك وجماعة ورضي أبو حاتم عبيد بن إسحاق!! فيه نظر.
أما شيخنا الألباني رحمه الله فقال: ضعيف جدًا.
ثم وجدت الحافظ البيهقي رحمه الله قد روى الحديث (7594) من قول مالك بن دينار وقال: وهذا هو المحفوظ من قول مالك بن دينار ثم ذكره مرفوعًا. ونقل الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" قول البيهقي. والأثر أورده ابن وضاح في "البدع"(311)، وابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف"(69)، و"العقوبات"(رقم 14)، وعبد الغني المقدسي في "الأمر بالمعروف"(42) بإسناد حسن عن أبي هزان رافع بن أبي جميلة الشامي قوله.
ورواه ابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف"(70) عن مسعر بن كدام قوله، وإسناده صحيح.