الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبين وليه حُكم مناجاته له كما قطعها كلمةٌ من كلام الآدميين أو قهقهةٌ أو ريحٌ أو ألقى عليه الغير نجاسة أو نوّمه الشيطان فيها؟
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحة ليقْطع عليَّ صلاتي"(1).
وبالجملة؛ فللشارع [صلى الله عليه وسلم](2) في أحكام العبادات أسرارًا لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل وإن أدركتها جملة.
فصل [الحكمة في التفرقة بين الريح والجُشاء]
وأما قوله: "وفرق بين الريح الخارجة من الدُّبر وبين الجشوة؛ فأوجب الوضوء من هذه دون هذه "فهذا أيضًا من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرق بين البَلْغم الخارج من الفَم وبين العَذِرَة في ذلك، ومَنْ سوّى بين الريح والجشاء فهو كمن سوّى بين البلغم والعذرة، والجشاء من جنس العُطاس الذي هو ريحٌ تُحتبس في الدماغ ثم تطلب لها منفذًا فتخرج من الخياشيم فيحدث العُطاس، وكذلك الجُشاء ريحٌ تُحبس (3) فوق المعدة (4) فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحبس تحت المعدة، ومن سوى بين الجشوة والضّرْطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحس.
فصل [الحكمة في التفرقة بين الخيل والإبل في الزكاة]
وأما قوله: "أوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها عن آلاف من
(1) رواه البخاري في (الصلاة): (461) باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد، و (1210) في (العمل في الصلاة): باب ما يجوز من العمل في الصلاة، و (3284) في (بدء الخلق): باب صفة إبليس وجنوده، و (3423) في (أحاديث الأنبياء): باب قول اللَّه تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} و (4808) في (التفسبر): باب {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} ، ومسلم (541) في (المساجد): باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
ما بين المعقوتين من (ق).
(3)
في (د): "تحتبس".
(4)
في (ق) و (ن): "تحبس تحت المعدة"! ثم ضرب على "تحت" في (ق)، وقال في الهامش:"لعله: في".
الخيل" فلعمرُ اللَّه إنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا كما في "سنن أبي داود" من حديث عاصم بن ضَمْرة عن علي (1) قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: قد عفوتُ [لكم] (2) عن الخيلِ والرَّقِيقِ، فهاتوا صدقةَ الرقةِ (3) من كل أربعين درهمًا درهمًا (4)، وليس في تسعين ومئة شيء، فإذا بلغت مئتين ففيها خمسةُ دراهم"(5) ورواه سفيان عن أبى إسحاق عن الحارث عن علي صلى الله عليه وسلم (6)، وقال بقية: حدثني
(1) في المطبوع زيادة "كرم اللَّه وجهه".
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(3)
الرقة -بكسر الراء وفتح القاف مخففة-: الفضة" (د).
(4)
في المطبوع: "درهم"!
(5)
رواه أحمد في "مسنده"(1/ 121 - 122، 132، 146)، وابن أبي شيبة (3/ 152)، وابن ماجة (1790) في (الزكاة): باب زكاة الورق والذهب، و (1813) في باب صدقة الخيل والرقيق، وأبو يعلى (561)، والحميدي (54)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 28 - 29)، والخطيب في "تاريخ بغداد"(7/ 141)، والبيهقي في "سننه الكبرى"(4/ 118) من طرق عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي مرفوعًا.
والحارث الأعور هذا ضعيف.
ورواه أحمد في "مسنده"(1/ 92 و 113 - 114) وفي "التاريخ والعلل"(1/ 201، 3515 رقم 1089، 2217)، وابنه عبد اللَّه في "زوائده على المسند"(1/ 145 و 148)، والدارمي في "سننه"(1/ 383). وأبو عبيد في "الأموال"(1356)، وابن زنجويه في "الأموال"(391، 1604، 1871)، وأبو داود (1574) في (الزكاة): باب في السائمة، والترمذي (620) في (الزكاة): باب ما جاء في زكاة الذهب والورق، والنسائي في "سننه" (5/ 37) في (الزكاة): باب زكاة الورق، والطحاوي (2/ 28)، وابن خزيمة في "صحيحه"(2284، 2297)، والدارقطني في "سننه"(2/ 126)، والبغوي (1582)، وأبو حامد الأزهري في "الفوائد المنتخبة"(ق 256/ م) والبزار (678، 679)، وأبو جهم الباهلي في "جزئه"(ق 63/ أو رقم 93، المطبوع)، والطبراني في "المعجم الصغير"(1/ 232)، وابن حزم (5/ 229 و 6/ 61)، وابن عبد البر (17/ 133)، والحاكم (1/ 400)، والبيهقي (4/ 117 - 118) من طرق عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي مرفوعًا. ورواه موقوفًا من طريق أبي إسحاق: عبد الرزاق (6881)، وأبو عبيد (1002، 1160، 1161)، وابن زنجويه (1473، 1475، 1663)، كلاهما في "الأموال"، والدارقطني (2/ 126)، والبيهقي (4/ 116)، وابن حزم (6/ 38).
وقد رجح البخاري -فيما نقل عنه الترمذي- والدارقطني في "العلل"(3/ 156 - 159 رقم 326) كلا الطريقين، وقد نقل ابن حجر في "التلخيص" (2/ 173) عن الدارقطني أنه قال: الصواب وقفه على علي. ولم أر هذا القول في "العلل" ولا في "السنن".
وانظر: "زاد المعاد"(1/ 149)، و"تهذيب السنن"(2/ 192).
(6)
طريق سفيان -وهو ابن عيينة- هذا: رواه ابن أبي شيبة (3/ 152 و 14/ 242)، والشافعي =
أبو معاذ الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة يرفعه، "عفوتُ لكم عن صدقةِ الجَبْهَةِ والكُسْعَة والنُّخَّة" (1) قال بقية: الجبهة الخيل،
= في "السنن"(65)، وأحمد في "مسنده"(1/ 132)، (146)، والحميدي في "مسنده"(54)، وعبد بن حميد في "المنتخب"(رقم 65)، وأبو عبيد (254، 1355)، وابن ماجه (1790، 1813)، وأبو يعلى (299، 580)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 28 - 29)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 118)، ورواه الطيالسي (124)، ومن طريقه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان"(2/ 61)، وأحمد (1/ 146)، والطحاوي (2/ 28) عن شريك، وابن أبي شيبة (3/ 152)، وأحمد (1/ 121) عن حجاج، وأبو داود (1573) عن جرير بن حازم وآخر، و (1572)، والطبراني في "الطوال"(57)، وابن زنجويه (1475)، والدارقطني (2/ 103)، والبيهقي (4/ 99) عن زهير، وأبو يعلى (561) عن عمر بن عامر، وابن زنجويه (1870) عن إسرائيل، والطحاوي (2/ 29) عن إبراهيم بن طهمان، والدارقطني (2/ 98)، والخطيب (7/ 141) عن السيد بن عيسى، والبيهقي (4/ 118) عن سفيان الثوري، وابن المظفر في "غرائب شعبة"(ق 21/ أ) عن شعبة، والخطيب (7/ 302) عن إدريس الأزدي، والذهبي في "السير"(12/ 473) عن خالد بن أبي خالد جميعهم عن أبي إسحاق به.
وإسناده ضعيف جدًا؛ الحارث متروك.
(1)
رواه من هذا الطريق: البيهقي (4/ 118) من طريق محمد بن المتوكل عن بقية به، وقال: كذا رواه بقية بن الوليد عن أبي معاذ وهو سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث ولا يحتج به، وقد اختلف عليه في إسناده، فقيل هكذا وقيل عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة.
أخرجه الطبراني في "الكبير" -كما في "المجمع"(2/ 69) - وابن عدي في "الكامل"(3/ 254)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"(2/ ق 45/ ب)، وفيه سليمان بن أرقم المذكور.
ورواه أبو داود في "المراسيل"(114) من طريق كثير أبو سهل عن الحسن مرسلًا ورجاله ثقات لولا إرساله.
وهو في "غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 7) من طريق حماد بن زياد عن كثير بن زياد يرفعه؛ كما قال ثم قال: وعن جويبر عن الضحاك يرفعه!!
ورواه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 118) من طريق أبي عبيد عن نُعيم بن حماد عن ابن الدراوردي عن أبي جزرة القاص يعقوب بن مجاهد عن سارية الخُلجي مرفوعًا به.
وهذا إسناد ضعيف، نعيم بن حماد فيه كلام وسارية هذا ليس بصحابي؛ كما قال البخاري وابن حبان، وانظر:"الإصابة"(2/ 118) حيث ذكره في القسم الرابع.
ثم قال البيهقي: "أسانيد هذا الحديث ضعيفة"، وقال ابن حجر في "الدراية" (1/ 254):"إسنادهُ ضعيف، وقد اضطرب فيه من رواية سليمان بن أرقم أبو معاذ". =
والكسعة: البغال والحمير، والنُّخة: المربيات في البيوت، وفي "كتاب عمرو بن حزم":"لا صدقة في الجبهة والكسعة، والكسعة: الحمير، والجبهة: الخيل"(1).
وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة، [عن النبي صلى الله عليه وسلم]:"ليس على المسلم في عبْدِه ولا فرسه صدقة"(2).
والفرق بين الخيل والإبل أن الخيل تُراد لغير ما تُراد له الإبل؛ فإن الإبل تراد للدَّرِّ والنَّسل والأكل وحمل الأثقال والمتاجر والانتقال عليها من بلد إلى بلد، وأما الخيل فإنما خُلقت للكرِّ والفَرِّ والطلب والهرب، وإقامة الدين، وجهاد أعدائه، وللشارع قصدٌ أكيد في اقتنائها وحفظها والقيام عليها، وترغيب النفوس في ذلك بكل طريق، ولذلك عفا عن أخذ الصدقة منها؛ ليكون ذلك أرغب للنفوس (3) فيما يحبه اللَّه ورسوله من اقتنائها ورباطها، وقد قال [اللَّه] (4) تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] فرباطُ الخيل من جنسِ آلاتِ السلاح والحرب، فلو كان عند الرجل منها ما عَسَاه أن يكون ولم يكن للتجارة لم يكن عليه فيه زكاة، بخلاف ما أُعدّ للنفقة؛ فإن الرجل إذا ملك منه نصابًا ففيه الزكاة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بعينه في قوله:"قد عفوتُ لكم عن صدقةِ الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقة"(5) أفلا تراه كيف فرف بين ما أُعدَّ للإنفاق [وبين](4) ما أعد لإعلاء كلمة اللَّه ونصر دينه وجهاد أعدائه؟ فهو من جنس السيوف والرماح والسهام، وإسقاط الزكاة في هذا الجنس من محاسن الشريعة وكمالها (6).
= وانظر: "فيض القدير"(4/ 318).
وفي "النهاية": هي الرقيق، وقيل: الحمير، وقيل: البقر، والعوامل وتفتح نونها وتضم، وقيل هي كل دابة استعملت، وقيل: البقر العوامل: بالضم، وغيرها بالفتح" (د).
(1)
كتاب عمرو بن حزم خرجته بإسهاب وتفصيل في تعليقي على "الخلافيات"(1/ 498 وما بعد) فانظره فإنه مفيد.
(2)
رواه البخاري (1463) في (الزكاة): باب ليس على المسلم في فرسه صدقة، و (1464) باب ليس على المسلم في عبده صدقة، ومسلم (982) في (الزكاة): باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، وما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(3)
في (ك) و (ق): "إلى النفوس".
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(5)
سبق تخريجه قريبًا.
(6)
انظر: "زاد المعاد"(1/ 147).