الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صفيَّة وجعل عتقها صداقها (1)، ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج، وأباح اللَّه ورسوله النكاحَ وردَّا فيه الأمَّةَ إلى ما تتعارفه نكاحًا بأي لفظ كان.
[عودة الى الرد على من زعم أنَّ الإجارة بيع معدوم]
ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيمٌ شرعي (2)، فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلًا، فما هو الضابط لذلك؟ وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحًا أو كناية أمر يختلف باختلاف عُرف المتكلم والمخاطب والزمان والمكان، فكَم من لفظ صريح عند قوم وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان وزمان دون زمان؟ فلا يلزم صريحًا (3) في خطاب الشارع أن يكون صريحًا عند كل متكلم، وهذا ظاهر.
[جوز الشارع المعاوضة على المعدوم]
والمقصود أن قوله "إن الإجارة نوع من البيع" إن أراد به البيع الخاص فباطل، وإن أراد به البيع العام فصحيح، لكن (4) قولُه:"إن هذا البيع لا يرد على معدوم" دعوى باطلة؛ فإن الشارع جَوَّز المعاوَضة العامة على المعدوم، فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد فإن المنافع لا يمكن أن
= (النكاح): باب تزويج المعسر، و (5121) نجاب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، و (5126) في (النظر إلى المرأة قبل التزويج)، و (5141) باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة، و (5871) في (اللباس): باب خاتم الحديد، ومسلم (1425) في (النكاح): باب الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، من حديث سهل بن سعد.
وله لفظ آخر: "زوجتكها بما معك من القرآن"، وآخر "أنكحتكها بما معك. . ."، وهو في "صحيح البخاري" بجميع ألفاظه أنظر أطراف الحديث في صحيح البخاري عند رقم (2310).
(1)
رواه البخاري (4200) في (المغازي): باب غزوة خيبر، و (5086) في (النكاح): باب من جعل عتق الأمة صداقها، و (5169) باب الوليمة ولو بشاة، ومسلم (1365) (84 - 85) (ص 1043 و 1044 و 1045) في (النكاح): باب من جعل عتق الأمة صداقها، من حديث أنس مطولًا ومختصرًا.
(2)
بين كلمتي "تقسيم شرعي" في (ق) بياض يسع كلمة.
(3)
في (ق): "فلا يلزم من كونه صريحًا".
(4)
في (د): "ولكن".
يُعقد عليها في حال وجودها البتة، بخلاف الأعيان، وقد فرّق بينهما الحِسّ والشرع؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يُؤخر العقدُ (1) على الأعيان التي لم تخلق إلى أن تخلق (2) كما نهى عن بيع السِّنين (3) وحَبَلِ الحبلة والثمر قبل أن يبدو صلاحه والحبِّ حتى يشتد (4)، ونهى عن الملاقيح والمضامين (5) ونحو ذلك، وهذا يمتنع مثله في المنافع، فإنه لا يمكن أن تُباعَ إلا في حال عدمها، فهاهنا أمران: أحدهما: يمكن إيرادُ العقد عليه (6) في حال وجوده وحال عَدَمِه، فنهى الشارعُ عن
(1) بين كلمتي "يؤخر العقد" في (ق) بياض قدر كلمتين وقال: "يؤجر" بدل "يؤخر".
(2)
هذا ليس بنص وإنما قاعدة أخذها من الأحاديث النبوية، ثم بدأ يذكر أمثلة بعدها.
(3)
بيع السنين: "هو أن يبع ثمرة نخله لأكثر من سنة؛ لأنه غرر، وبيع ما لم يخلق"(و).
(4)
أما النهي عن بيع السنين، فثابت في حديث رواه مسلم (1536) (101) في (البيوع): باب كراء الأرض من حديث جابر.
أما النهي عن بيع حَبَل الحَبَلة: فرواه البخاري في "صحيحه"(2143) في (البيوع) باب بيع الغرر وحَبَل الحَبَلة، و (2256) في (السلم): باب السلم إلى أن تنتج الناقة، و (3843) في (مناقب الأنصار): باب أيام الجاهلية، ومسلم (1514) في (البيوع): باب تحريم حبل الحبلة.
وأما النهي عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، والحب حتى يشتد فمخرج في مواطن كئيرة ووقع في (ق) و (ك):"قبل بدو صلاحه".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(14138) عن معمر، وابن عيينة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعًا، قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (3/ 12): إسناده قوي.
وفي الباب عن أبي هريرة: رواه البزار في "مسنده"(1267) من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد عنه، وقال: لا نعلم أحدًا رواه هكذا إلا صالح، ولم يكن بالحافظ، قال الهيثمي في "المجمع" (4/ 104): فيه صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف، وقال نحوه ابن حجر في "التلخيص"(3/ 12).
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس: رواه البزار (1268)، والطبراني في "الكبير"(11581) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عنه، قال الهيثمي (4/ 104): وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وثقه أحمد وضعفه جمهور الأئمة.
أقول: بل ضعفوه شديدًا، ورواية داود عن عكرمة فيها ضعف أيضًا.
وروى مالك في "الموطأ"(2/ 654) عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: وإنما نُهي من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح، ورواه عبد الرزاق (14137) عن معمر عن ابن شهاب به، ونقل ابن حجر في "التلخيص" عن الدارقطني في "علله" قوله: تابعه معمر (أي عن الزهري)، ووصله عمر بن قيس عن الزهري، والصحيح قول مالك.
(6)
في (ك): "عليهن".
بيعه حتى يوجدَ وجوَّز منه بيع ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد إذا دعت الحاجة إليه، وبدون الحاجة لم يجوّزه.
والثاني ما لا يمكن إيرادُ العقدِ عليه إلا في حال عَدَمِهِ [كالمنافع](1)، فهذا جوَّزَ العقد عليه ولم يمنع منه.
فإن قلت: أنا أقيس أحد النوعين على الآخر، وأجعل العلة [مجرد](1) كونه معدومًا.
قيل: هذا قياسٌ فاسد؛ لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين، وقولك:"إن العلة مجرد كونه معدومًا" دعوى بغير دليل، بل دعوى باطلة، [فلمَ لا](2) يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدومًا يمكن تأخير بيعه إلى زمنِ وجوده؟ وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدمٍ خاص، وأنت لم تبيّن أنَّ العلةَ في الأصل مجرد كونه معدومًا، فقياسك فاسد، وهذا كافٍ في بيان فساده بالمطالبة، ونحن نبين بطلانه في نفسه، فنقول: ما ذكرناه علةٌ مطردةٌ، وما ذكرته علةً منتقضة، فإنك إذا عَلّلْت بمجرد العدم (3) وَردَ عليك النقضُ بالمنافع كُلِّها وبكثيرٍ (4) من الأعيان وما علّلنا به لا ينتقض، وأيضًا فالقياس المحْضُ وقواعد الشريعة وأصولها ومناسباتها (5) تشهد لهذه العلة، فإنه إذا كان له حال وجود وعدمٍ كان في بيعه حال العدم مخاطرة وقمار، وبذلك علَّل النبي صلى الله عليه وسلم المنع حيث قال:"أرأيت إن منع اللَّه الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ "(6) وأما ما ليس له إلا حالٌ واحدٌ (7) والغالبُ فيه السلامة فليس العقد (8) عليه مُخاطرةً ولا قمارًا، وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه، ومن أصول الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما، والغَرَر إنما نُهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما (9)،
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(2)
قال في هامش (ق): "لعله: فإنه" وسقطت "لا" منها.
(3)
في (ك): "المعدوم".
(4)
في (ق) و (ك): "والكثير".
(5)
في (ق) و (ك): "ومناسبتها".
(6)
رواه البخاري (2198) في (البيوع): باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، و (2208) باب بيع المخاضرة، ومسلم (1555) في (المساقاة): باب وضع الجوائح، من حديث أنس بن مالك.
(7)
في (ق): "واحدة".
(8)
في (ن): "فليس العدم".
(9)
أخرج مسلم في "صحيحه"(كتاب البيوع): باب بطلان بيع الحصاة والذي فيه غرر، =
وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضَررٌ أعظم من ضرر المخاطرة، فلا يُزيل أدنى الضررين بأعلاهما، بل قاعدةُ الشريعة ضد ذلك، وهو دفعُ أعلى الضَّررين باحتمال أدناهما (1)، ولهذا لما نهاهم عن المُزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحَها لهم في العَرايا للحاجة (2)؛ لأن ضررَ المنعِ من ذلك أشدُّ من ضرر المُزابنة، ولما حرَّم عليهم الميتة لما فيها من خَبْث التغذية أباحها لهم عند الضرورة (3)، ولما حرَّم عليهم النظر إلى الأجنبية (4) أباح منه ما تدعو إليه الحاجة
= (4/ 1153/ رقم 1513) عن أبي هريرة قال: "نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر"، وبيع الحصاة فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة.
والثاني: أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي الحصاة.
والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعًا، فبقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة، فهو مبيع منك بكذا.
وبيع الغرر: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة؛ كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن. . . ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل لأنه كرر من غير حاجة، ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع، وعلم أن بيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع حبل الحبلة وبيع الحصاة وعسيب الفحل وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في النهي عن الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهى عنها لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة.
(1)
انظر كلام ابن القيم حول هذه القاعدة في "مفتاح دار السعادة"(ص 341)، فإنه مهم، و (ص: 348)، و"الداء والدواء"(ص 225 - 226، 309 - 310)، و"روضة المحبين"(ص 132).
(2)
انظر حول بيع العرايا وجوازه للحاجة: "زاد المعاد"(2/ 194)، (3/ 88).
والحديث رواه البخاري (2173) في (البيوع): باب بيع الزبيب بالزبيب، والطعام بالطعام، و (2184 و 2188) باب بيع المزابنة، و (2192) في باب تفسير العرايا، و (2380) في (المساقاة): باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم (1539)، من حديث زيد بن ثابت.
(3)
في المطبوع و (ق) و (ك): "لهم للضرورة".
(4)
ورد ذلك في أحاديث كثيرة، خرجناها في رسالة أبي بكر بن حبيب العامري (ت 530 هـ):"أحكام النظر إلى المحرمات"، منها ما أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الأدب): باب نظر الفجأة (رقم 2159) عن جرير بن عبد اللَّه البجلي، قال: سألت رسول اللَّه عن نظر الفجأة، فقال لي:"اصرف بصرك". =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومنها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل بن عباس خلفه في الحج، فجاءت جارية من خَثْعَم تستفتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلوى النبي صلى الله عليه وسلم عنق الفضل لئلا ينظر إليها، فقال له عمه العباس: لويت عنق ابن عمك يا رسول اللَّه، فقال عليه السلام:"رأيت شابًا وشابةً، فلم آمن الشيطان عليهما".
والحديث أخرجه أحمد في "المسند"(1/ 76، 157)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الحج): باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (رقم 885)، وأبو داود مختصرًا في "السنن" (كتاب المناسك): باب الصلاة بجمع (رقم 1935)، وابن ماجه مختصرًا في "السنن" (كتاب المناسك): باب الوقف بعرفات (رقم 3010)، والطحاوي في "مشكل الآثار"(2/ 72)، وابن خزيمة في "الصحيح"(4/ 262/ رقم 2837)، وابن الجارود في "المنتقى"(رقم 471)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 122 و 7/ 89)، وأبو يعلى في "المسند"(1/ 264 - 265، 413 - 414/ رقم 312، 544) من طرق عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي به.
وإسناده صحيح، وتابع الثوريَّ جماعة، منهم: المغيرة بن عبد الرحمن، ومسلم بن خالد الزنجي؛ كما عند عبد اللَّه في "زوائد المسند"(1/ 76، 81)، وإبراهيم بن إسماعيل -وهو ضعيف-، كما عند البزار في "البحر الزخار"(رقم 479)، وقد وهم فيه، فقال:"عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن علي".
قال البزار عقبه: "وهذا الحديث قد رواه الثوري والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخالفهما إبراهيم بن إسماعيل في هذا الإسناد؛ فقال: عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والصواب حديث الثوري والمغيرة".
قلت: وذكره الدارقطني في "العلل"(رقم 411)، وقال: "هو حديث يرويه الثوري والدراوردي، ومحمد بن فليح والمغيرة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن الحارث، وخالفهم إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، فرواه عن. . . . زاد فيه أبا رافع، ووهم، والقول قول الثوري ومن تابعه، واللَّه أعلم.
ورواه يحيى بن عبد اللَّه بن سالم عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن أبيه عن علي، ولم يذكر ابن أبي رافع، والصواب ما ذكره من قول الثوري ومن تابعه".
قلت: وللحديث شواهد كثيرة؛ منها حديث الفضل بن العباس وابن عباس وجابر، وغيرهم رضوان اللَّه عليهم، وانظر:"التلخيص الحبير"(3/ 150).
قال ابن بطال: "وفي الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة"، وقال:"ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه"، وقال:"وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما رُكِّب فيه من الميل إلى النساء، والإعجاب بهن"، راجع:"فتح الباري"(11/ 10).