الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمدُ إلى هذا توقيفًا على خِلاف القياس.
والصواب أنه مقتضى القياس والعَدْل، وهذا يتبين بأصل، وهو أن الجناية إذا حصلت من فعلٍ مضمونٍ ومُهْدر سقط ما يقابل المهدر واعتُبر ما يُقابل المضمون، كما لو قتل عبدًا مشتركًا بينه وبين غيره، أو أتلف مالًا مشتركًا أو حيوانًا سقط ما يُقابل حَقَّه ووجب عليه ما يقابل حقَّ شريكه، وكذلك لو اشترك اثنان في إتلاف مالِ أحدِهما أو قَتْلِ عبده أو حيوانه سقط عن المشارك (1) ما يقابل فعله، ووجب على الآخر من الضمان بقِسْطه (2)، وكذلك لو اشترك هو وأجنبي في قتل نفسه كان على الأجنبي نصفُ الضمان، وكذلك لو رمى ثلاثةً بالمنجنيق فأصاب الحجَرُ أحدَهم فقتله فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط ويجب ثُلثا ديته على عاقلة الآخرين، هذا مذهب الشافعي واختيار صاحب "المغني"(3) والقاضي أبي (4) يعلى في "المجرَّد".
[حكم علي في القارصة [والقامصة] والواقصة]
وهو الذي قضى به علي (5) في مسألة القارِصة [والقامصة] والواقِصة (6)، قال الشعبي: وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فركبت إحداهُنَّ على عُنُق الأخرى فقرَصَت الثالثةُ المركوبةَ فقمصت فسقطت الرَّاكبة فوقصت [أي كسرت](7) عنقها
= (3/ 58 - 59 - ط الهندية)، وأبو الخير القزويني في "الأربعين المنتقى في مناقب المرتضى"(ق 104/ ب)، وابن حزم (9/ 368)، والبيهقي (8/ 111) من طريق سماك عن حنش عن علي، قال ابن أبي عاصم:"هذا الخبر حسن ولا أعرف معناه"، وقال البزار:"وهذا الحديث لا نعلمه يُروى إلا عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم له طريقًا عن علي إلا هذا الطريق". وقلت: وحَنَش هذا ضعفه البخاري والنسائي وأبو حاتم وابن حبان والحاكم وغيرهم، وضعفه به البيهقي وابن حزم، وأورده الذهبي في "الميزان"، (1/ 619) ضمن مناكيره. وما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق) و (ك).
(1)
في (ن) و (ك): "سقط حق المشارك" وفي (ق): "سقط من حق المشاركة".
(2)
في نسخة (ط): "بسقطه".
(3)
انظر: "المغني"(8/ 327 - 328/ 6866).
(4)
في نسخة (ط): "أبو"!.
(5)
في المطبوع: "عليُّ عليه السلام".
(6)
"القارصة: اسم فاعل من قرص بأصابعه، والقامصة: النافرة الضاربة برجليها، والواقصة بمعنى الموقوصة، وهي التي كسر عنقها"(و) وما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
فماتت، فرُفع ذلك إلى عليّ (1) فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهنَّ، وألقى (2) الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها (3).
وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركَّب من أربعة أشياء: سقوطه، وسقوط الثاني، والثالث، والرابع. وسقوط الثلاثة فوقه من فعله وجنايته على نفسه، فسقط ما يقابله وهو ثلاثة أرباع الدية، وبقي الربع الآخر لم يتولَّد من فعله، وإنما تولد من التزاحم فلم يُهدر؛ وأما الثاني فلأن هلَاكه كان من ثلاثة أشياء: جَذْب من قبله له، وجَذْبه هو لثالث ورابع (4)؛ فسقط ما يقابل جذبه وهو ثلثا الدية، واعتُبر ما لا صُنع له فيه، وهو الثُلُث الباقي؛ وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: جذب من قبله له، وجذبه هو للرابع، فسقط فعله دون السبب الآخر؛ فكان لورثته النصف، وأما الرابع فليس منه فعل البتة، وإنما هو مجذوب محْض، فكان لورثته كمال الدية، وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم.
فإن قيل: على هذا سؤالان:
أحدهما: أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئًا مع أنه مباشر، وأوجبتم على عاقلة مَنْ حضر البئر ولم يُباشر؛ وهذا خلاف القياس.
الثاني: [هب أن هذا](5) يتأتَّى لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعض، فكيف يتأتى لكم في مسألة الزُّبية، وإنما ماتوا بقتل الأسد؟ فهو كما لو تجاذبوا فغرقوا في البئر.
قيل: هذان سؤالان قويان، وجواب الأول أن الجاذب لم يُباشر الإهلاك وإنما تَسبَّب إليه، والحاضرون تسببوا بالتزاحم، وكان تسبُّبهم أقوى من تسبب الجاذب (6)؛ لأنه أُلجيء إلى الجذب؟ فهو كما لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر
(1) في المطبوع: "علي عليه السلام".
(2)
في المطبوع: "وألغى".
(3)
رواه أبو عبيد في "غريب الحديث"(1/ 96)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 112)، والشافعي في "الأم"(7/ 163) كلاهما عن ابن أبي زائدة عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن علي، ومجالد بن سعيد ليس بالقوي.
وانظر: "المغني"(8/ 328/ 6866).
(4)
في (ق) و (ك): "الثالث والرابع".
(5)
بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع، و (ق) و (ك):"أن هذا هب أنه"!.
(6)
في (ق) و (ك): "وكان سببهم أقوى من سبب الجاذب".
فنفضه عنه لئلا يقتلَه فمات، فالقاتل هو المُلقي. وأما السؤال الثاني فجوابه أن المباشر للتَّلف كالأسد والماء والنار، لما لم يمكن الإحالة عليه أُلغي فعله، وصار الحكم للسبب؛ ففي مسألة الزّبية ليس للرابع فعل البتة، وإنما هو مفعولٌ به محض، فله كمال الدية، والثالث فاعل ومفعول به فأُلغي ما يقابل فعله واعتُبر فعل الغير به، فكان قسطه نصف الدية، والثاني كذلك لأنه (1) جاذبٌ لواحد والمجذوبُ جاذبٌ لاخر (2)؛ فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلث السبب وهو جذب الأول له فله ثُلثُ الدية، وأما الأولُ فثلاثة أرباعِ السبب من فعله، وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرةً وتسببًا، وربعه من وقوعه بتزاحم الحاضرين، فكان حظُّهُ ربع الدية، وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل فعله، ويكون لورثته، وهذا هو خلاف القياس؛ لأن الدية شرعت مُواساة وجبْرًا، فإذا كان الرجل هو القاتل لنفسه أو مشاركًا في قتله لم يكن فعله بنفسه مضمونًا كما لو قَطَعَ طَرفَ نفسه أو أتلف مال نفسه؛ فقضاء عليٍّ (3) أقرب إلى القياس من هذا بكثير، وهو أولى أيضًا من أن يُحمل فعل المقتول على عَواقل الآخرين كما قاله أبو الخَطَّاب في مسألة المنجنيق أنه يُلْغي فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكاملها على عاقلة الآخرين نصفين، وهذا أبعد عن القياس مما قبله، إذ كيف تتحمل (4) العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه، ولو تحملتها العاقلةُ لكانت عاقلتهُ أولى بتحمُّلها، وكلا القولين يخالف القياس؛ فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين رضي الله عنه.
وهو أيضًا أحسنُ (5) من تحميلِ ديةِ الرابع لعاقلة الثالث، وتحميلِ دية الثالث لعاقلة الثاني، وتحميلِ دية الثاني لعاقلة الأول، وإهدار دية الأول بالكلية؛ فإن هذا القول وإن كان له حظٌّ من القياس فإن الأول لم يَجْنِ عليه أحد، وهو الجاني على الثاني فديَّته على عاقلته، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، والرابع لم يَجْنِ على أحدٍ فلا شيءَ عليه؛ فهذا قد يُوهم (6) أنه في ظاهر القياس أصح من قضاء أمير المؤمنين ولهذا (7) ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد
(1) في المطبوع: "إلا أنه"!.
(2)
في (ق) و (ك): "جاذب الآخر" وسقطت "لواحد" من (ك).
(3)
في المطبوع: "علي عليه السلام".
(4)
في (ق): "تحمل العاقلة جناية الإنسان".
(5)
في (ق): "وهو أحسن أيضًا".
(6)
في المطبوع: "قد توهم".
(7)
في (ك) و (ق): "ولقد".