الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخفى عن الناس ما أظهر للَّه خلافه، فأظهر اللَّه من عيوبه للناس ما أخفاه عنهم، جزاءً له من جنس عمله.
[النفاق وخشوعه]
وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ باللَّه من خشوع النفاق، قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب غير خاشع (1)؛ وأساس النفاق وأصله هو التزين للناس بما ليس في الباطن من الإيمان؛ فعلم أن هاتين الكلمتين من كلام أمير المؤمنين مشتقة من كلام النبوة، وهما من أنفع الكلام، وأشفاه للأسقام (2).
فصل [أعمال العباد أربعة أنواع، المقبول منها نوع واحد]
وقوله: "فإن اللَّه لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا" والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة؛ فالمقبول ما كان للَّه خالصًا وللسنة موافقًا، والمردودُ ما فُقدَ منه الوصفان أو أحدهما، وذلك أن العمل المقبول هو ما أحَبَّه اللَّه ورضيه، وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وعُمل لوجهه، وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها، قال تعالى:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].
قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه (3)، فسئل عن معنى ذلك، فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا؛ فالخالص أن يكون للَّه، والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (4)[الكهف: 110].
(1) أخرجه ابن المبارك في "الزهد"(رقم 143)، وابن أبي شيبة (14/ 59)، والبيهقي في "الشعب"(12/ 286 - ط الهندية) عن أبي الدرداء، وإسناده حسن.
وروي مرفوعًا عند البيهقي (12/ 286 رقم 6568)، وأبو محمد الضّراب في "ذم الرياء"(رقم 170) ولم يثبت.
(2)
في (د): "للسقام".
(3)
في المطبوع و (ق)؛ "هو أخلص العمل وأصوبه".
(4)
أخرجه ابن أبي الدنيا في "الإخلاص والنية"(22) وهو مشهور عنه.
فإن قيل: فقد بأن بهذا أن العمل لغير اللَّه مردودٌ غير مقبول، والعمل للَّه وحده مقبول؛ فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل للَّه ولغيره، فلا يكون للَّه محضًا ولا للناس محضًا، فما حكم هذا القسم؟ هل يُبطل العمل كله أم يُبطل ما كان لغير اللَّه ويصح ما كان للَّه؟
قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة:
أحدها: أن يكون الباعثُ الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يَعرضُ له الرِّياء وإرادة غير اللَّه في أثنائه، فهذا المُعوَّل فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه (1) بإرادة جازمة لغير اللَّه فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أعني: قطع ترك استصحاب حكمها.
الثاني: عكس هذا، وهو أن يكون الباعث الأول لغير اللَّه، ثم يَعرضُ له قلبُ النيّة للَّه، فهذا لا يُحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته؛ ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرم لغير اللَّه ثم قلب نيَّته للَّه عند الوقوف و [عند] (2) الطواف. الثالث: أن يبتدئها مُريدًا [بها](3) اللَّه والناس، فيريد أداء فرضه والجزاء والشكور من الناس، وهذا كمن يُصلي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلَّى، ولكنه يصلي للَّه وللأجرة. وكمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال: فلان حج، أو يعطي الزكاة كذلك؛ فهذا لا يقبل منه العمل، وإن كانت النيةُ شرطًا في سُقوط الفرض وجبت عليه الإعادة، فإن حقيقة الإخلاص [التي هي](3) شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكمُ المُعلَّق بالشرط عَدمٌ عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصدِ للَّه (4)، ولم يُؤمر إلا بهذا، وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عُهدة الأمر؛ وقد دلت السنة الصريحة على ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"يقول اللَّه عز وجل يوم القيامة: أنا أغْنى الشركاء عن الشِّرك، فمن عمل عملًا أشْرك فيه [معي] (3) غيري فهو كله للذي أشرك به"(5) وهذا هو معنى
(1) في (ن): "ما لم ينسخه".
(2)
ما بين المعقوفتين في (ك) و (ق).
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(4)
في المطبوع: "تجريد القصد طاعة للمعبود".
(5)
رواه مسلم في "صحيحه"(كتاب الزهد والرقائق): باب من أشرك في عمله غير اللَّه تعالى (رقم 2985)، من حديث أبي هريرة.