الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صاحبُه قد التزم فيه إباحةَ ما حَرَّم اللَّه ورسوله، أو تحريم ما أباحه، أو إسقاط ما أوجبه، أو إيجاب ما أسقطه، ولا خامس لهذه الأقسام البتة؛ فإن مَلَّكتُم المُشترط والمعاقد (1) والمعاهد جميع ذلك انسلختم من الدين، وإن ملكتموه البعض دون البعض تناقضتم، وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؛ ولن تجدوا إليه سبيلًا.
فصل [رد الجمهور على أجوبة المانعين]
قال الجمهور: أما دعواكم النسخ [فإنها دعوى](2) باطلة تتضمن أن هذه النصوص ليست من دين اللَّه، ولا يحل العمل بها، وتجب مخالفتها، وليس معكم برهان قاطع بذلك؛ فلا تسمع دعواه، وأين التحاكم (3) إلى الاستصحاب والتثبت (4) به ما أمكنكم؟
وأما تخصيصها فلا وجه له، وهو يتضمن إبطال ما دلت عليه من العموم، وذلك غير جائز إلا ببرهان من اللَّه ورسوله.
وأما ضعف بعضها من جهة السند فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة.
وأما معارضتها بما ذكرتم فليس بحمد اللَّه بينها وبينه تعارض، وهذا إنما يعرف بعد معرفة المراد بكتاب اللَّه في قوله:"ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه"(5)، ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل عُلمت من السنة؛ فعُلم أنَّ المرادَ بكتاب اللَّهِ حُكمُه كقوله:{كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"كتابُ اللَّه القصاصُ"(6) في
(1) في (ق): "والعاقد".
(2)
في (ق): "فدعوى".
(3)
في المطبوع: "التجاؤكم"، وفي (ق):"فأين التحاكم".
(4)
في المطبوع: "والتسبب".
(5)
سبق تخريجه قريبًا.
(6)
رواه البخاري (2806) في (الجهاد): باب قول اللَّه عز وجل: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} و (4500) في (التفسير): تفسير سورة البقرة: باب {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} ، و (4611) في تفسير سورة المائدة: باب قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ، ومسلم (1675) في (القسامة): باب إثبات القصاص في الأسنان، وما في معناها، من حديث أنس بن مالك.
كسر السن فكتابُه سبحانه يُطلَق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله، ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم اللَّه فهو مخالف له فيكون باطلًا (1)؛ فإذا كان اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم قد حكم بأن الولاء للمُعتِق، فشرط خلاف ذلك يكون شرطًا مخالفًا لحكم اللَّه سبحانه، ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه [من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا](2)[وتعديًا لحدوده](3)؛ وتعدِّي حدود اللَّه هو تحريم ما أحلَّه اللَّه أو إباحة ما حرمه أو إسقاط ما أوجبه، لا إباحة ما سكت عنه أو عفا عنه، بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده.
وأما ما ذكرتم من تضمن الشرط (4) لأحد تلك الأمور الأربعة ففاتكم قسم خامس وهو الحق، وهو ما أباح اللَّه سبحانه للمكلف تنويع أحكامه بالأسباب التي مَلَّكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يُحلُّه له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يُحرِّمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يُسقطه بعد وجوبه (5)، وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كل ذلك من أحكامه سبحانه؛ فهو الذي أحل وحرم وأوجب وأسقط، وإنما إلى العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا، فكما أن شراء (6) الأمة ونكاح المرأة يُحلُّ له ما كان حرامًا عليه قبله وطلاقها وبيعها بالعكس يحرمها عليه ويُسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها، كذلك التزامه (7) بالعقد والعهد والنذر (8) والشرط؛ فإذا ملك تغيير الحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له؛ وقد قال تعالى:{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، فأباح التجارة التي تراضَى بها المتبايعان؛ فإذا تراضيا على شرطٍ لا يخالف حكم اللَّه جاز لهما ذلك، ولا يجوز إلغاؤه وإلزامهما بما لم يلتزماه ولا ألزمهما اللَّه و [لا](9) رسوله به، ولا (10) يجوز إلزامهما بما لم يلزمهما اللَّه ورسوله به ولا هما التزماه ولا إبطال ما شَرطَاهُ مما لم يحرم اللَّه ورسوله عليهما شَرْطَه، ومُحرِّم الحلال كمحلل الحرام، فهؤلاء ألغوا من شروط
(1) انظر: "زاد المعاد"(4/ 24).
(2)
بدل ما بين المعقوفتين في (ن): "لم يكن باطلًا".
(3)
ما بين المعقوفتين من (ق) و (ك).
(4)
في (ق): "الشروط".
(5)
في المطبوع: "أو يسقط وجوبه بعد وجوبه".
(6)
في (ق): "سرى".
(7)
في (ن): "إلزامه".
(8)
في (ن): "كالنذر".
(9)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(10)
في (ق): "فلا".