الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لامتناع مَنْ يساويها من كل وجه أو لقربه (1) وإن اتفق مَنْ يساويها في النسب فنادر جدًا من يساويها (2) في الصِّفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر، فالجهالة التي في حجه بها دون هذا بكثير، وقلتم: لو تزوجها على عبد مطلق صح ولها الوسط، ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه، وقلتم: لو تزوجها على أن يشتري لها عبدَ زيدٍ صحت التسمية، مع أنه غرر ظاهر؛ إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له، وهو رِضَى زيد ببيعه، ففيه من الخطر ما في رد [عبدها](3) السابق، وكلاهما أعظم خطرًا من الحج بها، وقلتم: لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدة صح، وليس جهالة حملانها [إلى الحج](3) بأعظم (4) من جهالة أوقات الرعي ومكانه، على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه، ولا تُعرف منصوصة عنه، بل نصوصه على خلافها، قال في رواية مهنأ، فيمن تزوج على عبد من عبيده جاز: وإن كانوا عشرةَ عبيدٍ يُعْطِي من أوسطهم، فإن تشاحَّا أقرع بينهما، قلت: وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم (5)، وقلتم: لو خالعها على كفالة ولدها عشر سنين صح، وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة، فياللَّه العجب (6)! أين جهالة هذا من جهالة حملانها إلى الحج؟!
فصل
وقالت (7) الشافعية: له أن يجبر ابْنَتَه البالغة المفتية (8) العالمة بدين اللَّه التي تفتي في الحلال والحرام على نكاحها بمن هي أكره الناس له، وأشد الناس نُفرة عنه بغيَر رضاها، حتَّى لو عينت كفوًا شابًا جميلًا ديِّنًا تحبّه وعَيَّنَ كفوًا شيخًا مشوّهًا دميمًا كان العبرة بتعيينه دونها، فتركوا مَحْضَ القياس والمصلحة ومقصود النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة، وقالوا: لو أراد أن يبيع لها حَبْلًا (9) أو عُودَ أراكٍ من مالها لم يصح إلَّا برضاها، وله أن يرقَّها مدة العمر عند مَنْ هي
(1) في (ق) و (ك): "من يساويهما من كل وجه والقرابة".
(2)
في (ق) و (ك): "وإن اتفق تساويهما في النسب فنادر جدًا تساويهما".
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(4)
في (ق): "أعظم".
(5)
نقل ابن رجب في "قواعده"(3/ 221)(بتحقيقي) رواية مهنأ هذه.
(6)
في (د): "فياللعجب".
(7)
في (ق): "قالت".
(8)
في (ق): "المعنسة". وقال (د) و (ط): في نسخة: "الغنية".
(9)
قال (د) و (ط): في نسخة: "جلا".
أكرهُ شيء فيه بغير رضاها، قالوا: وكما خرجتم عن محض القياس خرجتم عن صريح السنة؛ فإنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم خَيَّرَ جاريةً بكرًا زوَّجَها أبوها وهي كارهة (1)، وخيَّر أُخرى ثيبًا (2)، ومن العجب أنكم قلتم: لو تصرَّفَ في حبل من مالها على غير وجه الحفظ لها كان مردودًا، حتَّى إذا تصرَّف في بُضْعها على خلاف حظها كان لازمًا، ثم قلتم: هو أخبر بحظها منها، وهذا يرده الحس؛ فإنها أعلم بميلها ونفرتها وحظها ممن [تحب أن](3) تعاشره وتكره عشرته، وتعلقتم بما رواه مسلم من حديث ابن عباس يرفعه:"الْأَيِّمُ أحَق بنفسها من وليها، والبكر تُسْتَأذن في نفسها، وإذْنها صُمَاتها"(4) وهو حجة عليكم، وتركتم ما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة يرفعه:"لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن"(5)
(1) ورد في الباب أحاديث عديدة، منها: ما أخرجه أحمد (1/ 273)، وأبو داود (2096)، والنسائي في "الكبرى" -كما في "التحفة"(6001) - وابن ماجه (1875) عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية بكرًا أتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكرت له أن أباها زوّجها وهي كارهة، فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم".
هكذا رواه جرير بن حازم يزيد بن حبان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، كما عند أبي داود (2097) وهو المحفوظ، على ما ذكر البيهقي (7/ 117) وهذا الذي رجحه ابن أبي حاتم في "العلل"(1/ 414 رقم 1243) عن أبيه، والدارقطني والحديث صحيح بمجموع طرقه، قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (2/ 249 - 250):"فأما قصة الجارية البكر التي زوجها أبوها وهي كارهة، تظاهرت بها الروايات، من حديث ابن عمر وجابر وابن عباس وعائشة" قال: "ذكر فيها أبو داود حديث ابن عباس، وهو صحيح، ولا يضرّه أن يرسله بعض رواته، إذا أسنده من هو ثقة".
وانظر تتمة كلامه، و"نصب الراية"(3/ 190 - 191) و"الحنائيات"(رقم 232) وتعليقي عليه.
(2)
يشير إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه"(5138، 5139) كناب النكاح: باب إذا زوّج ابنته وهي كارهة، فنكاحه مردود عن خنساء بنت خذام الأنصاريّة أنَّ أباها زوَّجها وهي ثيّبٌ، فكرهت ذلك، فأتت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فردّ نكاحه.
وانظر حديثًا آخر في "مصنف عبد الرزاق"(6/ 146)، و"سنن البيهقي"(7/ 120)، وانظر الكلام عليه في "الأحكام الوسطى"(5/ 168)، و"بيان الوهم والإيهام"(3/ 82).
وانظر: "زاد المعاد"(4/ 2 - 3)، "تهذيب السنن"(3/ 40 - 43 مهم).
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق) والعبارة قبلها: "أعلم بميلها وحظها ونفرتها".
(4)
أخرجه مسلم (1421): كتاب النكاح: باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت.
(5)
أخرجه البخاري (5137): كتاب النكاح: باب لا يُنْكِح الأبُ وغَيرُه البكر والثَّيِّب إلَّا =