الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
فصل [جزاء المخلص]
وقوله: "فما ظنك بثواب عند اللَّه في عاجل رزقه وخزائن رحمته"[يريد به تعظيم جزاء](1) المخلص وأَنَه رزق عاجل إما للقلب أو للبدن أو لهما. ورحمته مدّخرة في خزائنه؛ فإن اللَّه سبحانه يجزي العبد على ما عمل من خير في الدنيا ولا بد، ثم في الآخرة يوفيه أجره، كما قال تعالى:{وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185] فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال الصالحة ليس جزاء توفية، وإن كان نوعًا آخر كما قال تعالى عن إبراهيم:{وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] وهذا نظير قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 122] فأخبر سبحانه أنه آتى خليله أجره في الدنيا من النعم التي أنعم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة، ولكن ليس ذلك أجر توفية.
[لكل من عمل خيرًا أجران]
وقد دل القرآن في غير موضع على أنَّ لكلِّ من عمل خيرًا أجرين: عمله في الدنيا ويكمل له أجره في الآخرة، كقوله تعالى:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] وفي الآية الأخرى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل: 41]، وقال في هذه السورة:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] وقال فيها عن خليله: {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (2)[النحل: 122] فقد تكرِّر هذا المعنى في هذه
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "يريد جزاءه تعظيم"، وصححها في (ق) فجاءت العبارة:"يريد تعليم جزاء".
(2)
في (ق): {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27].
السورة دون غيرها في أربعة مواضع لسرٍ بديع، فإنها سورة النِّعم التي عَدَّد اللَّه سبحانه فيها أصول النعم وفروعها، فعرَّف عباده أن لهم عنده في الآخرة من النعم أضعاف هذه بما لا يدرك تفاوته، وأن هذه من بعض نعمه العاجلة عليهم، وأنهم إن أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعمًا أخرى، ثم في الآخرة يوفيهم أجور أعمالهم تمام التوفية، وقال تعالى:{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3] فلهذا (1) قال أمير المؤمنين: "فما ظنك بثواب عند اللَّه في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام".
فهذا بعضُ ما يتعلَّق بكتاب أمير المؤمنين رضي الله عنه من الحكم والفوائد، والحمد للَّه رب العالمين (2)[وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه أجمعين](3).
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأيمن يا كريم وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه.
قال شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية تغمده اللَّه برحمته وأسكنه بحبوح جنته آمين] (4):
(1) في (ق) و (ك): "ولهذا".
(2)
هنا ينتهي المجلد الأول من نسخة (ك)، وجاء في آخره:"آخر المجلد الأول من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" يتلوه إن شاء اللَّه المجلد الثاني، وذلك تحريم الإفتاء في دين اللَّه بغير علم وذكر الإجماع على ذلك وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم". وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب الجليل الذي ليس له في المؤلفات نظير ولا قيل بعد العصر من يوم الإثنين لسبع خلت من رجب من سنة 1305 على يد عبده وابن عبده سليمان بن سحمان غفر اللَّه له ولوالديه وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم.
(3)
ما بين المعقوفتين من (ق)، وهنا ينتهي المجلد الأول من (ق) وفي آخره:"يتلوه في المجلد الثاني تحريم الإفتاء في دين اللَّه بغير علم وذكر الإجماع على ذلك" وكتب الناسخ تحتهما بيتين من الشعر هما:
والنفس تعلم أني لا أصدقها
…
وليست ترشد الأعين أعصبها
والعين تعلم من عيني محدثها
…
إن كان من حزبها أو من أعاديها
(4)
ما بين المعقوفتين في (ك) وبدلها في (ق): "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية رحمه اللَّه تعالى".