الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: "اذهب فقد غفر اللَّه لك"(1) وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لمَّا اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردَّهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم مرارًا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما، وهذا المسلك وسط [بين] (2) مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة ألبتة، وبين مسلك من يقول: لا أَثَرَ للتوبة في إسقاطه ألبتة، وإذا تأملت السنة رأيتَها لا تدل إلا على هذا القول الوسط، واللَّه أعلم.
فصل [قبول رواية العبد دون شهادته]
وأما قوله: "وقبل شهادة العبد عليه صلى الله عليه وسلم بأنه قال كذا وكذا ولم يقبل شهادته على واحد من الناس بأنه قال كذا وكذا"، فمضمون السؤال أن رواية العبد مقبولة دون شهادته.
والجواب أنه لا يَلزم الشارع قول فقيه بعينه (3) ولا مذهب معين، وهذا المقام لا يَقضِ فيه إلا اللَّه ورسوله (4) فقط، وهذا السؤال كَذبٌ على الشارع؛ فإنه لم يأت عنه حرفٌ واحد أنه قال: لا تقبلوا شهادة العبد، بل ردوها، ولو كان عالمًا مفتيًا فقيهًا من أولياء اللَّه ومن أصدق الناس لهجة، بل الذي دل عليه كتابُ اللَّه وسنةُ رسوله وإجماع الصحابة والميزان العادل قبول شهادة العبد فيما تُقبل فيه شهادة الحر؛ فإنه من رجال المؤمنين فدخل في قوله تعالى:[{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] كما دخل في قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] وهو عدل بالنص والإجماع، فيدخل في قوله تعالى:] (5){وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] كما دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "يَحملُ هذا العلمَ من كُلِّ خَلَفٍ عَدُوله"(6) ويدخل في قوله: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2] وفي قوله:
= ثم إن الحديث الثابت في رجم ماعز في "صحيح مسلم"(1695) من حديث بريدة، ليس فيه مثل هذا بل إنه رجمه، فالحديث في إسناده نظر، وفي متنه كذلك، واللَّه أعلم.
(1)
هو المتقدم قبل قليل.
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3)
في المطبوع: "فقيه معين".
(4)
في المطبوع: "لا ينتصر فيه إلا اللَّه ورسوله"، وفي (ق) و (ك):"لا ينصر فيه إلا اللَّه ورسوله".
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(6)
ورد من حديث جماعة من الصحابة: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أولًا: عبد اللَّه بن عمر:
رواه ابن عدي في "الكامل"(1/ 152) و (3/ 902)، وتمام في "فوائده"(80 - ترتيبه) من طريق خالد بن عمرو عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عنه.
وخالد بن عمرو هذا اضطرب فيه.
فرواه أيضًا عن الليث عن يزيد عن أبي قبيل عن عبد اللَّه بن عمرو وأبي هريرة.
أخرجه البزار (143)"كشف الأستار"، والعقيلي في "الضعفاء"(1/ 9 - 10)، ومن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد"(1/ 59).
قال البزار: "خالد بن عمرو منكر الحديث قد حَدّث بأحاديث لم يتابع عليها وهذا منها".
وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي رواها خالد عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب كلها باطلة، وعندي أن خالد بن عمرو وضعها على الليث.
وخالد هذا كذبه غير واحد أيضًا.
ثانيًا: أبو هريرة.
رواه ابن عدي (1/ 153)، ومن طريقة الخطيب في "شرف أصحاب الحديث"(52) من طريق مسلمة بن علي عن عبد الرحمن بن يزيد السلمي عن علي بن مسلم البكري عن أبي صالح الأشعري عنه.
وهذا إسناد ضعيف جدًا مسلمة متروك، وشيخه قريب منه.
ورواه ابن عدي في "الكامل"(1/ 152) من طريق مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عنه.
وأبو حازم لم يسمع فن أبي هريرة، وفي الرواة قبل مروان مَنْ لم أجد له ترجمة.
ثالثًا: علي بن أبي طالب:
رواه ابن عدي (1/ 152) عن شيخه محمد بن الأشعث عن موسى عن إسماعيل العلوي عن آبائه.
ومحمد بن الأشعث هذا ترجمه ابن عدي نفسه في "الكامل"(6/ 2303 - 2304) وقال: "حمله شدة تشيعه إلى أن أخرج لنا نسخة قريبًا من ألف حديث عن موسى بن إسماعيل عن آبائه"، و"كان متهماَ في هذه النسخة ولم أجد له فيها أصلًا".
رابعًا: أبو أمامة:
رواه العقيلي (1/ 9)، وابن عدي (1/ 153) من طريق محمد بن عبد العزيز الرملي عن بقية عن زريق أبي عبد اللَّه الألهاني عن القاسم أبي عبد الرحمن عنه.
وهذا إسناد ضعيف، محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: عنده غرائب ولم يكن عندهم بالمحمود، وهو إلى الضعف ما هو، وبقية مشهور بالتدلبس عن الضعفاء والمتروكين وقد عنعن. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= خامسًا: عبد اللَّه بن مسعود.
رواه الخطيب في "شرف أصحاب الحديث"(54) من طريق أحمد بن يحيى بن زكير عن محمد بن ميمون بن كامل الحمراوي عن أبي صالح عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عنه.
أحمد بن يحيى هذا قال فيه الدارقطني في "المؤتلف والمختلف": "لم يكن أحمد هذا يُرضى في الحديث" وشيخه يظهر أن في اسمه قلب، حيث ذكرهُ العراقي في ذيله على "ميزان الاعتدال" في إسناد حديث في ترجمة ابن زُكير: محمد بن كامل بن ميمون، ثم نقل عن الدارقطني أنه قال فيه: ضعيف.
وأبو صالح هو عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث في حفظه شيء.
سادسًا: أسامة بن زيد:
رواه الخطيب في "شرف أصحاب الحديث"(53) من طريق محمد بن سليمان بن أبي كريمة عن معان بن رفاعة السلمي عن أبي عثمان النهدي عنه.
وهذا إسناد ضعيف، محمد بن سليمان هذا ضعفه أبو حاتم، وقال العقيلي: روى عن هشام بواطيل، ومعان بن رفاعة هذا تكلم فيه غير واحد، وقد اضطرب فيه: فرواه من وجه آخر مرسلًا؛ كما يأتي.
سابعًا: أبو الدرداء:
روى حديثه الطحاوي في "مشكل الآثار"(3884) بنفس إسناد حديث أبي أمامة السابق، لكن جعله هنا من "مسند أبي الدرداء"، فلا أدري هل هناك وهم أم ماذا؟.
ثامنًا: معاذ بن جبل:
رواه الخطيب (14) من طريق زيد بن الحريش حدثنا عبد اللَّه بن خراش عن العوام بن حوشب عن شهب بن حوشب عنه.
وعبد اللَّه بن خراش ضعيف، وأطلق عليه ابن عمار الكذب، وشهر ضعيف أيضًا.
تاسعًا: جابر بن سمرة:
رواه ابن الجوزي في "مقدمة الموضوعات"(1/ 31) من طريق سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه عنه، وسعيد هذا قال فيه أبو حاتم: متروك الحديث.
عاشرًا: مرسل إبراهيم بن عبد الرحمن العذري: أخرجه ابن أبي حاتم في "تقدمة الجرح والتعديل"(2/ 17)، وابن حبان في "الثقات"(4/ 10)، وابن عدي (1/ 153)، والخطيب (55)، وابن عبد البر في "التمهيد"(1/ 58 - 59 و 59)، والعقيلي (4/ 256)، من طرق عن مُعان بن رفاعة عنه.
وهذا حديث مرسل، وقد رواه ابن عدي، والبيهقي من طريق الوليد بن مسلم حدثنا مُعان بن رفاعة حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن العذري حدثنا الثقة من أشياخنا قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . .
قال الإمام الذهبي: إبراهيم بن عبد الرحمن العذري: تابعي، مقل، ما علمته واهيًا، =
{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} [البقرة: 283] وفي قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} الآية [المائدة: 8]، كما دخل في جميع ما فيها من الأوامر، ويدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:"فإنْ شَهِد ذَوا عَدْل فصوموا وأَفْطِرُوا"(1) وقال أنس بن مالك: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد (2)، رواه الإمام أحمد عنه، وهذا أصح من غالب الإجماعات التي يدَّعيها المتأخرون؛ فالشهادة على الشارع بأنه أبطل شهادة العبد وردّها شهادةٌ بلا علم، ولم يأمر اللَّه برد شهادة صادق أبدًا، وإنما أمر بالتثبت في شهادة الفاسق (3).
= أرسل حديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"، رواه غير واحد عن معان بن رفاعة عنه، ومعان ليس بعمدة، ولا سيما أنه أتى بواحد لا يُدرى من هو.
وقد روى الخطيب (56) عن مهنا بن يحيى أنه سأل الإمام أحمد عن هذا الحديث: كأنه موضوع. فقال الإمام: لا هو صحيح.
وقد صححه الإمام أحمد لحسن ظنه بمعان بن رفاعة حيث قال: لا بأس به.
وقد رد تصحيح أحمد للحديث غير واحد:
منهم ابن القطان الفاسي حيث نقل عنه الحافظ العراقي في "التقييد والإيضاح" أنه قال: وقد رُوي هذا الحديث متصلًا من رواية جماعة من الصحابة، وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء، وليس فيها شيء يقوي المرسل المذكور. وانظر:"بيان الوهم والإيهام"(1/ 346 - 347 و 3/ 37 - 41).
وقال العقيلي: وقد رواه قوم مرفوعًا من جهة لا تثبت.
وضعفه أيضًا الدارقطني وابن عبد البر.
(1)
رواه أحمد في "مسنده"(4/ 321)، والنسائي في "سننه"(4/ 132 - 133)، والدارقطني (167/ 2 - 168) -ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق"(5/ 315 رقم 1258 - ط قلعجي) - وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"(6/ 3150 رقم 7252) من طرق عن الحسين بن الحارث عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. . .
وعند أحمد: فإن شهد شاهدان مسلمان.
ورجاله ثقات، وعد الرحمن بن زيد هذا ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
(2)
لم أجد هذا في "المسند"، وفي "صحيح البخاري" في (الشهادات): باب شهادة الإماء والعبيد قبل حديث (2659)، وقال أنس:"شهادة العبد جائزة إذا كان عدلًا".
وهذا وصله ابن أبي شيبة (6/ 77): حدثنا حفص بن غياث عن المختار بن فلفل قال: سألت أنسًا. . .، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. وانظر:"تغليق التعليق"(3/ 388 - 389).
(3)
مضى الكلام عليها، وانظر:"الطرق الحكمية"(ص 181 - 187)، و"بدائع الفوائد"(1/ 5). و"الإشراف"(4/ 557 رقم 1821) وتعليقي عليه.