الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن قال: "لا أراه كذلك" كفانا مؤنة جوابه بإقراره على نفسه بمخالفةِ جميع طوائف بني آدم على اختلاف مللهم ونحلهم ودياناتهم وآرائهم، ولولا عقوبة الجناة والمفسدين لأهلك الناس بعضَهم بعضًا، وفسد نظامُ العَالَم، وصارت حال الدوابِّ والأنعام والوحوش أحسن من حال بني آدم.
وإن قال [قائل](1): "بل لا تتم المصلحة إلا بذلك". قيل له: من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتمُّ إلا بمُؤلمٍ يردعُهم ويجعل الجاني نكالًا وعظةً لمن يريد أن يفعل مثل فعله، وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة.
[التسوية في العقوبات مع اختلاف الجرائم لا تليق بالحكمة]
ومن المعلوم ببدائه العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن، بل منافٍ للحكمة والمصلحة؛ فإنه إن ساوى بينهم في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر، وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة والحكمة؛ إذ لا يليق أن يُقتل بالنظرة والقُبْلة (2) ويُقطع بسرقة الحبة والدينار، وكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيحٌ في الفِطرِ والعقول، وكلاهما تأباه حكمةُ الرب تعالى وعَدلُه وأحسانُه إلى خلقه، فأوقع العقوبةَ (3) تارة بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح كالجناية على النفس أو الدِّين أو الجناية التي ضَرَرها عام؛ فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصة، والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة، كما قال تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].
[حكمة القصاص]
فلولا القصاص لفسد العَالَم، وأهلك (4) الناسُ بعضَهَم بعضًا ابتداءً واستيفاءً، فكأن في القصاص دفعًا لمفسدة التجرِّي على الدماء بالجناية وبالاستيفاء، وقد قالت العرب في جَاهليَّتِها:"القتلُ أَنْفى للقتل"، وسفك الدماء يحقِنُ الدماء (5)؛ فلم
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك).
(2)
في (ق) و (ك): "والفعل".
(3)
في (ن): "العقوبات".
(4)
في (ن): "ولأهلك".
(5)
في المطبوع و (ق): "وبسفك الدماء تحقن الدماء".
تُغسل النجاسةُ بالنجاسة، بل الجناية نجاسة والقصاص طُهْرة، وإذا لم يكن بد من موت القاتل ومن استحق القتل فموته بالسيف أنفعُ له في عاجلته وآجلته، والموتُ به أسرع الموتات، وأوحاها (1) وأقلها ألمًا، [فموته به مصلحة له](2) ولأولياء القتيل ولعموم الناس، وجرى ذلك مَجرى إتلاف الحيوان بذبحه لمصلحة الآدمي، فإنه حَسَن، وإن كان في ذبحه إضرار بالحيوان؛ فالمصالحُ المترتبةُ على ذبحه أَضعافُ أضعافِ مفسدة إتلافه (3)، ثم هذا السؤال الفاسد يظهر فساده وبطلانه بالموت الذي [حتّمه](4) اللَّه على عباده وساوى فيه بين جميعهم، ولولاه لما هنأ العيش، ولا وسعتهم الأرزاق، ولضاقت عليهم المساكن والمدن والأسواق والطُّرقات، وفي مفارقة البغيض من اللَّذة والرَّاحة ما في مواصلة الحبيب، والموت مُخلِّص للحي، والموت (5) مريح لكل منهما من صاحبه، ومخرج (6) من دار الابتلاء والامتحان وباب (6) للدخول في دار الحيوان (7).
جزى اللَّه عنا الموت خيرًا فإنه
…
أبرُّ بنا مِنْ كُلِّ بِرٍّ وألطفُ (8)
يُعَجِّل تخليصَ النفوس من الأذى
…
ويُدْني إلى الدَّارِ التي هي أشرفُ
فكم للَّه سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من نعمة لا تُحصى، فكيف إذا كان فيه طُهرة للمقتول، وحياة للنوع الإنساني، وتشفٍّ للمظلوم (9)، وعدلٍ بين القاتل والمقتول؛ فسبحان من تنزهَت شريعتُه عن خِلَاف ما شرعها عليه من اقتراح العقول الفاسدة والآراء الظالمة (10) الجائرة.
وأما قوله: "لو كان ذلك مستحسنًا في العقول لاستُحسنَ في تَحريقِ ثوبه وتخريبِ داره وذبحِ حيوانه بمقابلته (11) بمثله".
(1) في (ن) و (ك): "وأوجأها".
(2)
في (ق): "لموته به".
(3)
في (ق): "ايلامه".
(4)
في (د): "ختمه"، وفي (ن):"كتبه".
(5)
في (ق): "للميت"
(6)
في (ق) و (ك): "مخرج. . . باب" دون واو في أولهما.
(7)
قال (ط): "الحيوان المقصود بها هنا: الحياة، من قوله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64]، قلت: وفي نسخة (د) قال: "الحيوان هنا: الحياة".
(8)
في المطبوع و (ق) و (ك): "وأعطف".
(9)
في (ق): "وتشفي المظلوم".
(10)
في المطبوع: "الضالة".
(11)
في (ن): "لمقابلته"، وفي (ق):"مقابلته"، وفيها "تخريق" بدل "تحريق".