الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولَّتْ عنهم، فظل الناس حيارى، وقد ردوا أيديهم إلى أفواههم، وقال شيخ كبير من بني جُعْفِيّ -وقد اخضلت1 لحيته من دموع عينيه:
كهولهم خير الكهول ونسلهم
…
إذا عد، نسل لا يبور ولا يخزى
"بلاغات النساء ص27"
1 ابتلت.
124-
خطبة السيدة زينب بنت علي عليهما السلام
بين يدي يزيد:
ولما وجه عبيد الله بن زياد آل الحسين عليه السلام إلى يزيد بدمشق، ومثلوا بين يديه أمر برأس الحسين، فأبرز في طست، فجعلَ ينكت ثناياه بقضيب في يده، وهو يقول من أبيات1:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا
…
جَزَع الخزرج مِن وقع الأسل2
لأهلوا واستهلوا فرحا
…
ثم قالوا: يا يزيد لا تشل3
فجزيناهم ببدر مثلها
…
وأقمنا ميل بدر فاعتدل4
فقالت زينب بنت علي عليهما السلام: صدق الله ورسوله يا يزيد! {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} أظننت يا يزيد أنه حين أُخِذَ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء، فأصبحنا نساق كما يساق
1تمثل يزيد بهذه الأبيات وهي لعبد الله بن الزبعرى، قالها في غزوة أحد، وهو يومئذ مشرك، وكان يهجو المسلمين، ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، ثم أسلم بعد فتح مكة.
2 كانت الغلبة يوم بدر للمسلمين ويوم أحد للمشركين، والأسل: الرماح والنبل والخزرج: قبيلة من الأنصار.
3 كل من رفع صوته فقد أهل إهلالا واستهل استهلالا، وشلت يده تشل كتعب يتعب، وأشلت وشلت مبنيين للمجهول: يبست وهي جملة دعائية، يقال في الدعاء:"لا تشلل يدك ولا تكلل" -والبيت من قول يزيد-.
4 لا تنس ما قدمناه لك من أن عليًّا كرم الله وجهه كان قد وتر آل أبي سفيان بدر، فقتل حنظلة بن أبي سفيان أخا معاوية، والوليد بن عتبة خاله، وعتبة بن ربيعة جده لأمه.
الأسارى، أن بنا هوانًا على الله، وبك عليه كرامة؟ وأن هذا لعظيم خطرك؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفي1، جذلان فرحًا، حين رأيت الدنيا مستوسقة لك، والأمور متسقة2 عليك، وقد أُمْهِلْتَ ونُفِّسْتَ3، وهو قول الله تبارك وتعالى:{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي 4 لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} أمن العدل، يابن الطلقاء تخديرك5 نساءك وإماءك وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هتكتَ ستورهن، وأصحلتَ6 صوتهن، مكتئبات تخدي7 بهن الأباعر، ويحدو8 بهن العادي، من بلد إلى بلد، لا يراقبن ولا يؤوين، يتشوفهن9 القريب والبعيد، ليس معهن ولي10 من رجالهن، وكيف يُستبطأ في بغضتنا من نظر إلينا بالشنف11 والشنآن، والإحن والأضغان؟ أتقول:"ليت أشياخي ببدر شهدوا" غير متأثم ولا مستعظم؟ وأنت تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك12، ولم لا تكون كذلك وقد نكأت13 القرحة، واستأصلت الشأفة14، بإهراقك دماء ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونجوم
1 أي جانبيك، وهو كناية عن إعجابه بنفسه.
2 من استوسقت الإبل: أي اجتمعت، ومتسقة: منتظمة.
3 أي فسح لك في أمرك، من نفس الله كربته: فرجها.
4 نمهل.
5 صونهن في خدورهن.
6 أبححته، صحل صوته كفرح: بح.
7 خدى البعير والفرس كجرى: أسرع وزج بقوائمه، أو هو ضرب من سيرهما.
8 يسوق.
9 يتطاول وينظر إليهن ويشرف عليهن.
10 قريب أو نصير.
11 سبق تفسيره، وفي الأصل "بالشنق" وهو تحريف "والشنق: أن تكف البعير بزمامه حتى تلزق ذفراه بقادمة الرحل، والذفرى بكسر الذال: العظم الشاخص خلف الأذن"، والشنآن: الكراهية، والإحن: الأحقاد.
12 المخصرة: ما يأخذه الملك يشير به إذا خاطب.
13 نكأ القرحة كمنع: قشرها قبل أن تبرأ فنديت، كناية عن نبشه عما كاد ينسى من العداوة بين بني هاشم وبني أمية.
14 الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى، فتذهب، واستأصل الله شأفته: أذهبه كما تذهب تلك القرحة.
الأرض من آل عبد المطلب، ولتردنَّ على الله وشيكا1 موردهم، ولتودن أنك عميت وبكمت وأنك لم تقل:"فاستهلوا وأهلوا فرحا" اللهم خذ بحقنا، وانتقم لنا ممن ظلمنا، والله ما فريت إلا في جلدك، ولا حززت إلا في لحمك، وسترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم برغمك2. وعترته ولحمته في حظيرة القدس3 يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث4. وهو قول الله تبارك وتعالى:{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وسيعلم من بوأك5 ومكنك من رقاب المؤمنين -إذا كان الحَكَمَ اللهُ، والخصمَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وجوارحك شاهدة عليك فبئس للظالمين بدلا- أيكم شر مكانا وأضعف جندا، مع أني والله يا عدو الله وابن عدوه، أستصغر قدك، وأستعظم تقريعك6، غير أن العيون عبرى والصدور حرى7، وما يجزي ذلك أو يغني عنا؛ وقد قتل الحسين عليه السلام، وحزب الشيطان8 يقربنا إلى حزب السفهاء9، ليعطوهم أموال الله على انتهاك محارم الله، فهذه الأيدي تنطف10 من دمائنا، وهذه الأفواه تتحلب11 من لحومنا، وتلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان الفَلَوَات12، فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذن مغرمًا، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، تستصرخ13 يابن مرجانة، ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك.
1 سريعا.
2 الرغم: الذل.
3 العترة: رهط الرجل وعشريته الأدنون، واللحمة: القرابة، والقدس: الطهر، أي في الجنة.
4 التفرق.
5 أي أحلك في كرسي الخلافة وهو معاوية.
6 التقريع: التأنيب.
7 عين عبرى: جرت عبرتها، والصدور حرى: شديد الحرارة، كناية عن شدة الحزن.
8 تريد عبيد الله بن زياد ورجاله.
9 أي إلى يزيد وشيعته.
10 نطف الماء كنصر وضرب: سال، ونطف كفرح، وعني: تلطخ بعيب.
11 تحلب العرق: سال وتحلب بدنه عرقا: سال عرقه.
12 الزواكي: جمع زاكية من زكا إذا صلح وتنعم، واعتام: أخذ العيمة بالكسر وهي خيار المال، وعسل الذئب عسلانا كجرى جريانا: أعنق وأسرع، والعاسل: الذئب وجمعه كركع وفوارس، والمراد هنا معنى الجمع لا المصدر: أي ذؤبان الفلوات، ولم أجد في كتب اللغة لعاسل جمعا غير هذين، إلا أن يراد بالمصدر الوصف.
13 تستغيث