الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكتيبة، ولقوا شبًا1 الأسنة، وشائك السهام، وظبات السيوف بنحورهم، ووجوهم وصدورهم، فمضى الشاب منهم قدما، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، واختضبت محاسن وجهه بالدماء، وعفر2 جبينه بالثرى، وانحطت عليه طير السماء، وتمرقته سباع الأرض؛ فطوبى لهم وحسن مآب؛ فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من يد قد أبينت عن ساعدها، طالما اعتمد عليها صاحبها راكعًا وساجدًا، وكم من وجه رقيق، وجبين عتيق3، قد فلق بعمد الحديد، ثم بكى، وقال: آه، آه على فراق الإخوان، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحهم الجنان".
"الأغاني 20: 105، وشرح ابن أبي الحديد م1: ص459، والبيان والتبيين 2: 61، والعقد الفريد 2: 161"
1 جمع شباة: وهي حد كل شيء؛ والظبات: جمع ظبة؛ وهي حد السيف.
2 أصابه العفر: وهو التراب.
3 كريم.
450-
خطبة أخرى:
ورقي المنبر؛ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أوصيكم بتقوى الله وطاعته، والعمل بكتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وصلة الرحم، وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله، وتصغير ما عظمت من الباطل، وإماتة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يطاع الله، ويعصى العباد في طاعته؛ فالطاعة لله ولأهل طاعة الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ندعو إلى كتاب الله وسنة نبيه، والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله1بها، تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا
1قال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} .
ولا بطرًا، ولا عبثًا، ولا لهوًا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا؛ ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد أطفئت، ومعالم العدل قد عطلت، وكثر الادعاء في الدين وعمل بالهوى، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعيا1 يدعو إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن؛ فأجبنا داعي الله ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز2 في الأرض؛ فأقبلنا من قبائل شتى، النفر3 منا على بعير واحد، عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافًا واحدًا، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، وأصبحنا والله جميعًا بنعمته إخوانًا، وعلى الدين أعوانًا، ثم لقيَنَا رجالُكم بقُدَيْد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان، وحكم مروان وآل مروان؛ فشتان لعمر الله ما بين الغي والرشد! ثم أقبلوا يهرعون ويزفون4، قد ضرب الشيطان بجرانه5، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم إبليس ظنه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب، بكل مهند ذي رونق، فدارت رحالنا واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون.
وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم6 الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، ويشف صدور قوم مؤمنين، يا أهل المدينة إن أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، يا أهل المدينة: الناس منا ونحن منهم؛ إلا مشركًا عابد وثن، أو كافرًا من أهل الكتاب، أو إمامًا جائرًا أو شادًا على عضده، يا أهل المدينة: من زعم أن الله تعالى كلف نفسًا فوق طاقها، أو سألها ما لم يؤتها، فهو لله عدو ولنا حرب7".
"تاريخ الطبري 9: 108"، الأغاني 20: 104،وشرح ابن أبي الحديد م1 ص458، والعقد الفريد 2: 161"
1 يريد عبد الله بن يحيى الكندي.
2 أي لا يعجز الله بالهرب منه فيفوته.
3 النفر: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة.
4 زف الظليم وغيره كضرب زفًا وزفيفًا وزفوفًا، وأزف: أسرع.
5 جران البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره: أي استولى عليهم.
6 أسحته: استأصله.
7 روي أنه قال عقب ذلك: "يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله تعالى في كتابه على القوي، على حبه الضعيف؛ فجاء تاسع، ليس له منها ولا سهم واحد، فأخذ جميعها لنفسه مكابرًا محاربًا لربه، ما تقولون فيه وفيمن عاونه على فعله؟ يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي
…
إلخ" وقد حذفته هنا لوروده في الخطبة السالفة.