الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأقطع عنكم ما وصلته لكم، بالصارم البتار، وأقيم من أَوَدِكُم ما يُقِيم المثقف من أود1 القناة بالنار" ثم نزل وهو يقول:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها
…
وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
"مواسم الأدب 2: 123"
1 مقوم الرماح والأود: الاعوجاج.
276-
خطبته حين ولي العراق
"سنة 75هـ": 1
حَدَّثَ عبدُ الملك بن عمير الليثي قال:
بينا نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مَوَاليه؛ إذ أتى آتٍ، فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرًا على العراق؛ فإذا به قد دخل المسجدَ معتمًا بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلدًا سيفًا، متنكبًا2 قوسًا، يؤم المنبر، فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس بعضهم لبعض: قَبَّحَ اللهُ بني أمية؛ حيث تستعمل مثل هذا على العراق! حتى قال عمير بن ضابئ البرجمي: ألا أحصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى ننظر3؛ فلما رأى عيون الناس إليه، حسر اللثام عن فيه، ونهض فقال:
"أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
…
متى أضع العمامة تعرفونني4
1 ويروى: أنه خرج يريد العراق واليًا عليها في اثني عشر راكبًا على النجائب، حتى دخل الكوفة فجأة حين انتشر النهار، فبدأ بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر فقال: علي بالناس، فحسبوه وأصحابه خوارج فهموا به.
2 تنكب قوسه: ألقاها على منكبه.
3 قال ابن نباتة "فلما سمعوا هذه الخطبة -وكان بعضهم قد أخذ حصى أراد أن يحصبه به- تساقط من أيديهم حزنًا ورعبًا".
4 البيت لسحيم بن وثيل الرياحي؛ قاله الحجاج متمثلًا، وقوله "أنا ابن جلا" أي الواضح الأمر المنكشفه؛ وقيل ابن جلا الصبح، لأنه يجلو الظلمة. وهو مثل يضرب للمشهور المتعالم، أي أنا الظاهر الذي لا يخفى وكل أحد يعرفني، ولم ينون جلا لأنه أراد الفعل؛ فحكي على ما كان عليه قبل التسمية كقول الشاعر:
والله ما زيد بنام صاحبه
…
ولا مخالط الليان جانبه
وتقديره أنا ابن الذي يقال له جلا الأمور وكشفها. وقال بعضهم: ابن جلا -وابن أجلى- رجل بعينه، قال في اللسان:"وكان ابن جلا هذا صاحب فتك يطلع في الغارات من ثنية الجبل على أهلها "والثنايا جمع ثنية: وهي الطريق في الجبل، أراد به أنه جلد يطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها، والعمامة: المغفر والبيضة قال ثعلب: العمامة تلبس في الحرب وتوضع في السلم.
ثم قال: يا أهل الكوفة، أما والله إني لأحمل الشرَّ بحمله، وأحذوه بنعلِهِ، وأجزِيه بمثلِه، وإني لأرى أبصارًا طامحة، وأعناقًا متطاولة، ورءوسًا قد أينعت وحان قطافُها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بن العمائم واللحى تترقرق، ثم قال:
هذا أوان الشد فاشتدي زِيَم
…
قد لفها الليلُ بسواق حُطَم
ليس براعي إبلٍ ولا غنم
…
ولا بجزارٍ على ظهرِ وَضَم1
ثم قال:
قد لفها الليلُ بعصلبي
…
أروع خراج من الدَّوِّيّ
مهاجرٍ ليس بأعرابيّ2
ثم قال:
قد شمرت عن ساقها فشُدُّوا
…
وجدتِ الحربُ بكم فجِدُّوا
والقوس فيها وترٌ عُرُدُّ
…
مثل ذراع البَكْرَ أو أشَدُّ
لابد مما ليس منه بُدُّ3
1 الشعر لرويشد بن وميض المنبري والشد: العدو، وزيم: اسم فرس أو ناقة، وقيل اسم للحرب، والحطم: الراعي الظلومُ للماشية يهشمُ بعضها ببعض؛ فلا يبقى من السير شيئًا وقد ضرب المثل برعاة الغنم في الحمق فقيل: "أحمقُ من راعي ضأن ثمانين" قال الجاحظ في البيان والتبيين 1: 139 "فأما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون ذلك صوابًا؟ وقد رعى الغنم عدة من جلة الأنبياءِ عليهم السلام" والوضم: كل ما قطع عليه اللحم.
2 العصلبي: الشديد القوي، والأروع: الذكي، أو من يعجبك بشجاعته، والدو والدوية والداوية ويخفف: الفلاة المتسعة التي تسمع لها دويًّا بالليل؛ "وإنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل، تنفسح أصواتها فيها، وتقول جهلةُ الأعرابِ: إن ذلك عزيفُ الجنِّ" أي: خراج من كل غماء شديدة، وهجر الرجل: خرج من البدو إلى المدن، والأعرابيُّ بطبيعته غِرٌّ ساذج ليس في تجربته كأهل المدن.
وسيرد عليك إن شاء الله في الجزء الثالث في خطبة أبي بكر بن عبد الله بالمدينة: "إني لست أتاويًّا أعلَّم، ولا بدويًّا أفهَّم".
3 حد به الأمر: اشتد، وعرد: أي شديد، والبكر: الفتيُّ من الإبل، ولا بد من كذا: أي لا محيد عنه.
"19 -جمهرة خطب العرب- ثان".
إني والله يا أهل العراق، ومعدن الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، ما يقعقع لي بالشنان1، ولا يغمز جانبيّ كتغماز التين، ولقد فُرِرْتُ2 عن ذكاء، وفُتِّشْتُ عن تجربة، وجريت إلى الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين -أطال الله بقاءه- نثر كنانته3، بين يديه، فعجم4 عيدانها، فوجدني أمرَّها عودًا، وأصلبها مكسرًا5 فرماكم بي؛ لأنكم طالما أوضعتم6 في الفتن، واضطجعتم في مراقد الضلال، وسننتم سنن الغِيّ، أما والله لألحونكم7 لحو العصا، ولأقرعنك قرع المروة8، ولأعصبنكم عصب السلمة9، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل10؛ فإنكم لكأهل قرية {كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} وإني والله لا أعدُ إلا وفيتُ، ولا أهم إلا أمضيتُ، ولا أخلَقُ إلا فَرَيْتُ11؛ فإياي وهذه الشفعاء، والزرافات12 والجماعات، وقالًا وقيلًا13، وما تقول؟ وفيم أنتم وذاك؟
1 القعقعة: تحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت مثل السلاح وغيره، والشنان: جمع شَنّ بالفتح، وهو القربة البالية، وهم يحركونها إذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرع: مثل يضرب لمن لا يُرَوِّعُهُ ما لا حقيقة له، وقد تمثل به معاوية من قبله.
2 فر الدابة: فتح حنكها وكشف أسنانها لينظر سنها، وفر عن الأمر: بحث عنه.
3 الكنانة: جعبة السهام. وفي رواية: "كب كنانته" أي قلبها.
4 عجم العود: عضه ليعرف صلابته من خوره.
5 وفي رواية "وأصلبها عمودًا".
6 أوضع إيضاعًا: أسرع في سيره كوضع.
7 لحا العصا: قشر، وفي رواية:"لحو العود".
8 المرو: حجارة بيض براقة توري النار.
9 السلمة: شجر كثير الشوك. قال الجاحظ في البيان والتبيين "لأن الأشجار تعصب أغصانها، ثم تخبط بالعصى لسقوط الورق وهشيم العيدان""3: 21".
10 قال الجاحظ أيضًا: "3: 27""وهي تضرب عند الهرب، وعند الخلاط، وعند الحوض أشد الضرب" وقال الحارث بن صخر:
بضرب يزيل الهام عن سكناته
…
كما ذيد عن ماء الحياض الغرائب
11 أخلق: أقدر، وفريت: قطعت.
12 الشفعاء جمع شفيع، وكانوا يجتمعون إلى السلطان فيشفعون في أصحاب الجرائم؛ فنهاهم عن ذلك، والزرافات جع زرافة بفتح الزاي وضمها: الجماعة من الناس.
13 القول في الخير، والقال، والقالة في الشر.