الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويقدر1، إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لقد تكلمت فأبلغت، وما بلغ في كلامه ما قصصت، فقال: إنه مبتدي، وليس المبتدي كالمقتدي.
"صبح الأعشى 1: 264، والأمالي 1: 147، والعقد الفريد 2: 285"
1 يقبض ويضيق.
404-
مقام خالد بن صفوان بين يدي هشام:
قال خالد بن صفوان: وفدت على هشام فوجدته قد بدأ يشرب الدهن؛ وذلك في عام باكر وسميه، وتتابع وليه1، وأخذت الأرض زخرفها، فهي كالزرابي2 المبثوثة، والقباطي3 المنشوة، وثراها كالكافور، ولو وضعت به بضعة4 لم تُترب5، وقد ضربت له سرادقات حبر6، بعث بها إليه يوسف بن عمر من اليمن، تتلألأ كالعقيان7؛ فأرسل إلي، فدخلت عليه، ولم أنزل واقفًا، ثم نظر إلي كالمستنطق لي؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، أتم الله عليك نعمه، ودفع عنك نقمه، وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشدًا، وعاقبة ما يئول إليه حمدًا، وأخلصه لك بالتقى، وكثرة لك بالنما ولا كدر عليك منه ما صفا، ولا خالط سروره بالردى؛ فلقد أصبحت للمؤمنين ثقة ومستراحًا، إليك يقصدون في مظالمه، ويفزعون في أمورهم، هذا مقام زين الله به ذكري، وأطاب به بشري8، إذ أراني وجه أمير المؤمنين، ولا أرى لمقامي هذا شيئًا هو أفضل من أن أنبه أمير المؤمنين لفضل نعمة الله عليه، ليحمد الله على ما أعطاه،
1 الوسمي: مطر الربيع الأول، سمي بذلك لأنه يسمُ الأرض، والولي: المطر بعد الوسمي
2 جمع زربى بالكسر ويضم: النمارق والبسط، أو كل ما بسط واتكئ عليه "والنمارق: الوسائد الصغيرة".
3 قباطي بضم الأول مع تشديد الآخر، وقباطي بفتح الأول مع تخفيف الآخر جمع قبطية بالضم على غير قياس، وقد تكسر: ثياب كتان بيض رقاق كانت تعمل في مصر.
4 البضعة وقد تكسر: القطعة من اللحم.
5 أتربه وتربه: جعل عليه التراب.
6 حبر جمع حبرة كعتبة: ضرب من برود اليمن.
7 العقيان: الذهب.
8 النشر: الرائحة الطيبة.
ولا شيء أحضر من حديث سلف لملك من ملوك العجم، إن أذن لي فيه حدثته به، قال: هات، قلت:"كان رجل من ملوك الأعاجم جمع له فتاء1 السن، وصحة الطباع، وسعة الملك، وكثرة المال، وذلك بالخورنق؛ فأشرف يومًا، فنظر ما حوله، فقال لمن حضره: هل علمتم أحدًا أوتي مثل الذي أوتيت؟ فقال رجل من بقايا حملة الحجة: إن أذنت لي تكلمت. قال: قل، فقال: أرأيت ما جمع لك، أشيء هو لك، لم يزل ولا يزول، أم هو شيء كان لمن قبلك زال عنه، وصار إليك، وكذلك يزول عنك؟ قال: لا بل شيء كان لمن قبلن فزال عنه، وصار إلي، وكذلك يزول عني، قال: فسررت شيء تذهب لذته، وتبقى تبعته، تكون فيه قليلًا، وترتهن به طويلًا؟ فبكى وقال: أين المهرب؟ قال إلى أحد أمرين: إما أن تقيم في ملك؛ فتعمل فيه بطاعة ربك، وإما أن تلقي عليك أمساحًا2، ثم تلحق بجبل، تعبد فيه ربك. حتى يأتي عليك أجلك، قال: فمالي إذا أنا فعلت ذلك؟ قال: حياة لا تموت، وشباب لا يهرم، وصحة لا تسقم، وملك جديد لا يبلى، قال: فإذا كان السحر فاقرع علي بابي، فإني مختار أحد الرأيين، فإن اخترت ما أنا فيه، كنت وزيرًا لا يعصى، وإن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد، كنت رفيقا لا يخالف، فقرع عليه عند السحر بابه، فإذا هو قد وضع تاجه، وخلع أطماره، ولبس أمساحه، وتهيأ للسياحة، فلزما والله الجبل، حتى أتاهما أجلهما"، وأنشده قول عدي بن زيد:
وتفكر رب الخورنق
…
إذ أصبح يومًا وللهدى تفكير
سره حاله وكثرة
…
ما يملك والبحر معرضًا والسدير3
فارعوى قلبه، فقال:
…
وما غبطة حي إلى الممات يصير؟ 4
فبكى هشام وقام ودخل، فقال لي حاجبه: لقد كسبت نفسك شرا، دعاك أمير المؤمنين
1 الفتاء كسماء: الشباب.
2 الأمساح جمع مسح كحمل: وهو الكساء من شعر كثوب الرهبان.
3 معرضًا: من أعرض الشيء إذا ظهر وبرز.
4 الغبطة: المسرة.