الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خروج الحسين إلى الكوفة:
27-
نصيحة ابن عباس له:
ولما أجمع الحسين بن علي رضي الله عنه المسير إلى الكوفة، أتاه عبد الله بنُ عباس، فقال:"يابن عم إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ " قال: "إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى"، فقال له ابن عباس:"فإني أعيذك بالله من ذلك، أخبرني –رحمك الله- أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك، فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم، وأميرهم عليهم، قاهر لهم، وعمالُهُ تَجْبى بلادهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك، وأن يُسْتَنْفَرُوا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك".
فقال له الحسينُ: "وإني أستخير الله وأنظر ما يكون".
فخرج ابن عباس من عنده، وأتاه ابن الزبير، فحدثه ساعة ثم قال:
"ما أدري ما تَرْكُنا هؤلاء القومِ وكفُّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم، خبرني ما تريد أن تصنع؟ " فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشرافُ أهلها، وأستخير الله" فقال له ابن الزبير:"أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عَدَلتُ بها" ثم إنه خشي أن يتهمه، فقال:"أما إنك لو أقمتَ بالحجاز، ثم أردت هذا الأمر هاهنا ما خولف عليك إن شاء الله" ثم قام، فخرج من عنده، فقال الحسين: "ها، إن هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبَّ إليه من أن
أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوه1 بي، فود أني خرجتُ منها لتخلوَ له".
فلما كان من العشي أو من الغدِ، أتى الحسينَ عبدُ الله بنُ العباس، قال:
"يابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذه الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قومٌ غُدُرٌ2، فلا تقربنهم، أقم بهذا البلد، فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا، فاكتب إليهم فَلْيَنفُوا عدوهم، ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج، فسر إلى اليمن، فإن بها حصونًا وشعابًا3 وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية.
فقال له الحسين: "يابن عم، إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت4 على المسير" فقال له ابن عباس: "فإن كنت سائرًا، فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه" ثم قال ابن عباس: "لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز، والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك5، والله الذي لا إله إلا هو، لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني، لفعلت ذلك" ثم خرج ابن عباس من عنده، فمر بعبد الله بن الزبير فقال: قرت عينك يابن الزبير، ثم قال:
1 أي لم يسووه.
2 جمع غدور كصبور.
3 الشعب بالكسر: الطريق في الجبل، وما انفرج بين جبلين.
4 يقال: أجمعت السفر، وأجمعت عليه، وأزمعت السفر وعليه عزمت عليه وثبت عليه همي.
5 أي مع وجودك.