الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطب الأحنف بن قيس التميمي:
1
347-
الأحنف ومعاوية:
كان الأحنف بن قيس، قد شهد مع الإمام علي، كرم الله وجهه، وقعة صفين؛ فلما استقر الأمر لمعاوية، دخل عليه يومًا، فقال له معاوية:"والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة2 في قلبي إلى يوم القيامة".
فقال له الأحنف:
"يا أمير المؤمنين لم تَرُدَّ الأمور على أعقابها؟ أما والله إن القلوبَ التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوفَ التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت بشبرٍ من غدر، لتمدن باعًا من ختر3، ولئن شئت لتستصفين كدرَ قلوبنا بصفو حلمك"، قال معاوية: فإني أفعل ثم قام وخرج، وكانت أخت معاوية من وراء حجاب تسمع كلامه، فقالت: يا أمير المؤمنين: من هذا الذي يتهدد ويتوعد؟ قال: هذا الذي إذا غضب، غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم، لا يدرون فيم غضب.
"وفيات الأعيان لابن خلكان 1: 230، ونهاية الأرب 7: 237، والعقد الفريد 2: 118"
1 هو أبو بحر الضحاك بن قيس سيد بني تميم، والمضروب به المثل في الحلم، وهو من سادات التابعين؛ أدرك عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصحبه؛ وشهد بعض فتوح خراسان في زمن عمر وعثمان رضي الله عنها؛ وشهد مع علي رضي الله عنه وقعة صفين؛ ولم يشهد وقعة الجمل مع أحد الفريقين؛ وبقي إلى زمن مصعب بن الزبير؛ فخرج معه إلى الكوفة؛ فمات بها سنة 67هـ "وقيل له الأحنف؛ لأنه كان أحنف الرجل -مائلها- يطأ على وحشبها".
2 الخزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه.
3 الباع: قدر مد اليدين، والختر: أقبح الغدر.
348-
الأحنف ومعاوية أيضًا:
جلس معاوية يومًا، وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف، فدخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبًا؛ فكان آخر كلامه أن لعن عليًّا رضي الله عنه، فأطرق الناس وتكلم الأحنف، فقال:
"يا أمير المؤمنين: إن هذا القائل ما قال آنفًا، لو علم أن رضاك في لعن المرسلين لَلَعَنَهُمْ، فاتَّقِ اللهَ، ودعْ عليًّا، فقد لقي اللهَ، وأفرد في حفرته، وخلا بعمله، وكان والله -ما عَلِمنا- المبرَّزَ بشقِّهِ1، الطاهر في خُلُقِهِ، الميمونَ النقيبة2 العظيمَ المصيبة".
قال معاوية: "يا أحنف، لقد أغضيت العين على القذى، وقلت بغير ما ترى، وايم الله لتصعدن المنبرَ فلتلعننه طائعًا أو كارهًا" فقال الأحنف: "إن تعفني فهو خيرٌ، وإن تجبرني على ذلك؛ فوالله لا تجري به شفتاي"، فقال معاوية: قم فاصعد. قال: "أما والله لأنصفنك في القول والفعل"، قال معاوية: وما أنت قائل إن أنصفتني؟ "، قال: "أصعد فأحمد الله، وأثني عليه وأصلي على نبيه، ثم أقول:"أيها الناس: إن معاوية أمرني أن ألعن عليًّا؛ ألا وإن عليًّا ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادعى كل واحد أنه مبغِيٌّ عليه وعلى فئته؛ فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله"! ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغِيَ منهما على صاحبه، والفئةَ الباغيةَ على المبغِيِّ عليها، اللهم العنْهُم لعنًا كبيرًا، أمنوا، رحمكم الله"، يا معاوية لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه حرفًا، ولو كان فيه ذهابُ نفسِي.
فقال معاوية: "إذن نعفيك يا أبا بحر".
"نهاية الأرب 7: 237، والعقد الفريد 2: 118"
1 الشق: الجانب، ورواية العقد "المبرز سيفه" وبرز تبريزًا: فاق أصحابه فضلًا أو شجاعة.
2 النقبية: النفس.