الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
361-
دغفل وجماعة من الأنصار:
ووقف جماعة من الأنصار على دغفل بعد ما كفّ؛ فسلموا عليه، فقال: من القوم؟ قالوا: سادة اليمن، فقال:"أمن أهل مجدها القديم، وشرفها العميم، كندة؟ قالوا: لا، قال: "فأنتم الطوال قصبًا، والممحصون نسبًا، بنو عبد المدان؟ " قالوا: لا، قال:"فأنتم أقودها للزحوف، وأخرقها للصفوف، وأضربها بالسيوف، رهط عمر بن معد يكرب؟ " قالوا: لا، قال:"فأنتم أحضرها قراء1، وأطيبها فناء، وأشدها لقاء، رهط حاتم بن عبد الله؟ " قالوا: لا، قال: فأنتم الغارسون للنخل، والمطعمون في المحل2، والقائلون بالعدل، الأنصار؟ " قالوا: نعم.
"الأمالي 2: 287"
1 قرى الضيف كرمى قِرًى بالكسر، والقصر: وقراه بالفتح والمد: أضافه.
2 المحلّ: الجدب والشدة.
دغفل أهل العراق على معاوية وفيهم صعصعة بن صوحان
…
362-
وفد أهل العراق على معاوية وفيهم صعصعة بن صوحان:
قال عبد الملك بن مروان يومًا لجلسائه: خبروني عن حي من أحياء العرب، فيهم أشد الناس، وأسخى الناس، وأخطب الناس، وأطوع الناس في قومه، وأحلم الناس، وأحضرهم جوابًا.
قالوا: يا أمير المؤمنين ما نعرف هذه القبيلة؛ ولكن ينبغي لها أن تكون في قريش، قال: لا، قالوا: ففي حمير وملوكها، قال: لا، قالوا: ففي مضر، قال: لا، قال مصقلة بن رقية العبدي: فهي إذن في ربيعة، ونحن هم، قال: نعم، قال جلساؤه: ما نعرف هذا في عبد القيس إلا أن تخبرنا به يا أمير المؤمنين، قال: نعم.
أما أشد الناس؛ فحكيم بن جبل، كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه-
فقطعت ساقه؛ فضمها إليه، حتى مرَّ به الذي قطعها، فرماه بها فجدله1 عن دابته، ثم جثا إليه فقتله واتكأ عليه، فمر به الناس، فقالوا له: يا حكيم، من قطع ساقك؟ قال: وسادى2 هذا، وأنشأ يقول:
يا ساق لا تراعي
…
إن معي ذراعي
أحمي بها كراعي3
وأما أسخى الناس فعبد الله بن سوار، استعمله معاوية على السند؛ فسار إليها في أربعة آلاف من الجند، وكانت توقد معه نار حيثما سار، فيطعم الناس، فبينما هو ذات يوم إذ أبصر نارًا، فقال: ما هذه؟ قالوا: أصلح الله الأمير، اعتل بعض أصحابنا، فاشتهى خبيصًا4، فعملنا له، فأمر خبازه ألا يطعم الناس إلا الخبيص، حتى صاحوا وقالوا: أصلح الله الأمير، ردنا إلى الخبز واللحم، فسمي مطعم الخبيص.
وأما أطوع الناس في قومه؛ فالجارود بن بشر بن العلاء؛ فإنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، خطب قومه؛ فقال:
"أيها الناس: إن كان محمد قد مات، فإن الله حي لا يموت، فاستمسكوا بدينكم، فمن ذهب له في هذه الردة دينار أودرهم أو بعير أو شاة، فله عليَّ مِثْلاه" فما خالفه منهم رجل.
وأما أحضر الناس جوابًا، فصعصة بن صوحان، دخل على معاوية في وفد أهل العراق، فقال معاوية: مرحبًا بكم يا أهل العراق، قدمتم أرض الله المقدسة، منها المنشر، وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير يَبَرُّ كبيرَكم، ويرحمُ صغيرَكم، ولو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماءَ عقلاءَ؛ فأشار الناس إلى صعصعة فقام:
فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
1 جدله: صرعه على الجدالة "كسحابة" وهي الأرض.
2 الوساد: المتكأ، والمخدة كالوسادة ويثلث.
3 لا تراعي: لا تفزعي، والكراع: جماعة الخيل.
4 الخبيص: نقى الدقيق يخلط بالعمل، والخبيصة: أخص منه، وخبص الحلواء كضرب، وخبصها: بالتشديد خلطها وعملها.