الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: الآثار الواردة في ترك ما ليس للعبد فيه سلف
.
إن مبنى الدين على التسليم والانقياد، لا على المعارضة والابتداع، ولا يتم ذلك للمسلم، حتى يكون متبعا في كل أموره، مقتديا بصالح سلفه، لا يأتي بشيء من عنده لا سلف له فيه، فضلا عن مخالفة صريح ما كانوا عليه، وذلك لأن اللَّه أمر باتباع سبيل المؤمنين، ونهى عن مخالفتهم فقال:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}
(1)
.
وقد وردت آثار كثيرة في هذا المعنى، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلي:
16 -
ثنا محمد بن يزيد الأدمي أبو جعفر، ثنا سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب قال: "كنت مع ابن أبي راشد
(2)
في جبانة؛ فقرأ رجل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ. . .}
(3)
الآية، فقال الربيع بن أبي راشد: حال ذكر الموت بيني وبين كثير مما أريد من التجارة، ولو فارق ذكر الموت قبي ساعة، لخشيت أن يفسد علي قلبي، ولولا أن أخالف من
(1)
سورة النساء، الآية (115).
(2)
هو الربيع بن أبي راشد الكوفي العباد، كان قانتا خاشعا، ذاكرا للآخرة، قال الذهبي:(ما روى هذا شيئا) وذكره أبو نعيم في الحلية (5/ 75) وسرد أخباره في الزهد والعبادة، وكانت جنازته مشهودة، تاريخ الإسلام (1/ 996).
(3)
سورة الحج، من الآية (5).
كان قبلي، لكانت الجبانة مسكني حتى أموت"
(1)
.
17 -
حدثني محمد بن العباس، ثنا أبو عبد الرحمن ابن عائشة، ثنا الليثي
(2)
: قالت امرأة هشام الاستوائي
(3)
: "كان إذا أطفئ السراج غشيه من ذلك أمر عظيم، فقلت له: إنه ليغشاك عند هذا المصباح إذا طفئ؟ قال: إني أذكر ظلمة القبر، ثم قال: لو كان سبقني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا متّ أن أجعل في ناحية من داري، قال: فما مكث إلا يسيرا حتى مات، قال: فمرّ بعض إخوانه بقبره، فقال: يا أبا بكر قد صرت واللَّه إلى المحذور"
(4)
.
(1)
إسناده صحيح، العزلة والانفراد (124) رقم (126)، وأبو نعيم في الحلية (5/ 77)، والبيهقي في الزهد الكبير (2/ 212) رقم (535)، وابن الجوزي في المنتظم (7/ 316)، وذكره في صفة الصفوة (3/ 109).
(2)
الظاهر أنه مصحف من "أبي"؛ فإن ابن عائشة مشهور بالرواية عن أبيه، وليس في شيوخه ليثيُّ النسبة واللَّه أعلم، ثم هذا أولى من احتمال التصحيف في شيخ المصنف، وهو محمد العباس بن اليزيدي النحوي -سيأتي (ص 26) - من محمد بن الحسين البرجلاني، كما فعله محقق الكتاب.
(3)
هو هشام بن أبي عبد اللَّه -سَنْبَر-، أبو بكر البصري الدَسْتوائي، ثقة ثبت وقد رمي بالقدر، ولُقِّب بأمير المؤمنين في الحديث، (ت: 154 هـ) وله ثمان وسبعون سنة، الكاشف (2/ 337)، التقريب (7299).
(4)
إسناده لين؛ فيه والد أبي عبد الرحمن وهو محمد بن حفص ذكره ابن حبان في الثقات (9/ 62)، ولم يذكر فيه البخاري وابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (1/ 65)، والجرح والتعديل (7/ 236)، وامرأة هشام الدستوائي لم =
18 -
حدثني أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن القاسم المكي، ثنا مؤمل بن إسماعيل، ثنا عمارة بن زاذان: أن مالك بن دينار لما حضره الموت قال: "لولا أني أكره أن أصنع شيئا لم يصنعه أحد كان قبلي، لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن تقيدوني وأن تجمعوا يدي إلى عنقي، فينطلق بي على تلك الحال حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق، وقال غير أحمد بن محمد: فإذا سألني ربي قلت: أي رب لم أرض لك نفسي طرفة عين قط"
(1)
.
19 -
حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم
(2)
رحمه الله قال: "كانوا يكرهون أن يتكلموا في القرآن"
(3)
.
= أعرفها، القبور (92) رقم (90)، وابن سعد في الطبقات (7/ 279) مختصرا، وابن معين في تاريخه رواية الدوري (4/ 139)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (7/ 406) عن ابن سعد، وكذا الذهبي في السير (7/ 152)، وبمعناه أبو نعيم في الحلية (6/ 278).
(1)
إسناده لين؛ فيه مؤمل بن إسماعيل وهو صدوق سيء الحفظ التقريب (7078)، محاسبة النفس (123) رقم (112)، والأثر سيأتي تخريجه (63) بلفظ مقارب.
(2)
هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة إلا أنه يرسل كثيرا، (ت: 196 هـ) وهو ابن خمسين أو نحوها، وكان عجبا في الورع والخير، متوقيا للشهرة رأسا في العلم، الكاشف (270)، التقريب (1/ 27).
(3)
إسناده صحيح، كتاب الصمت (293) رقم (672)، وقد ذكر هذا المعنى الدارمي في الرد على الجهمية (23)، وفي نقضه على بشر (525)، حيث قال بعد نقله عن بشر دعواه أن السلف كانوا يكرهون الخوض في القرآن:"صدقت وأنت المخالف لهم".