الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الكلام في العلماء
.
رفع اللَّه شأن العلماء، وعظم منزلتهم، وقد ورد في الكتاب والسنة كثير من النصوص مختلفة الدلالة على هذا الفضل والمنزلة، حيث قرن شهادتهم بشهادته سبحانه وشهادة ملائكته على توحيده، وأمر بطاعتهم، وسؤالهم، فهم ورثة علم الأنبياء، وحملة كتاب اللَّه، المبلغين عنه
(1)
، ومن تمام حفظ هذه المنزلة لهم، ذكر محاسنهم ونشرها، وعدم نبزهم وتنقيص قدرهم، وللسلف أقوال كثيرة في هذا، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا هذا الأثر:
20 -
حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثنا موسى بن أيوب، حدثنا مخلد، حدثنا بعض أصحابنا قال: "ذكرت يوما عند الحسن بن ذكوان
(2)
رجلا بشيء، فقال: مه، لا تذكر العلماء بشيء، فيميت اللَّه قلبك"
(3)
.
التحليل والتعليق
تضمن الأثر السابق خطورة الكلام في العلماء، وأن عاقبة ذلك سيئة
(1)
انظر تفصيل أدلة هذه الجمل في كتاب قواعد في التعامل مع العلماء (43 - 72).
(2)
هو الحسن بن ذكوان، أبو سلمة البصري، صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس، أخرج له البخاري حديثا واحدا، وهو من الطبقة السادسة أي توفي بعد المائة، الكاشف (1/ 323)، تاريخ الإسلام (1/ 1058)، التقريب (1240).
(3)
الصمت (267 - 268) رقم (582)، وللدكتور نجم خلف توجيه ملفت في جهالة صاحب القصة فراجعه.
جدا، وهى إماتتة القلب، وإذا مات القلب فكيف تصل إليه الهداية نسأل اللَّه العافية والسلامة، ولذلك عده بعض العلماء من الكبائر
(1)
، وذلك لعظيم ضرره المتعدي؛ فإن الكلام في العلماء قطع للناس عن الأخذ عنهم، والاستفادة من علمهم، وفي هذا إضعاف للدين، وتشجيع للبدعة والكفر والفسوق، قال الشيخ صالح الفوزان حفظه:"نسمع في زماننا هذا من يتكلم في أعراض العلماء، ويتهمهم بالغباوة، والجهل، وعدم إدراك الأمور، وعدم فقه الواقع -كما- يقولون، وهذا أمر خطير؛ فإنه إذا فقدت الثقة في علماء المسلمين فمن يقود الأمة الإسلامية؟ ومن يرجع إليه في الفتاوى والأحكام؟ وأعتقد أن هذا دسٌّ من أعدائنا، وأنه انطلى على كثير من الذين لا يدركون الأمور، أو الذين فيهم غيرة شديدة وحماس لكنه على جهل. . . والعلماء يخطئون، ولكن ليس العلاج أننا نشهر بهم، وأننا نتخذهم أغراضا في المجالس، أو ربما على بعض المنابر أو بعض الدروس لا يجوز هذا أبدا"
(2)
.
ولهذا أحجم أبو داود عن بيان بعض العلل في كتابه معللا ذلك بقوله: "وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل. . . وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى
(1)
انظر تفسير ابن كثير (1/ 488)، وعمدة القاري (22/ 84)، والكبائر للشيخ محمد ابن عبد الوهاب (177).
(2)
رسالة وجوب التثبت في الأخبار واحترام العلماء وبيان مكانتهم في الأمة (44 - 46) بتصرف.
ذلك علي فربما تركت الحديث إذا لم أفقهه، وربما كتبته وبينته، وربما لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل هذه؛ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب، فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا"
(1)
، ومثله الإمام أحمد فقد كان يكره أن يروي عن الكوفيين والمدنيين المسائل المستقبحة إذا حكيت لمن يخاف أن ينتقصهم بسببها، قال شيخ الإسلام: "إن كثيرا ممن يسمع كلمات العلماء الغليظة، قد لا يعرف مخرجها، وكثيرا من الناس يروونها رواية مُتَشَفٍّ متعصب. . . ولو علم السبب في ذلك الكلام، وهوى
(2)
رشده، لكان اعتباره بمن سلف يكفه عن أن يقع في أقبح مما وقع فيه أولئك
(3)
، ولكان شغله بصلاح نفسه استغفارا وشكرا، شغله عن ذكر عيوب الناس على سبيل الاشتفاء والاعتصاب"
(4)
.
وفي الكلام السائر أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة اللَّه في هتك أستارهم معلومة
(5)
، وقد اعتنى علماء الجرح والتعديل بذكر هذا في جملة
(1)
رسالة أبي داود لأهل مكة (32 - 33).
(2)
كذا ولعلها: وهُدي.
(3)
حيث أنكر عليهم مسائل ووقع فيما هو أقبح مما عابه.
(4)
الفتاوى الكبرى (3/ 173، 177) وهذا المبحث مهم جدا في بيان فضل العلماء وبيان خطورة الوقيعة فيهم، هذا إذا صدر منهم خطأ واضح، أما إن كان الكلام رجما بالغيب وتقولا عليهم ما لم يقولوا أو يفعلوا فالأمر أخطر وأشد واللَّه المستعان.
(5)
انظر الصارم المسلول (2/ 317)، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر (28).
ما ينتقد على الراوي فمن عبارتهم في ذلك أنه: "كثير الوقيعة في الأئمة، وفي السلف من العلماء، خبيث اللسان"
(1)
.
ومن هنا كان الكلام في العلماء وذكر مثالبهم من شعار أهل البدع، كما قال ابن أبي حاتم:"علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"
(2)
، وقد ورد في عقائد كثير من السلف المروية عنهم ذكر هذا، وأنك إذا رأيت الرجل يذكر فلانا وفلانا من علماء أهل السنة، فاعلم أنه على ضلالة
(3)
، أحيانا ينصون على الصحابة
(4)
، وأحيانا على بعض أفرادهم
(5)
، وأحيانا على من اشتهر بالسنة في بلد غلب على أهلها البدعة
(6)
، وأحيانا على من كان إماما في السنة حيث يفرق به بين السنة والبدعة
(7)
، بل شمل ذلك الخلفاء والحكام لم اشتهروا بنصر السنة وإقامة الحق
(1)
لسان الميزان (4/ 296)(5/ 29)، وانظر فتح المغيث (3/ 349)، والضابطين الثالث والرابع في كتاب شيخنا الفاضل رحمه الله عبد العزيز العبد اللطيف ضوابط الجرح والتعديل (51 - 52).
(2)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 200 - 201) رقم (321).
(3)
انظر المصدر السابق (1/ 191 - 192)، شعار أصحاب الحديث للحاكم (32 - 33).
(4)
شرح السنة (1/ 50).
(5)
شرح أصول اعتماد أهل السنة (1/ 191).
(6)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة (69) رقم (41)، وانظر بيان ارتباط هذا الثناء أو الطعن فيهم بسبب المعتقد ونصر السنة بيان تلبيس الجهمية (1/ 275).
(7)
مجموع الفتاوى (17/ 414)، الجرح والتعديل (1/ 308) وبوب باب استحقاق الرجل السنة بمحبة أحمد بن حنبل، وفي عقيدة السلف للصابوني (307) قوله: =
كعمر بن عبد العزيز
(1)
والقادر باللَّه
(2)
وابن سبكتكين
(3)
، وهكذا
(4)
.
وفِي عقيدة الطحاوي الشهيرة كلمة جامعة في ذلك حيث يقول: "وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء
= "ومن علامات أهل السنة: حبهم لأئمة السنة وعلمائها، وأنصارها وأوليائها. . ".
(1)
هو الخليفة الأموي الصالح أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان، بويع بالخلافة بعهد من سليمان سنة (99 هـ) فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر، كان منعما قبل الخلافة، فلما تولى الخلافة تزهَّد، وملأ الأرض عدلا، ورد المظالم، وسن السنن الحسنة، تاريخ الخلفاء (201 - 202).
(2)
هو الخليفة العباسي القادر باللَّه أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر، بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع، وكان من الستر، والديانة، والسيادة، وإدامة التهجد بالليل، وكثرة البر والصدقات، وحسن الطريقة، على صفة اشتهرت عنه، وعرفه بها كل أحد، مع حسن المذهب، وصحة الاعتقاد، وهو الذي ينسب إليه الاعتقاد المشهور باعتقاد القادري، تاريخ الخلفاء (356)، تاريخ ابن خلدون (4/ 434).
(3)
هو محمود بن سبكتكين، السلطان الكبير، صاحب غزنة، أبو القاسم، يمين الدولة، ابن الأمير ناصر الدولة أبي منصور، وقد كان قبل السلطنة يلقب بسيف الدولة، له أخبار مشهورة في الهند وغزوات وحروب، وكان ذا دين وعقل وشجاعة، توفي (421 هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة، ملك منها ثلاثا وثلاثين سنة، المنتظم (8/ 52)، البداية والنهاية (1/ 286).
(4)
انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 192)، الفتاوى الكبرى (5/ 332)، درء التعارض (6/ 253)، مجموع الفتاوى (4/ 15، 22).
فهو على غير السبيل"
(1)
.
وكان لأهل الحديث من هذا المعنى النصيب الأوفر فهم الذين كثر الكلام فيهم من أهل البدع، وهم المحك في معرفة السني من غيره، ولذلك وضعوا ضوابط كثيرة، وشروطا هامة للكلام في الرواة، بحيث يميزون بين ما يجوز من الكلام في ذلك، وما لا يجوز، ومتى يشرع ومتى ينهى عنه، وفي هذا يقول الإمام الذهبي رحمه الله عند تحليله لبعض الآثار المروية في الكلام في حماد ونحوه "هذا محمول على الوقوع فيهما بهوى وحيف في وزنهما، أما من نقل ما قيل في جرحهما وتعديلهما على الإنصاف فقد أصاب"
(2)
.
وقد أوضح ابن رجب رحمه الله الفرق بين كلام أهل السنة في الرواة، وكلام أهل البدعة فيهم فقال: "وقد تسلط كثير ممن يطعن في أهل الحديث عليهم بذكر شيء من هذه العلل وكان مقصوده بذلك الطعن في أهل الحديث جملة والتشكيك فيه. . . كما فعله حسين الكرابيسي
(3)
في كتابه الذي سماه بكتاب المدلسين. . . وكان في الكتاب الطعن علي الأعمش والنصرة للحسن بن صالح
(4)
، وكان في الكتاب: إن قلتم إن
(1)
شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (491).
(2)
سير أعلام النبلاء (5/ 31).
(3)
هو الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي، الفقيه البغدادي، سمع الحديث الكثير، وصنف في الفقه والأصول، معدود في كبار أصحاب الشافعي، وكان نظارا جدليا، تكلم فيه الإمام أحمد بسبب مسألة اللفظ فسقط، تهذيب التهذيب (1/ 432).
(4)
هو الحسن بن صالح بن صالح ابن حي، وهو حيان بن شُفي الثوري، فقيه الكوفة وعابدها، رمي بالتشيع، قال الذهبي: "مع جلالة الحسن وإمامته، كان فيه خارجية، =
الحسن بن صالح كان يرى رأي الخوارج، فهذا ابن الزبير قد خرج، فلما قرئ على أبي عبد اللَّه قال: هذا جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجوا به، حذِّروا عن هذا ونهي عنه، وقد تسلط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في الطعن على أهل الحديث. . . وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين، وحفظًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وصيانة لها وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك عندهم طعنًا في غير الأحاديث المعلنة
(1)
، بل تقوي بذلك الأحاديث السليمة عندهم؛ لبراءتها من العلل، وسلامتها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حقًا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به"
(2)
.
= فقال الخريبي: ترك الجمعة، وجاء فلان فناظره ليلة فذهب الحسن إلى ترك الجمعة معهم، والخروج عليهم بالسيف، يعني الظلمة" (ت: 169 هـ)، تذكرة الحفاظ (1/ 216 - 217)، التقريب (1250).
(1)
قال الذهبي رحمه الله في السير (8/ 448): "وإنما الكلام في العلماء يحتاج إلى وزن بالعدل والورع".
(2)
شرح علل الترمذي (2/ 892 - 894) بتصرف، وانظر قواعد في التعامل مع العلماء (101)، وبراءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة (269) من كتاب الردود للشيخ بكر أبو زيد، والفقه في الدين لناصر العقل (45)، لحوم العلماء مسمومة لناصر بن سليمان العمر.