الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع: الآثار الواردة في الهدي العام للسلف في السلوك
.
تقدم في المباحث الثلاثة الماضية، بيان تعظيم الكتاب والسنة، والتحذير من الكلام فيما ليس للمرء فيه سلف، ثم النهي عن الطعن في العلماء، وهذا المبحث كالنتيجة الحتمية لما سبق، وهو باكورته التي بدا صلاحها، وثمرته التي اكتمل نضجها؛ فإن اتباع سلف الأمة في هديهم العام، واقتفاء أثرهم في فهم هذا الدين والعمل به، لمن أوجب الواجبات المتحتمة على المسلم، حتى يعبد ربه على بصيرة، قال تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)}
(1)
.
وقد جاء عن السلف آثار كثيرة في بيان هذا المعنى، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلى:
21 -
حدثني محمد بن الحسين، حدثني موسى بن عيسى، حدثني الوليد بن مسلم
(2)
: "أنه رأى رجلا دنس الهيئة، دسم الثياب، قال الوليد: فقلت له: ما لي لا أرى عليك زِيَّ أهل الإسلام؟ قال: وما أنكرت من
(1)
سورة النساء، الآية (115).
(2)
هو الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، عالم أهل الشام، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية (ت: 195 هـ)، الكاشف (2/ 277) تقريب التهذيب (7456).
ذلك؟ لعلك تريد حسن الخضاب، ونقاء الثوب؟ قال: نعم، فبكى وقال: كيف يستبين حزني على مصيبتي فيما سلفت من ذنوبي، والشاهد اللَّه، قال: وغشي عليه"
(1)
.
22 -
حدثني محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سهل الأزدي قال: حدثني عباد أبو عتبة الخواص
(2)
قال: "رأيت شيخا في بيت المقدس كأنه قد احترق بالنار، عليه مدرعة سوداء، وعمامة سوداء، طويل الصمت، كريه المنظر، كثير الشعر، شديد الكآبة، فقلت: رحمك اللَّه، لو غيّرت لباسك هذا، فقد علمت ما جاء في البياض، فبكى وقال: هذا أشبه بلباس أهل المصيبة، فإنما أنا وأنت في الدنيا في حداد، وكأني بي وبك قد دعينا، فقال: فما تمّ كلامه حتى غشي عليه"
(3)
.
(1)
إسناده حسن؛ موسى بن عيسى هو الليثي الخياط صدوق التقريب (7048)، الهم والحزن (52) رقم (52)، المرض والكفارات رقم (260) بنفس السند والمتن، وجواب هذا الشيخ للوليد بن مسلم يظهر تأصل شبهة عنده وإلا فإن الحزن على الذنوب لا يلزم منه ما ذكر لا سيما وأنه مخالف للشرع كما أنكر عليه، فالعين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وكذلك لا نفعل إلا ما يرضيه وهذه فائدة العلم الشرعي.
(2)
وعباد بن عباد الرملي الأرسوفي، أبو عتبة الخواص، من فضلاء أهل الشام وعبادهم، صدوق يهم، أفحش ابن حبان فقال: يستحق الترك، توفي بعد المائتين، الثقات لابن حبان (8/ 435)، تهذيب التهذيب (5/ 85)، التقريب (3134).
(3)
إسناده لين؛ فيه محمد بن سهل الأزدي وهو المعروف بمحمد بن أبي السري كما نبه عليه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (2/ 428)، وانظر تاريخ بغداد =
23 -
نا الحسن بن عبد العزيز، نا أيوب بن سويد، أنا أبو الهيثم، عن عبد اللَّه بن غالب
(1)
، أنه حدث قال: "خرجت إلى الجزيرة، قال: فركبنا السفينة فأرفت بنا إلى جانب قرية عاجية في سفح جبل خراب ليس فيها أحد، قال: فخرجت فطفت في ذلك الخراب أتأمل آثارهم وما كانوا فيه، قال: إذ دخلت بيتا يشبه أن يكون مأهولا، قال: قلت: إن لهذا شأنا، قال: فرجعت إلى أصحابي فقلت: إن لي إليكم حاجة فقالوا: ما هي؟ قلت: تقيمون على ليلة؟ قالوا: نعم، قال: فدخلت ذلك البيت، فقلت: إن يكن له أهل فسيؤوب إليه إذا جنّ الليل، فلما أظلم الليل سمعت صوتا قد انحط من رأس الجبل يسبح اللَّه عز وجل ويكبره ويحمده، فلم يزل الصوت يدنو بذلك حتى دخل البيت، قال: ولم أر في ذلك البيت شيئا إلا جرّة ليس فيها شيء، ووعاء ليس فيه طعام، فصلى ما شاء اللَّه أن يصلي ثم انصرف إلى ذلك الوعاء فأكل منه طعاما ثم حمد اللَّه، ثم أتى الجرة فشرب منها، ثم قام فصلى حتى أصبح الصبح، فلما أصبح أقام الصلاة فصليت خلفه، فقال: يرحمك اللَّه دخلت بيتي بغير إذني، قال: قلت
= (5/ 314)، تهذيب التهذيب (3/ 570)، ولم يُذكر فيه جرح ولا تعديل إلا أن ابن حجر ذكر ما يفيد أنه كان إخباريا، الهم والحزن (53) رقم (53)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (4/ 217).
(1)
هو عبد اللَّه بن غالب الحُدَّاني البصري العابد، صدوق قليل الحديث، قتل مع ابن الأشعث، قال الذهبي:"واعظ، قانت، متبتل، صادق، قتل يوم الجماجم سنة (83 هـ) "، الكاشف (1/ 583)، التقريب (3526).
يرحمك اللَّه لم أرد إلا الخير، قلت: رأيتك أتيت هذا الوعاء فأكلت منه طعاما وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيه شيئا، قال: أجل ما من طعام أريد من طعام الناس إلا أكلته من هذا الوعاء، ولا شرابا أريده من شراب الناس إلا شربته من هذه الشجرة، قال: قلت: وإن أردت السمك الطري؟ قال: وإن أردت السمك الطري، قال فقلت:"يرحمك اللَّه، إن هذه الأمة لم تؤمر بالذي صنعت، أمرت بالجماعة والمساجد وتفضل الصلوات في الجماعة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، قال: هاهنا قرية فيها كل ما ذكرت، وأنا صائر إليها، قال: فكاتبني حينا، ثم انقطع كتابه فظننت أنه مات، قال: وكان عبد اللَّه بن غالب لما مات وجد من قبره ريح المسك"
(1)
.
(1)
إسناده حسن؛ أيوب بن سويد صدوق يخطئ (620)، لكن قال عنه ابن حبان في الثقات (8/ 125):"وكان رديء الحفظ، يتقى حديثه من رواية ابنه محمد بن أيوب عنه؛ لأن أخباره إذا سُبرت من غير رواية ابنه عنه وجد أكثرها مستقيمة"، الأولياء (34) رقم (80)، العزلة والانفراد (90) رقم (74)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (4/ 363)، وتروى هذه من وجه آخر مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويها عمن كان قبلنا، أخرجه الطبراني في الأوسط (7/ 281) رقم (7500)، وفيها المفضل بن فضالة وهو مقبول التقريب (6907)، وقال الهيثمي في المجمع (10/ 306):"رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن شعيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات على ضعف في بعضهم يسير"، والمعافى النهرواني في الجليس الصالح (1/ 292 - 294).
24 -
حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا غسّان بن عبيد، عن سفيان
(1)
قال: "كانوا يكرهون الشهرتين، الثياب الجياد التي يشتهر فيها، ويرفع الناس فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يحتقر فيها، ويستذلّ فيها"
(2)
.
25 -
حدثت عن مصعب بن سلام، ثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عثمان بن أبي العاص
(3)
قال: "لولا الجمعة وصلاة الجميع، لبنيت في أعلى داري هذه بيتا، ثم دخلته فلم أخرج منه، حتى أخرج إلى قبري"
(4)
.
(1)
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة حافظ، فقيه عابد، إمام حجة، وكان ربما دلس (ت: 161 هـ) وله أربع وستون سنة، التقريب (2445).
(2)
إسناده صحيح، إصلاح المال (334) رقم (400)، وانظر (404)، والتواضع والخمول رقم (64)، وذكره ابن كثير في تفسيره (3/ 449)، وابن الجوزي في تلبيس إبليس (239)، وانظر مجموع الفتاوى (11/ 555)(22/ 138)، وزاد المعاد (1/ 137).
(3)
هو عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي، أبو عبد اللَّه، صحابي شهير، أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف، ومات في خلافة معاوية بالبصرة، الإصابة (4/ 451)، التقريب (4485).
(4)
إسناده منقطع، بين المصنف وشيخه، والأثر حسن من طرقه الأخرى، العزلة والانفراد (95) رقم (83)، وأحمد في الزهد (151)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/ 194) رقم (1534)، وأبو داود في الزهد رقم (401).
26 -
حدثني محمد بن العباس قال: حدثنا وكيع، عن سفيان
(1)
قال: "الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباء"
(2)
.
27 -
حدثني المفصل بن غسان، حدثنا أبي، عن عمر بن علي، قال سفيان بن حسين
(3)
: "تدري ما السمت الصالح؟ واللَّه ما هو بحلق الشارب، ولا تشمير الثوب، إنما هو أن يكون قد لزم الطريق، فيقال له:
(1)
هو الثوري كما جاء مصرحا به في مصادر التخريج.
(2)
إسناده حسن، شيخ المصنف هو محمد بن العباس بن محمد اليزيدي، كان راوية للأخبار والآداب، مصدقا في حديثه، رأسا في نقل النوادر وكلام العرب، إمامٌ في النحو، ففي ترجمته من تاريخ بغداد (3/ 113) أنه يروي عن أبي العباس ثعلب، وفي ترجمة ثعلب من نفس الكتاب (5/ 204) أنه يروي عنه محمد بن العباس اليزيدي، وبهذا يزول الإشكال والاحتمال الذي ذكره أستاذنا د/ مصلح الحارثي حيث لم يستطع تمييزه وذكره احتمالا هو وأبو جعفر، انظر حاشية (1) التهجد (115)، قصر الأمل (42) رقم (32)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/ 101)، وابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين رقم (8)، وأبو نعيم في الحلية (6/ 386)، والبيهقي في الزهد الكبير (2/ 194) رقم (466)، وذكره الذهبي في السير (7/ 243)، والحسيني في البرهان المؤيد منسوبا لبعض العارفين (42)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/ 291)، وانظر مدارج السالكين (2/ 10).
(3)
هو سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمد أو أبو الحسن الواسطي، ثقة في غير الزهري باتفاقهم، كان معلم المهدي -وغيره- ومؤدبه، مات بالري مع المهدي، وقيل في أول خلافة الرشيد، تاريخ بغداد (9/ 149)، التقريب (2437).