الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نقول: نعم، ومن هنا ننبه أنه ينبغي لنا أن نحافظ على الألفاظ الشرعية في مثل هذه المسائل، مثلاً عند العامة يسمون زوجة الأب:«خاله» ، الآن لو تقول للعامة: يجوز أن يجمع بين بنت الرجل وزوجته قالوا: الخالة، كيف يجوز؟ أنا أقول أن الكلمات تُغيّر المعنى، ولهذا ربما يأتي واحد يقول: أبو الزوجة خالها مشكل هذا، ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن تسمى صلاة العشاء العتمة، لأن هذه تسمية الأعراب وقال:«إنها في كتاب الله العشاء» ، فالمحافظة على الألفاظ الشرعية أولى.
إذن الآن الحديث يدل على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، والصحيح: أن هذا يشمل الرضاع كما هو في النسب، إذا وقع العقد على واحدة بعد الأخرى فأي العقدين يصح؟ الأول، إذا وقع العقد عليهما جميعًا فقال: زوجتك ابنتي هاتين؟ لا يصلح العقد، لأنه لا يمكن فسخ أحدهما دون الآخر، ما الجواب عن قول صاحب مدين لموسى:{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص: 27]. هذا ليس فيه جمع يقول: «إحداهما» ، لكن يرد عليه مسألة التعيين وقد أجبنا عنه فيما سبق، نقول: لأن موسى عين ما يريد منهما فلا إشكال فيه.
حكم خطبة المحرم ونكاحه:
(947)
- وَعَن عُثْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح المُحرمُ، وَلا ينكح» . رَوَاهُ مسْلِمُ، وَفي روايةٍ لهُ:«وَلا يخطب عليه» .
948 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم» متفق عليه.
949 -
ولمسلم عن ميمونة نفسها رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال»
هذه الأحاديث في حكم تزوج المحرم وتزويج المحرمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا ينكح المحرم» يعني: لا يتزوج، وهذا يشمل المرأة والرجل، فالمرأة لا يجوز أن تُنكح، والرجل لا يجوز أن ينكح، وذلك لأن الإنسان إذا نكح وهو مُحرم فلا يخلو من حالين إما أن يتعجل فيدخل بزوجته، وهذا يُؤدي إلى فساد النسك وقد قال تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. وإما
أن يبقى قلبه مُعَلقا بالزوجة فيفسد عليه الإقبال على نسكه، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، كذلك «ولا ينكح» أي: لا ينكح غيره وهذا في الولي، فإذا كان الولي محرما فإنه لا تزوج موليته ولو كانت حلالاً، ولو كان زوجها الذي تزوجها حلالاً.
وفي رواية له: «لا يخطب» يعني: لا يتقدم لشخص يخطب مُوليته ابنته أو أخته، والحكمة في ذلك: هي تعلق القلب واشتغاله بهذه الخطبة.
وقوله: «ولا يُخطب عليه» يعني: المرأة إذا كانت مُحرمة فإنها لا تُخطب، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن عقد النكاح وعن وسائله وذرائعه، الوسائل والذرائع هما الخطبة والنكاح والعقد.
ففي هذا الحديث: تحريم نكاح المحرم، يُؤخذ ذلك من قوله:«لا ينكح» ، وهو إن كان بالجزم فهو نهي صريح، وإن كان بالرفع فهو نفي بمعنى النهي، وظاهر الحديث أنه ما دام مُحرمّا فالنكاح غير صحيح حتى ولو بقي عليه التحلل الثاني، مثاله: رجل كان حاجا فرمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق حل التحلل الأول هل يجوز أن يتزوج؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، ولكن القول الثاني في المذهب - وهو اختيار شيخ الإسلام-: أنه يجوز، وقال: إن قوله: «المحرم» «أل» تفيد الكمال، يعني: المحرم إحرامًا كاملاً وأما ما بعد التحلل الأول فإن المحرّم.
النساء كما جاء في الحديث: «إذا رميتم وحلقتم حل لكم كل شيء إلا النساء» ، وهذا عقد وليس نساء، فلهذا ذهب شيخ الإسلام، وجماعة من العلماء وأظنه رواية عن أحمد أنه يجوز عقد النكاح بعد التحلل الأول، ولكن المشهور من المذهب أنه كالعقد قبل التحلل الأول، والذي ينبغي للمفتي في هذه المسألة أنه إذا كان ابتداء العقد فلا يُعْقد، لكن لو فرض أن أحدا قد عقد فهذا هُوَ الذي ينبغي أن يُقال فيه بالقول الثاني لصعوبة تجديد العقد؛ ولأنه ربما يكون هناك ذرية جاءوا من بعده، مثال هذا: لو أن شخصا حج ورمى وطاف وسعى ولكن لم يحلق ثم عقد النكاح قبل أن يحلق وقبل أن يفدي عن الحلق فماذا نقول؟ نقول: هذا صحيح، أما لو قال: أريد أن أعقد النكاح، قلنا له: أصبر حَتَّى تحل التحلل الثاني احتياطا وإبراءً للذمة.
من فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يأتي بما يشغله عن العبادة أو بما يكون ذريعة لإفسادها؛ من أين يؤخذ؟ من نهي المحرم عن النكاح؛ لأنه إما أن يشتغل، وإما أن يدخل فيفسد نسكه.
ومن فوائد الحديث: تحريم خطبة المخرم خاطبًا كان أو مخطوبا، لقوله:«لا يخطب» «ولا يخطب عليه» .
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى سد الذرائع كقوله: «ولا يخطب» ، وظاهر الحديث أنه لا تجوز الخطبة تصريحا ولا تعريضا، وقد يقول قائل: إن الخطبة الكاملة هي الصريحة، وأن التعريض لا بأس به مثل أن يصادف رجل آخر وهو مُحرم ويقول مثلاً لا تفوتني ابنتك، أو أنا أرغب في مثل ابنتك، هذا يُسمى عند العلماء تعريضًا، ولكن لا شك أن الأحوط هو ألا يخطب لا تعريضًا ولا تصريحًا.
أما حديث ابن عباس فإنه يقول رضي الله عنهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو مُحرم، ميمونة بنت الحارث، وهي خالة عبد الله بن عباس.
وقوله: «وهو محرم» جملة حالية في محل نصب من فاعل تزوج وهو النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو مُحرم بالعمرة، ولمسلم عن ميمونة نفسها التي عقد عليها النكاح أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي حلال، ويوجد حديث آخر رواه أبو رافع رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال قال «وكنت السفير بينهما» ، يعني: الواسطة، فهنا تعارض حديث ابن عباس المتفق عليه مع حديث ميمونة الذي رواه مسلم وحديث أبي رافع، فاختلف العلماء رحمهم الله في الترجيح بينهما؛ فمن العلماء من رجح حديث ابن عباس من وجه واحد فقط من حيث السند؛ لأنه متفق عليه، هناك أيضا وجه آخر: أن ميمونة خالته فهو من أعلم الناس بها، ومنهم من رجّح حديث ميمونة من ثلاثة أوجه:
الأولى: أنها صاحبة القصة، ومعلوم أن صاحب القصة أدرى بها من غيره.
الوجه الثاني: أنها يُؤيدها حديث أبي رافع وهو السفير الواسطة بينهما.
الوجه الثالث: أنه الموافق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح المحرم» ، والأصل عدم الخصوصية، فإذا كان الأصل عدم الخصوصية فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج وهو مُحرم؛ لأن الأصل أن الثابت للأمة ثبت له، وما ثبت له ثبت للأمة إلا بدليل، وهذا القول الثاني هو الصحيح أن النيي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال.
فإذا قال قائل: ماذا نصنع بحديث ابن عباس؟
قلنا: ابن عباس لم يطلع على أنه تزوجها إلا بعد أن أحرم النبي صلى الله عليه وسلم فظن أنه تزوجها وهو مُحرم فروى ما بلغه ولم يبلغه قبل ذلك أنه تزوجها وهو حلال، فالصواب: أنه تزوجها وهو حلال، وابن عباس لم يطلع على ذلك إلا بعد أن أحرم، على هذا لا تثبت الخصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، أي: في جواز نكاحه وهو مُحرم، أما على من رجّح حديث ابن عباس فإنه يقول: هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خص صلى الله عليه وسلم بمسائل كثيرة في النكاح.