الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لذلك أيضا حديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يُردها، فقال بعض القوم: إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يسأله هل عنده صداق؟ قال: إزاري وليس له رداء، قال: إزارك إن أعطيتها إياه بقيت لا إزار لك، وإن استمتعت به لم يكن لها فائدة منك، إذن لا يصلح، فقال:«التمس» ، فذهب الرجل يلتمس ما وجد ولا خاتم من حديد، قال:«معك شيء من القرآن؟ » قال: نعم كذا وكذا، قال:«مَلَّكْتكَها بما معك من القرآن» ، ولم يقال له صلى الله عليه وسلم: استقرض أو استدن، فدل هذا على أنه لا ينبغي لمن ليس عنده مؤنة النكاح أن يستقرض.
لو قال قائل: ما هي الحكمة في أنه لا يستقرض، أليس هذا من مصالح الإنسان؟
نقول: بلى، ولكن الاستقراض ذل يكسب الإنسان ذلاً وانكسارًا، لا سيما إذا رأى من
أقرضه فإنه يراه ويتصور أنه عبدٌ له، لذلك لم يُرشد النبي صلى الله عليه وسلم من لم يجد أن يستقرض.
ومن فوائد الحديث: تحريم الاستمناء الذي يسمونه العادة السرية، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرشد إليه عند عدم القدرة على الباءة، ولو كانّ جائزاً لأرشد إليه؛ لأنه أهون من الصوم بلا شك، ولأن الإنسان يجد فيه متعة، والصوم لا يجد فيه إلا ألم الجوع والعطش بخلاف هذا الفعل، وإذا كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يخيّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمّا كان في ذلك دليل على أن الاستمناء في إثم لأنه أيسر الأمرين من الصوم أو الاستمناء، فلما لم يختره علم أنه إثم.
النهي عن التبتل:
925 -
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَمِدَ اَللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ اَلنِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . متفق عليه.
هذا الحديث له سبب وهو أن ثلاثة نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لشدة رغبتهم في الخير جاءوا إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألونهن عن عمله في السر، يعني: في بيته، فأخبروا بذلك فكأنهم تقالوا هذا العمل، وقالوا: إن النيي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، ولكننا نحن لسنا كذلك، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: أنا لا
أتزوج النساء، غرضه بذلك أن ينقطع عن الزواج إلى العبادة، هكذا قالوا اجتهادًا منهم، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما ذكره المؤلف؛ وذلك لأن هذا المبدأ الذي ابتدعه هؤلاء مبدأ خطير يشبه مبدأ النصارى الذين ابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم، لكن يبتغون بذلك رضوان الله، ولكن شدَّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، ثم بعد ذلك عجزوا، وهكذا كل إنسان يشدد على نفسه لابد أن يعجز في النهاية. المهم: أن هؤلاء جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه كعادته في خطبه أنه كان يحمد الله ويثني عليه: «الحمد لله» مثل أن يقول: الحمد لله هذا حمد، «الثناء»: أن يكرر صفات الكمال؛ لأنه مأخوذ من الثُنيا، وهى العودة بعد البدء، قد يطول وقد لا يطول.
ثمّ قال: «لكني أنا أصلي وأنام» ، هذا هديه، وقد قال الله تعالى في سورة المزمل:{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} [المزمل: 20]. {أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} يعني: فوق النصف بقليل، {وَنِصْفَهُ} النصف {وَثُلُثَهُ} دون النصف، فهو صلى الله عليه وسلم لا يُكمل الثلثين قائمًا إلا في رمضان، فإنه إذا دخل العشر الأواخر من رمضان كان يقوم الليل كله، لكن هذا عارض، إنما هديه الدائم هو هذا، ومع ذلك فكان ينام في آخر الليل كما في صحيح البخاري أنها قالت: ما ألفيته سَحَراً إلا نائمًا؛ يعني: أنه ينام قليلاً في آخر الليل، وقد بين صلى الله عليه وسلم أن أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه.
وقوله: «أصلي وأنام» ، هذا في ليلة واحدة، أحيانًا يقوم كل الليالي، يعني: كل ليلة يقوم حتى يُقال: لا ينام، وأحيانا ينام حتى يُقال: لا يقوم، وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعبد لله سبحانه وتعالى بما هو أصلح، إلا الفرائض فإنه لا يخل بها، لكن النوافل يتعبد لله بما يكون أصلح أحيانا يكون الأصلح، إذا جاءه ضيف يحتاجون إلى إكرام وسهر معهم في أول الليل ولم يقم صار هذا أفضل، كما شغله الضيف عن سنة الظهر فلم يصلها إلا بعد العصر، أحيانا يعرض له مسألة من مسائل العلم يحقق فيها في أول الليل وينام في آخره هذا أيضا أفضل، المهم: أن ما عدا الفرائض فإنه يُرجع فيه إلى الأصلح، فإن تساوى فإن كل نافلة تبقى على وظيفتها.
يقول: «وأصوم وأفطر» ، وكان صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يُبالي أصامها في أول الشهر أم في وسطه أم في آخره هذا ثابت، وربما صام يوم الاثنين والخميس، وكذلك يصوم في الأيام التي يُندب صيامها كيوم عرفة ويوم عاشوراء، وَقال:«لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع» .
فالحاصل: أنه كان يصوم ويفطر، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا قال ذلك لعبد الله بن عمرو بن العاص الذي بلغه أنه قال إني أقوم ولا أنام، وأصوم ولا أفطر، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين له أن هذا ليس من السنة، وما زال يحَاططه حتى أذن له أن يصوم يومًا، ويُفطر يومًا، قال عبد الله: إني أطيق أفضل من ذلك، قال:«لا أفضل من ذلك» ، يعني: لا شيء أفضل من صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فلما كبر عبد الله بن عمرو قال: ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم، وشق عليه الصوم حَتَّى صوم يوم وفطر يوم، فكان يجمع الخمسة عشر يومًا جميعًا يصومها ويفطر خمسة عشر يومًا.
يقول: «وأتزوج النساء» ، يعني: ولا أتبتل خلافا لهؤلاء الرهط، وتزوجه للنساء صلى الله عليه وسلم كما يتزوج الرسل من قبله، قال الله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38]. ثم إن تزوجه للنساء ليس تزوج تشه ولهذا لم يتزوج امرأة بكرًا إلا عائشة، ولو شاء أن يتزوج ما شاء من الأبكار لحصل له ذلك، لكنه صلى الله عليه وسلم إنما يريد بزواجه مصالح شرعية عظيمة سوى قضاء الوطر، وقد حبب الله إليه النساء فقال صلى الله عليه وسلم:«حُبِّب إليّ من دُنياكم النساء والطِّيب، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة» . وذلك لأجل المصلحة العظيمة لأجل أن يكون له من كل قبيلة وبطن من العرب صلة؛ لأن الصلة بالنسب إذا فقدت تأتي الصلة بالصهر كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان: 54]، فالصهر قسيم النسب في باب التواصل بين الناس، فكان صلى الله عليه وسلم قد حُبّب إليه النساء، وأعطي قوة ثلاثين رجلاً، وكان يتزوج النساء من أجل الاتصال بين قبائل قريش وبطون قريش، ثم ما يحصل لهؤلاء الزوجات من الفضل والمناقب باتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ ما يحصل من العلم الكثير الذي لا يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في بيته، فإن هذا العلم إنما نشره بين الأمة زوجاته؛ لأنهن يعلمن ذلك، فالمهم: أن من هدي الرسول أن يتزوج النساء.
قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مِنِّي» أي: زهد فيها وتركها، وسنته هنا أي: طريقته، أي: مَن رغب عن طريقته في كونه يصوم ويفطر، ويُصلي وينام، ويتزوج النساء «فليس مني» ، أي: فأنا بريء منه، وصدق النيي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا هو مقتضى الفطرة الذي يرغب عن سنتك لا شك أنه مُفارق لك، وانه لا صلة بينك وبينه والذي يرغب في سنتك هذا هُوَ الموالي لك، ولهذا كان من أعظم الولاء أن يكون الإنسان موافقا لمن تولاه في أفعاله وأقواله وهو شيء مشاهد،
حَتَّى إن الإنسان إذا أحب شخصنا صار يقتدي به وينظر ماذا يفعل فيفعل مثله فكذلك الولاية من أراد أن يكون من أولياء الله ورسوله فليسلك ما شرعه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: «من رغب عن سنتي» ، «رغب» تتعدى بـ «في» ، وتتعدى بـ «عن» ، فإن تعدت بـ «في» فهي للطلب، وإن تعدّت بـ «عن» ، فهي للهرب؛ يعني: إذا قلت: رغبت في كذا فأنت تطلب، «رغبت عن»: تهرب منه لا تريده هنا «من رغب عن سنتي» ، أي: هرب منها وتركها وزهد فيها، «فليس مني» ، أي: ليس ممن ينتسب إلى لأن الذي ينتسب إليه حقًا هُوَ الذي يأخذ بشريعته صلى الله عليه وسلم.
في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: محاربة الإسلام للرهبانية، يؤخذ ذلك من كون النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على هؤلاء التبتل والعبادة الشاقة من صوم أو صلاة.
ومنها: أن العبادة قد تكون مكروهة لا لذاتها ولكن لما يعرض لها من وصف، فالصلاة من أحب الأعمال إلى الله ومع ذلك إذا التزم بها الإنسان على هذا الوجه صارت إما محرمة أو مكروهة على الأقل ويتفرع على هذه الفائدة: ما يُطنطن به أهل البدع الذينَ إذا أنكرت عليهم بدعة ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا كيف تنكر علينا، أنت ترغب عن الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم أو ترغب في الصلاة عليه؟ أرغب في الصلاة عليه لكن أرغب عن البدعة، هل هذه الصلاة التي أحدثتموها وهذا الثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة هل هذا مما شرعه الرسول؟ لا، إذن يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة، فالمهم: أن هذا الحديث يتفرع على فائدته أن کل ما كان مخالفًا للرسول صلى الله عليه وسلم فهو بدعة وإن كان أصله مشروعا وعبادة.
ومن فوائد الحديث: مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم لإبطال الباطل؛ لأنه من حيث ما ذكروا له ذلك قام وخطب ونهى عنه، ويترتب على هذا أن نقتدي به وأن نُبادر بإنكار الباطل؛ لأن الباطل إذا سرى وانتشر صار انتشاله صعبا، لكن في أول أمره يسهل.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي إعلان الإنكار إذا دعت الحاجة إلى ذلك بحيث يكون هذا المُنكر منتشراً وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس مع أنه بإمكانه أن يكلم هؤلاء وينهاهم عما أرادوا ولكنه خاف أن ينتشر.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي البداءة في الخطبة -ولو كانت عارضة- بالحمد والثناء، وهذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبدأ خطبه بالحمد والثناء، واختلف العلماء رحمهم الله في خطبتي العيد هل تبدئان بالحمد والثناء أو بالتكبير، على قولين في هذه المسألة، والأرجح أنهما يبدئان بالحمد والثناء، وإن كان التكبير فيه حمد وثناء؛ لأنك تقول: «الله أكبر الله أكبر لا
إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد»، لكن ليس هذه صفة الخطب التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بها. ومن فوائد الحديث: بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الدين اليُسر لقوله: «أصلي وأنام، وأصوم وأفطر» .
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه في العبادة؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين منهاجه وسيرته في عبادته أن يجمع بين راحة البدن وبين عبادة الله عز وجل، حَتّى إن الإنسان لو كان يُصلي في الليل وأتاه النوم فإنه مأمور بالكف عن الصلاة والرقاد. هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وبين ي صلى الله عليه وسلم علة ذلك قال:«ربما يذهب ليدعو لنفسه فيسبها» وهذا صحيح، ربما تريد:«رب اغفر لي» فتقول: رب أهلكني، لأنك نائم! ! فعلى كل حال أنموذج من أنه ينبغي للإنسان ألا يشق على نفسه في العبادة.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الصوم على وجه الإطلاق لقوله: «أصوم وأفطر» ، وهذا يشمل الصوم المطلق والصوم المعين المقيد كصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من الشهر، وأيام البيض، وستة أيام من شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء.
ومن فوائد الحديث: مشروعية النكاح؛ لأنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: «وأتزوج النساء» .
فإذا قال قائل: هذا فعل تقتضيه الفطرة والطبيعة البشرية فهو كالأكل والشرب فلا يكون مشروعًا في حد ذاته؟
فالجواب عن ذلك أن يُقال: بينهما فرق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ساق الحديث هنا على أن هذا هديه وسيرته، ولم يقل: وآكل وأشرب، وأيضا النكاح يترتب عليه مصالح متعددة، منها:
مصلحة الزوجة والأولاد الذين سيقوم بتربيتهم والإنفاق عليهم فليس كالأكل والشرب.
ومن فوائد الحديث: أن من رغب عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فليس منه لقوله: «من رغب عن سنتي فليس مني» ، وهذا يدل على أن من رغب عن سُنة الرسول فقد أتى كبيرة، لأن من علامة الكبيرة على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أن يتبرأ الشارع من فاعلها، ولكن يجب أن نعلم أن ترك السُنة ينقسم إلى قسمين: ترك رغبة عنها، وهذا هُوَ الذي يُعَدُّ من الكبائر، وترك تهاون بها، أي: أنه يتهاون في فعلها دون الرغبة عنها ويرى أنها مشروعة ويحبها لكن يتكاسل، يعني: يدعها كسلاً، الثاني لا يكون فعله كبيرة إلا إذا كان ما فعله كبيرة، أما مجرد أن يترك المسنون فهذا ليس بكبيرة.