الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنواع الربا:
797 -
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» . متفق عليه.
798 -
وعن عباده بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيدٍ، فإذا اختلف هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» . رواه مسلم.
799 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثلٍ، والفضة وزنا بوزن مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو رباً» . رواه مسلم.
هذه ثلاثة أحاديث في بيان الأصناف التي فيها الربا وفي بيان أنواع الربا أيضاً فهي تبين ما يكون فيه الربا وتبين أنواع الربا، والربا نوعان: ربا فضل، وربا نسيئة، ويقال للثاني: الربا الجلي، وللأول: الربا الخفي، وقد قيل: إن الثاني الذي هو ربا الفضل إنما حرم، لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة- والله أعلم-، لكن على كل حال الربا نوعان: ربا جلي واضح وهو ربا النسيئة، والثاني: ربا خفي وهو ربا الفضل، أي: الزيادة، أما ربا النسيئة: فإنه المؤخر بأن يبيع ذهباً بذهب مع التأخير، والغالب أنه لا يكون إلا بفضل؛ لأنه ليس من المعقول أن يأخذ الإنسان ديناراً وزنه مثقال حاضراً بدينار وزنه مثقال مؤجلاً، هذا لا يكون على سبيل المعاوضة، أما على سبيل القبض فالأمر واضح، لكن على سبيل المعاوضة فربما النسيئة لا يخلو من ربا الفضل ولهذا سمي جليا واضحا، وإما ربا الفضل فغنه يقع أيضاً كثيراً، ولكن ربما يكون التبادل بين الجنس الواحد بدون مفاضلة لسبب من الأسباب كما سيأتي، المهم: أن ربا النسيئة يجري في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، فإن وقع التبادل بين جنس واحد، اجتمع فيه ربا الفضل وربا النسيئة، هذا هو الضابط، فربا النسيئة يكون بالتبادل بين جنسين ربويين، وربا الفضل يكون بالتفاضل بين جنس واحد فإذا اتفقا جنساً اشترط في أمران الأول: التساوي، والثاني: القبض قبل التفرق، فإن زيد أحدهما على الآخر مع القبض فهو ربا فضل، وإن تأخر قبض أحدهما بدون فضل فهو ربا نسيئة، وإن تأخر أحدهما مع الفضل فهو ربا فضل ونسيئة، إذن قد يجتمعان وقد يفترقان هذا إذا بيع جنس بجنس، إذا بغير جنسه وهو مما يشاركه في علة
الربا يجري فيه نوع واحد من الربا وهو ربا النسيئة، أما ربا الفضل فلا يجري فيه، كالبر بالشعير فهما جنسان يتفقان في علة ربا الفضل فيحرم بينهما التأخير ولا يحرم التفاضل، هذا هو مجمل ما يقال في الربا، هناك أموال ليست ربوية هذا ليس فيها رباً لا فضل ولا نسيئة تبيعها متفاضلة تبيعها متأخرة.
نبدأ بالحديث الأول: يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا» ، شفى تكون بمعنى: زاد وتكون بمعنى: نقص، فإن عديت بـ"عن" فهي بمعنى نقص، شفه عن كذا يعني: نقص، وإن عديت بـ"على" فهي بمعنى زاد، ولكن أن الزيادة والنقصان متقابلان لا يقبل أحدهما بدون الآخر، متى ثبتت الزيادة ثبت النقصان في الجانب الآخر، يقول:«لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل» وهذا يعني في الوزن وليس في الصفة؛ يعني: لا يزيد وزن أحدهما عن الآخر، وأما في الصفة فلا بأس أن تبيع ذهبا جيداً بذهب رديء مع التساوي في الوزن، أو ذهبا قد صيغ معينة قديمة عدل الناس عنها، لكن وزنا بوزن، المهم: أ، المماثلة هنا بالوزن؛ أي: بالكم لا بالكيف.
فإذا قال قائل: وهل يأتي المثل بمعنى الكم؟ قلنا: نعم، ومنه قوله تعالى:{الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12]. بالكمية وليست بالكيفية، إذن المماثلة بالوزن وهو كم وليس بكيف.
الثاني: «ولا تشفوا بعضها على بعض» أي: لا تزيدوا على بعض، وظاهر الحديث أنه لا يزاد في الذهب إذا بيع بعضه لا من جنسه ولا من غير جنسه، وعلى هذا فإذا باع ديناراً وقيمة الدينار عشرون درهما بنصف دينار وعشرة دراهم فظاهر الحديث أنه لا يجوز، لماذا؟ لأن الذهب لم يوازن الذهب، وزن الذهب نصف والباقي قيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:«لا تشفوا بعضها على بعض» .
كذلك لو باع الإنسان ذهباً مصوغاً بسبائك ذهب وأخذ الفرق مقدار أجرة الصنعة فهل يجوز؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز.
فإذا قال قائل: كيف لا يجوز إذا زدنا أجرة الصنعة وهي من صنع الآدمي، والآدمي يحتاج إلى أجرة ولا يمكن أن نقيسه على زيادة الصفة من خلق الله؟
فالجواب: مسائل الربا ليست من مسائل القياس المحض؛ لأن فيها أشياء ليس فيها نقص ولا ظلم ومع ذلك حرمها، فقد جيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر طيب جيد فسأل فقيل له: كنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال: "هذا عين الربا"، وأمر برده مع أن هذه المسألة ليس فيها ظلم بوجه من الوجوه، وليس فيها إكراه، وكل أحد يعلم أن هذا لا محظور فيه من الناحية النظرية، ومع ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"هذا عين الربا"، فدل ذلك على أن مسائل الربا يجب فيها الوقوف على مقتضى النص.
فلو قال قائل: إن هذا من صنع الآدمي فالزيادة في الصنعة بخلاف طيب التمر؟
قلنا: نعم هذا صحيح، لكن قد يكون في طيب التمر أيضاً من صنع الآدمي، وسببه إذا لم يلقح النخلة صار تمرها رديئاً، والحديث عام قال:«هذا عين الربا» ، ثم إنه تنتقض- مسألة الصنعة- بما إذا أبدل دنانير مسبوكة بسبائك من الذهب هل يجوز التفاضل؟ لا يجوز، حتى عند الذين يقولون بجواز التفاضل في الصنعة مع أن الدراهم المسبوكة فيها صنع آدمي ومع ذلك لا تجيزونه، قد يقولون: إن الصنعة غير مقصودة لذاتها إنما صنعها عام من أجل الرواج، وأن تكون أقيم الأشياء بخلاف الصنعة الخاصة التي صنعها الإنسان لتكون حليا على صفة معينة وسلم أجرتها، فيقال: هب أن الأمر كذلك لكن ماذا نصنع بالتمر إذا كان سوءه من صنع الآدمي وطيبة من صنع الآدمي، أي: بسبب الآدمي، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: أنه لا يجوز التفاضل بين الذهب بالذهب ولو من أجل الصنعة، وأن الباب يجب أن يغلق؛ لأن النفوس تحب المال، فإذا أجيز التفاضل من أجل الصنعة تدرجت النفوس إلى التفريط من أجل الرداءة والجودة، وحينئذ يقع الناس فيما كان حراماً بلا إشكال.
قال النبي صلى الله عليه وسلم «ولا تبيعوا الورق» المراد بالورق هنا: الفضة سواء جعلت دراهم أم لم تجعل وهذا متفق عليه، مع أن بعض العلماء في باب الزكاة لما قالوا في الرقة ربع العشر قالوا: المراد بالرقة: الدراهم المضروبة، وأخرجوا منها الحلي الذي يستعمل، قالوا: ليس قيه زكاة، ولكن الصحيح أن الزكاة واجبة في الحلي سواء سمي ورقاً أو لم يسم، مع أن ابن حزم قال: إن الورق اسم للفضة مطلقاً سواء مضروبة أم غير مضروبة، وهي هنا اسم للفضة مطلقاً سواء كانت مضروبة أم غير مضروبة، حتى عند القائلين بعدم وجوب الزكاة في الحلي، ولكن الصحيح كما مر علينا أنه تجب الزكاة في الحلي مطلقاً.
قال: «ولا تشفوا بعضها على بعض» ، "تشفوا" هنا بمعنى: تزيدوا بدليل "على".
قال: «ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» ، "غائباً": يعني لم يحضر "بناجز" مقدم منقود، وهذه الجملة الأخيرة فيها تحريم النسيئة بين الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والذهب بالفضة، ولهذا جاءت الجملة بعد ذكر البيع في الجنسين في الذهب وفي الفضة، يعني:"لا تبيعوا غائباً بناجز" جاءت بع ذكر الأمرين، فالغائب بالناجز لا يجوز سواء باع الإنسان ذهباً بذهب أو فضة بفضة أو ذهباً بفضة، لا يجوز التأخير وهذا التأخير يسمى ربا النسيئة وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون هذا للاستثمار أو للاستغلال، فالاستثمار هو أن تكون المصلحة للطرفين، والاستغلال هو أن تكون لطرف واحد، مثال الأول: رجل أخذ ذهباً بمائة دينار من أجل أن
يكتسب بمائة الدينار التي أخذها فلا يأتي حلول الأجل إلا وقد ربح خمسين ديناراً هذا استثمار؛ لأن الطرفين كسبا، رجل مثلاً عرضت عليه سلعة بمائة دينار وهو يعرف أن هذه السلعة بع ستة أشهر تكون بمائة وخمسين، لكن ما عنده مائة دينار، فذهب إلى تاجر وقال: أعطني مائة دينار بمائة وعشرين إلى ستة أشهر فقال: خذ واشتر السلعة، وبعد مضي ستة أشهر باعها بمائة وخمسين ديناراً استفاد الطرفان، يسمى هذا في لغة العصر استثماراً؛ لأن الطرفين انتفعا، الاستغلال: يأتي إنسان فقير محتاج إلى زواج وبيت وسيارة فيذهب إلى تاجر فيقول: أنا ما عندي شيء أعطني دراهم أشتري سيارة أو أبني بيتاً أو أتزوج، مائة الدينار بمائة وعشرين، هذا يسمونه استغلالاً، والحقيقة أنه لا فرق، الكل استفاد، لكن في الصورة الأولى استفاد معطي الربا فائدة مالية، وهذا استفاد فائدة عينية أو فائدة تمتعية فالكل مستفيد. التفريق بين هذا الاستثمار والاستغلال لا وجه له، وعلى هذا فيحرم الربا سواء كان استثماراً أو استغلالاً.
قال في الحديث الثاني: وعن عبادة بن الصامت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الذهب بالذهب» الباء هنا للبدل، يعني: إذا بيع الذهب أو أبدل الذهب والفضة بالفضة كذلك والشعير بالشعير والبر بالبر والتمر بالتمر والملح بالملح، هذه ستة أشياء هذه يقول إذا بيع كل صنف بمثله مثلاً بمثل كمية سواء بسواء كمية وعلى هذا فتكون الثانية توكيداً للأولى، وإنما أكدها النبي صلى الله عليه وسلم لاقتضاء الحال ذلك؛ لأن الناس قد يتهاونون في التفاضل، فأكده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«سواء بسواء يداً بيد» يعني: مقابضة تعطيه وتأخذ في الأول مثلاً بمثل سواء بسواء تحريم التفاضل يداً بيد تحريم التأخير وهو ربا النسيئة.
يقول: «فإذا اختلف هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» ، فإذا بعت ذهباً بفضة فبع كيف شئت، مثلاً بمثل أو زائداً بناقص، لكن بشرط أن يكون يداً بيد، وإذا بعت برا بشعير فبع كيف شئت زائداً بناقص لا مانع، لكن يداً بيد، تمراً بشعير، كذلك بع زائداً بناقص لكن يداً بيد، وكذلك الملح بعت ملحاً ببر لا بأس بالزيادة، ولكن يداً بيد، بعت ذهباً ببر كذلك لا بأس بالزيادة والنقص لكن يداً بيد، هذا مقتضى الحديث.
نحن الآن بين أيدينا حديث إذا اختلف هذه الأصناف فلا بأس لكن يداً بيد، ولكن إذاً بيع الذهب بالفضة فقد دل حديث أبي سعيد أنه لا يباع منها غائب بناجز، ولكن إذا بيع ذهب بتمر أو بشعير أو ببر أو بملح أو فضة بذلك، فظاهر حديث عبادة أنه لا بد من القبض لقوله:«إذا كان يداً بيد» ، لكن قد دلت السنة في موضع آخر أنه إذا كان أحد العوضين من الذهب أو الفضة فإنه لا يشترط التقابض ولا يشترط أيضاً التساوي بالطبع، وذلك فيما صح به الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف في