الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذا قال قائل: هلى يلحق بالنخل ما عداه كالعنب والتين والبرتغال؟ نعم يلحق به، فما سواه في العلة مثله؛ لأن القاعدة الشرعية أن الشرع لا يتناقض {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا} [النساء: 82]. أما ما كان من عند الله فليس فيه خلل فالشريعة لا تفرق بين متماثلين ولا تساوي بين متفرقين، وإذا توهمت شيئا خلاف هذه القاعدة فاتهم نفسك ولا تعتد برأيك فإن الرأي خوان؛ لأن النصوص محكمة من عند الله محفوظة بحفظ الله، ووهمك قاصر معرض الخطـ فاتهم الرأي في مقابل الشرع ولا تعتد بنفسك.
وعلى هذا فتقول ما ساوى النخل في العلة فهو مثله، فإذا كان الثمر لم يتفتح زهره فإنه يتبع الشجرة ويكون للمشتري، وإذا تبع وتعلقت به النفوس وتفتحت أزهاره فإنه يكون للبائع، ويرجع في هذه الأمور التي ليست فيها تأبير إلى ما قاله أهل الصنف فيها.
* * * *
5 - أبواب السلم، والقرض، والرهن
كيف قال: "أبواب السلم" والسلم ليس له إلا باب واحد؟
نقول: جمع ذلك باعتبار أنه متضمن لثلاثة أبواب من أبواب العلم، وهي السلم والقرض والرهن، فلنبدأ أولا بالسلم وما هو؟
السلم في اللغة: يظهر لي أنه اسم مصدر تسليما، يقال: سلك تسليما وسلما، ويحتمل أن يكون فعل بمعنى: مفعول؛ أي: مسلم، ويقال في لغة أخرى: السلف، وهو لغة العراقيين، وهو مأخوذ من أسلف أي: قدم، وكلاهما بمعنى التقديم، فهو تقديم العوض وتأخير المعوض، هذا السلم في اللغة، أن تقدم العوض وتؤخر المعوض كيف ذلك؟ أردت أن تشتري مائة صاع بر فجئت إلى فلاح وقلت: بعني مائة صاع بر فقال: ما عندي بر الآن، انتظر حتى يأتي وقت الحصاد، فقال: أعطني دراهم أن محتاج الآن، فأعطيته دراهم وكتبت ما بيني وبينه يسمى هذا سلم وهو الذي قدم فيه الثمن أو العوض وأخر المعوض الذي هو المثمن، وقال الفقهاء: إنه عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد، هذا تعريف طويل، عقد على موصوف في الذمة" أولا:"على موصوف" أنه لا يصح على معين؛ يعني: لا يمكن الإسلاف في شيء معين مثل أن أسلم إليك دراهم في سيارة كالمعلومة هذه لا يصح، وقولهم:"على موصوف في الذمة" أي: لا يصح أيضا على موصوف معين؛ لأن الموصوف قد يكون في
الذمة وقد يكون معينا، الموصوف المعين مثل: أن أقول بعت عليك سيارتي التي في جراجي صفتها كذا وكذا موديلها (85)
…
إلخ، وأذكر نوعها، هذا نسميه موصوف معين؛ لأني ما أشرت إليه لكن عينته بالوصف، وهو يعرف أنه بالجراج، على موصوف في الذمة مثل: أن أقول على سيارتي صفتها كذا وكذا غير معين، والفرق بينهما ليس هذا محل بسطه لكن الكلام على "وصوف في الذمة" ليخرج به شيئان هما: المعين المشار إليه، والمعين الموصوف، "مؤجل" لابد أن يكون هناك تأجيل كما سيأتي في الحديث، "ثمن مقبوض في مجلس العقد"؛ لأنه لا يتحقق الإسلاف إلا بالتقديم، ولأن هذا هو الحكمة من جواز كما سيأتي إن شاء الله.
أما القرض فهو تمليك مال لمن ينتفع به ويرد بدله مأخوذ من القرض بمعني: القطع، لأن المقرض يقطع شيئا من ماله لينتفع به المقترض، ويرد بدله يسمى عند الناس -القرض-: السلف فهذا هو القرض، وسيأتي -إن شاء الله- أن الحامل على القرض ابتغاء وجه الله، ولهذا لا يجوز فيه الربا. وأما الرهن فهو توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها، أو استيفاء بعضه منها أو من بعضه، هذا طويل مأخوذ من الرهن بمعنى: الحبس، قال تعالى:{كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38]. أي: حبيسة، نقول الرهن هو: توثقة دين بعين، والرهن عين يمكن استيفاؤه أي: الدين أو بعضه إذا كان أكثر من قيمة العين، منها إذا كان تغطي الدين، أو من بعضها إذا كانت أكثر من الدين.
القرض قلنا: "إنه تمليك مال .... إلخ"، فقولنا:"تمليك مال" خرج به الإجارة والعرية ودخل فيه البيع، لأن فيه تمليك، ودخل فيه الهبة؛ لأن فيها تمليك، لكن سيخرج البيع والربا قولنا:"لمن ينتفع به ويرد بدله" البيع ليس الأمر فيه كذلك؛ لأن البيع تمليك بعوض يأخذ وينتهي، أما هذا فلابد أن أرد بدله، خرج به العرية فإنها ليست تمليكا، ولابد أن أردها بعينها.
حكم هذه الأشياء الثلاثة كغيرها من المعاملات وهو الحل؛ لأن الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على المنع، ولذلك أي شخص يقول: هذه المعاملة حرام، تقول له: هات الدليل إن جاء بدليل وصار دالاً على ما قال وجب علينا قبوله والعمل به، بأن ننتهي عن المعاملة، وإن لم يأت بذلك فالأصل الحل؛ لأن الله عز وجل، أراد أن يوسع على العباد، ولهذا أنا أسال المعاملة بطمأنينة، ولو كان الأصل التحريم في المعاملة لكان في ذلك تضييق على الخلق، كيف ذلك؟ لأن الواجب على كل إنسان قبل أن يقوم بأي معاملة أن يعلم حكم الشرع فيها من حيث الحل أو الحرمة وهذا يصعب على الناس، لاسيما العامة في أسواقهم وتجاراتهم فالأصل أن أتعامل بما شئت حتى يقوم دليل على المنع.
إذن نقول: السلم والقرض والرهن الأصل فيها الحل، قال بعض الناس: إن السلم على
خلاف القياس؛ لأن السلم بيع معدوم، والقياس أن بيع المعدوم لا يجوز وغير صحيح، فهو ليس بشيء حتى يعقد عليه فإذا جاءت السنة بجواز السلم فهذا على خلاف القياس فأولا: يجب أن ننظر في هذا القول هل هو سليم أو كسير؟ هذا كسير كسراً لا ينجبر لماذا؟ لأن السنة أصل بنفسها فلا يمكن أن يأتي دليل من الكتاب والسنة ثم نقول: أنه على خلاف القياس أو على خلاف الأصل، من الذي يؤصل الأصول؟
الله ورسوله، فإذا جاءت السنة بدليل يدل على أن هذا جائز أو هذا حرام، لا يسوغ لنا أن نقول: هذا على خلاف الأصل، بل نقول: هذا على وفق الأصل؛ لأن الكتاب والسنة هما الأصل، فهذا القول باطل من أصله ولا يمكن أن يقال عن شيء ثابت بالكتاب والسنة إنه على خلاف الأصل، العجيب أن بعض الناس قال: إن النكاح على خلاف الأصل، معناه أن كل زيجاتنا على خلاف الأصل، لماذا؟ قال: لأنه عقد على منفعة مجهولة لا تدري متى تموت المرأة أو متى تموت أنت، وأنت عاقد عليها إلى الموت وأنت لا تدري متى تموت وهي كذلك، إذن هذا على خلاف الأصل وخلاف القياس، أقول: هذه الكلمة باطلة من أصلها بماذا نبطلها؟ بأن نقول: ما ثبت بالدليل الشرعي فهو أصل بنفسه، الكتاب والسنة هما أصل الأصول.
نرجع هل صحيح أن هذا على خلاف الأصل الذي أصلوه؟ الجواب: لا، ليس بصحيح، لأن السلم عقد على موصوف في الذمة، والممنوع شرعا أن يعقد على معين غير موجود، لو عقد على معين غير موجود صح، وكيف يكون بعينه وهو غير موجود مثل أن يقول: أسلمت إليك فيما تحمل به هذا الشاة، هذا لا يصح؛ لأنه معين، أو على قول كثير من العلماء: أسلمت إليك فيما يحمل بستانك هذا لا يجوز؛ لأنه معين ويستقضي أن يكون بيع معدوم، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحها، فنهيه عن بيع قبل أن تخلق من باب أولى.
على كل حال نقول: هذا عقد على موصوف بالذمة متعلق بذمة العاقد وليس له دخل بالمعقود عليه، المعقود عليه غير معتبر، المعتبر ذمة العاقد، ولهذا لو أن النخيل أو نخلي أنا أيها المسلم إليه لم يثمر يبقى المبيع في ذمتي فهو على وفاق الأصل؛ لأنه لم يخالف الأصول وفيه مصلحة عامة للمسلمين، فكان موافقا للأصل، وهذه النقطة ينبغي لطالب العلم أن يدركها، وهو يرى في كلام بعض أهل العلم يمر به أشياء يقول فيها: هذا على خلاف الأصول، فنقول: هذا قول باطل ليس في القرآن والسنة ما هو على خلاف الأصل، ثم نقول: إن السلم على وفاق الأصل لما فيه من المصالح العظيمة: مصلحة المسلم والمسلم إليه والمعقود عليه غير معين، فلا ينطبق عليه أن بيع معدوم.
أما الرهن فهو توثقة دين بعين الموثق بالدين هو المطلوب ويسمى راهناً، والموثق له هو الطالب ويسمى مرتهنا، وقول المؤلف:"توثقة دين" يعني: أنه لا يصح الرهن لتوثقة عين، مثل أن يأتيني رجل فيقول: أعرني كتابك، فأقول: لا أعيرك إلا برهن، فيقول: هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ليس توثقة دين، والصحيح أنه يجوز توثقة الدين، والعين، والمنفعة، كما لو استأجرت أجيراً وطلبت منه الرهن؛ لأن المقصود هو التوثيق في أي حق من الحقوق سواء كان دينا أو عينا أو منفعة، وقوله:"توثقة دين بعين" ظاهرة أيضا أنه لا يصح أن أوثق دينا بدين، كيف ذلك؟ يأتي رجلا يقول أقرضني ألف ريال، فأقول: لا بأس، لكن تطلب من فلان ألف ريال يكون رهنا للدين عند فلان، وتخبره بذلك، فيقول: نعم، أنا قصدي لما قلت: الدين لذمة فلان توثة لأن فلانا عندي أوثق من هذا الرجل هذا ممكن أن يقول بعض العلماء: لا يجوز، ولكن الصحيح أنه جائز؛ لأن هذا عقد ضمان ليس عقد معارضة، حتى نقول: لابد فيه من القدرة على التسليم، يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها، صحيح لأنه لو لم يمكن استيفاؤه ما صح الرهن لو جاء إلى رجل وقال: أقرضني مائة ريال فقلت: أرهني كلبك، الرهن هنا لا يصح لماذا؟ لأنه لا يمكن استيفاء الكلب منه إذ إن الكلب لا يصح بيعه فلا فائدة.
819 -
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» . متفق عليه.
- وللبخاري: "من أسلف في شيء".
قوله: "قدم المدينة" يعني: في الهجرة في السنة الثالثة عشرة من بعد البعثة، وكلكم تعرفون أسباب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف هاجر، وقدم في ربيع الأول، "وهم يسلفون" الجملة هذه جملة حالية، يعني: والحال أن أهل المدينة، "يسلفون في الثمار" أي: يقدمون فيها، المقدم: المشتري والمقدم إليه: البائع، ولهذا يقال: أسلف الثمر يعني: قدم الثمن في الثمر الذي اشتراه، فيأتي الفلاح إلى الرجل ويقول: أسلفني دراهم بثمر، فيسلفه دراهم بثمر، ينتفع الطرفان، الفلاح ينتفع بالدراهم يقضي بها حوائجه، والتاجر ينتفع بزيادة المبيع؛ لأننا إذا قدرنا أن الثمر يباع بدرهم فسوف يأخذ الصاع في السلم بثلاثة أرباع درهم، أو أربعة أخماس درهم، وليس من المعلوم عادة أن يسلم إلى شهر بالثمن الحاضر؛ لأن الناس يريدون التجارة والربح من وراء المعاملات، يعني: مثلا لا يمكن أن يسلم مائة درهم بمائة صاع، والصاع يساوي درهما وقت
الإسلاف لماذا؟ لأنه ليس له مصلحة ولا فائدة، إنما يمكن أن يسلم خمسة وتسعين درهماً بمائة صاع، والصاع يساوي درهما فيربح خمسة وعشرين في المائة المهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرهم، فقال صلى الله عليه وسلم:«من أسلف في ثمر» ، وفي لفظ:"في ثمر"، وفي لفظ للبخاري:«في شيء» فيكون أعم، «فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» ، «من أسلف» ، يعني: قدم الثمن، «في شيء» هذا هو المثمن مؤخر لقوله:"إلى أجل"، "فليسلف" اللام هذه للأمر وهي جواب الشرط جواب "من" واقترنت هذه الجملة بالفاء؛ لأنها طلبية، وقد نظم في هذا البيت:[الكامل]
(اسمية طلبية وبجامد
…
وبما قد وبلن وبالتنفيس]
وقوله: "فليسلف" اللام هذه للأمر؛ يعني: فليقدم، "في كيل معلوم ووزن معلوم" فحصر المسلف فيه إما مكيلا وإما موزونا، الثما واضحة أنها مكيلة، فهي لا تكون موزونة، فما الجواب عن هذا، هل نقول: هذا يدل على أنه يجوز الإسلاف في المكيل وزنا أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يعمم فيذكر ما يحتاج الناس إليه من الكيل وما قد يصدر من الشيء الموزون؟ هذا محل خلاف، والحديث محتمل، والخلاف موجود بين العلماء، قال:"إلى أجل معلوم" الأجل: المدة المتأخرى، "معلوم" يعني: غير مجهول، وقوله:"إلى أجل معلوم" هل الشرط هنا منصب على قوله: "معلوم"، أو على الأمرين جميعا إلى أجل ومعلوم؟ فيه خلاف، فمنهم من قال: إن الشرط منصب على الموصوف والصفة، الموصوف الذي هو "الأجل" والصفة التي هي "معلوم" فعلى القول الأول يجوز السلم حالاً، وعلى القول الثاني لا يجوز.
فهذا الحديث فيه توسعة على المسلمين في معاملاتهم؛ لأن هذا السلم نوع من المعاملات التي فيها سعة للبائع والمشتري، فيكون هذا فرداً من أفراد لا تحصى دالة على أن هذه الشريعة سمحة موسعة ولله الحمد.
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: جواز السلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم عليه لكن أدخل عليه لكن أدخل عليه شروطا، إنما هذا مأخوذ من جواز السلم في الأصل، وهو أمر مجمع عليه -فيم أعلم- وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى:{يأيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282]. قال ابن عباس رضي الله عنه: إن السلم حلال في كتاب الله ثم تلا هذه الآية، وعلى هذا فيكون السلم ثابتا بالكتاب والسنة.
وهل السلم على وفق بالقياس، أو على خلاف القياس؟ ذكرنا أن هذه العبارة التي كانت
من بعض العلماء فيها نظر من وجهين، الوجه الأول: أن كل حكم ثبت بنص فهو على مقتضى القياس؛ لأن النص أصل برأسه وقياس برأسه، فلا حاجة إلى أن نقول: إن هذا على خلاف القياس أو على وفقه، الثاني: أن كل شيء قالوا: إنه على خلاف القياس فإنه عند التأمل تراه موافقا للقياس، فالعبارة فيها نظر من وجهين، فنحن نقول: السلم على وفق القياس للوجهين المذكورين، أولاً: أنه قد ثبت به النص، وثانيا: أن فيه منفعة للخلق، فالبائع ينتفع والمشتري ينتفع، وتوهم بعض العلماء، فقال: إن هذا من باب بيع المجهول، وبيع المجهول الأصل فيه المنع، فيكون هذا على خلاف القياس في منع بيع المجهول، نقول: هذا غلط ووهم، لأن السلم ليس بيع شيء معين، إنما هو بيع موصوف في الذمة، فهو كعقد الإجازة أعقد على شيء هو عمل ما فعلته لم أره ولم أستوفه، لكن العمل موصوف في ذمة العامل فهذا مثله فليس فيه شيء على خلاف القياس.
ومن فوائد الحديث: بيان توسعة الشريعة الإسلامية في المعاملات، وأن الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على المنع.
ومن فوائد الحديث: اغتفار الجهل اليسير الذي ينغمر في المصلحة؛ لأن الواقع أن السلم فيه من الجهالة ما هي؟ أنه قد لا يوجد المسلم فيه عند حلول الأجل، فيبقى فيه شيء من الجهالة، ثم إنه ليس الموصوف كالشاهد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ليس الخبر كالمعاينة» فلا يسلم من جهل، لكنه مغتفر بجانب المصلحة.
يتفرع من هذه الفائدة: أن الجهالة اليسيرة المنغمرة في جانب المصلحة لا تضر، وينبني على ذلك جواز بيع البصل والفجل ونحوهما قبل قلعه، هذا البصل يغرس في الأرض والمقصود منه مستتر، لكن لما كانت الجهالة فيه يسيرة منغمرة في جانب المصلحة اغتفرها الشارع، ولم يلتفت إليها، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أن يجوز بيع البصل ونحوه مما المقصود منه مستتر في الأرض؛ لأن الجهالة فيه يسيرة مغتفرة في جانب المصلحة.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب علم المسلم فيه بالكيل لقوله: "في كل معلوم"، أو الوزن لقوله:"ووزن معلوم".
ولكن هل يجب أن يسلم في المكيل كيلا وفي الموزون وزنا، أو يجوز أن يسلم في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا؟ فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه يجوز أن يسلم في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا فنقول مثلا: هذه مائة درهم بمائة كيلو من البر هذا وزن، أو هذه مائة
درهم بمائة صاع من البر هذا كيل، وهذا القول هو الصحيح أنه يجوز الإسلاف في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا بخلاف بيع المكيل بالمكيل فلابد أن يكون بالمعيار الشرعي، إذا بعنا برا ببر لابد أن نقدر بالكيل؛ وذلك لأنه يشترط التساوي، أما في باب السلم فليس هناك عوض مع عوض آخر يجب أن يساوية.
ومن فوائد الحديث: أنه لو أجله إلى أجل مجهول بطل السلم أو لم يصح السلم لقوله: "إلى أجل معلوم"، فلو قال: أسلمت إليك مائة درهم مائة صاع من البر إلى قدوم زيد، فهذا لا يجوز؛ لأن قدوم زيد غير معلوم، فإن قال: إلى رمضان صح؛ لأنه معلوم، وإن قال: إلى الحصاد أو الجزاز ففيه خلاف، منهم من أجاز ذلك، ومنهم من منعه، والصحيح: الجواز، وقد مر علينا غير بعيد ما يدل على جواز ذلك وهو أن الرسول أجاز أخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة وهي ليست معلومة ليست معلومة ليوم معين، ولكن لزمن، إذا لصحيح أنه يجوز إلى الحصاد والجزاز.
ومن فوائد الحديث: أنه لابد أن يكون السلم مؤجلا لقوله: "إلى أجل معلوم"، ولكن الأجل إلى متى، طويل أو قصير؛ يعني: هل يكتفي إلى أجل مثل أن أقول: أسلمت لك مائة درهم بمائة صاع بر لمدة ستين دقيقة؟
العلماء رحمهم الله قالوا: لابد من أجل له وقع في الثمن، يعني: أن الثمن ينقص به، أما ما لا يتأثر فهذا في أول زمن الشتاء، وأسلمت إليه بثياب شتاء، المدة الوجيزة لها وقع في الثمن؛ لأن الناس يقبلون على طلب هذه الثياب، وبناء على ذلك ينظر إلى المدة التي يقول أهل الخبرة: إن لها تأثيرا ووقعا في الثمن، وقيل: إنه يصح السلم في الحال، وجعلوا الشرط منصبا على الصفة دون الموصوف، ما هى الصفة؟ "معلوم" يعني: أنك إذا أسلمت إلى أجل فليكن الأجل معلوما، وإن سلمت في حاضر فلا بأس، وبناء على ذلك فيجوز أن أسلم إليك مائة درهم بمائة صاع من البر ولا نذكر الأجل وتأتي بها في آخر النهار؛ ولكن الذين يقولون بعدم الجواز يقولون: إن هذا يكون بيعا لا سلما فيحملونه على الوجه الذي يصح وهو البيع، ولكن الذي يظهر أن الغالب أن مقتضى الحال في السلم أن يكون إلى أجل من أجل أن ينتفع البائع والمبتاع.
ومن فوائد الحديث: جواز استصناع الصنعة؛ يعني: تأتي إلى نجار وتقول: أسلم مائة درهم بباب تصنعه لي وتذكر صفته؛ لأنه إذا جاز في الأعيان جاز في الصنائع، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال بالجواز، ومنهم من قال بالمنع، والصحيح الجواز، وهو الذي عليه عمل الناس، يأتي الإنسان إلى النجار يقول: أصلح لي الباب، يأتي إلى الحداد
يقول: أصلح لي شبكات، يأتي إلى الحذاء يقول: أصلح لي حذاء، فالصواب أنه يجوز استصناع الصنعة سواء أتيت أنت بالمادة أم لم تأت بالمادة مثل أن تأتي بالخرقة للخياط وتقول: اصنع لي هذا الثواب على الوجه الفلاني وتعين، أو هو بنفسه تكون الخرفة منه وتستصنع منه الثوب كاملا.
يستفاد من هذا الحديث: اشتراط العلم بوصف المسلم فيه يعني: أنه لا يجوز أن تقول: أسلمت إليك مائة صاع من البر حتى تصف هذا البر، يؤخذ من قوله:"في كيل معلوم"، لأن هذا يشمل علم القدر وعلم الصفة، فإن أبيت إلا أنه يختص بعلم القدر، فإننا نقول: علم الصفة مقيس على علم القدر، فإذا كان الشارع اشترط أن يكون القدر معلوما فكذلك الصفة يجب أن تكون معلومة، إذا وصفته بأنه طيب أسلمت إليك من الدرهم بمائة صاع بر طيب صحيح، إذا وصفته بأنه أطيب شيء، ففيه خلاف، بعض العلماء يقول: لا يصح؛ لأن أطيب شيء لا يمكن الإحاطة به، إذ ما من شيء إلا وفوقه أطيب منه، فإذا قلت: أطيب شيء وفشى في البلد أن هذا أطيب شيء، ولكنه ليس بأطيب شيء في الدنيا، ذهب إلى بريدة وأحضر الطيب يقال: إن الرياض أطيب فذهب إلى الرياض، فأقول له: في جدة أطيب منه، في بشارور أطيب منه وهكذا فلذلك قال العلماء: لا يجوز أن تقول: أطيب؛ لأن أطيب اسم تفضيل يقتضي أن يكون ليس فوقه شيء، وقال بعض العلماء: بل يجوز أطيب، ويحمل على ما جرى به العرف، يعني: أطبب ما يوجد في السوق أو في البلد، أما أطيب ما يوجد في الدنيا فهذه لا تخطر على بال أحد، وهذا هو الذي عليه العمل، حتى عمل الناس الآن في مكانتهم يقولون: أطيب ما يكون، ويرون كلهم أن قوله: أطيب ما يكون أي: في هذا البلد أو في السوق.
ومن فوائد الحديث: حكمة الشريعة في منع المعاوضة بالمجهول؛ وذلك لأن المعاوضة بالمجهول تؤدي في النهاية إلى النزاع المقضي إلى العداوة والبغضاء، والشريعة الإسلامية تحارب كل شيء يوجب العداوة والبغضاء بين أبنائها؛ لأنه إذا كان لم يكن تواد وائتلاف تفرقت الأمة وتمزقت.
ومن فوائد الحديث: في رواية البخاري: جواز الإسلاف في كل شيء، ومن ذلك أن يسلم في السيارات، في الحيوانات، من بهيمة الأنعام وغيرها لعموم قوله:"من أسلف في شيء"، فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم" فيحمل العموم في قوله: "في شيء" أي في شيء مما يكال أو يوزن، فما الجواب؟ الجواب: على هذا أن تقول: إن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء يعني: إذا جاء النص عاما ثم فرع على بعض أفراده، فهل يحمل على هذا الفرع الذي فرع عليه، ويجعل ذكر الفرد كالمثال، يعني: إذا جاء
النص عاما ثم ذكر بعد هذا العموم ذكر يختص ببعض الأفراد فهل يحمل العموم على الاختصاص، أو لأنه ذكر ما يدل عليه، أو يحمل على العموم ويكون ذكر بعض الأفراد على سبيل التمثيل يحضرني الآن ثلاثة أمثلة: هذا واحد "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، فإذا نظرنا في "شيء" وجدنا أنها تعم المكيل والموزون والمعدود والمذروع، وإذا نظرنا إلى "فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم"، قلنا: إنها تختص، إنه عام أريد به الخاص فيختص بما يكال وما يوزن.
المثال الثاني: حديث جابر "قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الشفعة في كل ما لم يقسم" هذا عام يشمل حتى الثياب والسيارات وأي شيء، "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، هذا الحكم يختص ببعض أفراد العموم وهي العقارات، فهل نقول إن الشفعة خاصة بالعقارات، أو نقول: إنها عامة وذكر ما يختص بالعقار على سبيل التمثيل؟ في هذا خلاف، فمن العلماء من يقول: إن الشفعة في كل شيء حتى لو كان بينك وبين صاحبك سيارة أو ثياب وباع فلك الشفعة، ومنهم من خصها بالعقار، ومنهم من ضيقها بالعقار الذي تجب قسمته.
مثال ثالث: قال الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228]. فإذا نظرنا إلى العموم في قوله: {والمطلقات} رأينا أنه يشمل البائن والرجعية، وإذا نظرنا إلى قوله:{وبعولتهن أحق بردهن} قلنا: إن المطلقات عام وأريد به الخاص وهن الرجعيات، ولهذا اختلف العلماء هل المطلقة التي ليست برجعية هل تعتد بثلاثة قروء تستبرئ بحيضه؟ على قولين لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إنها تستبرئ بحيضة، ومنهم من قال: إنه لابد أن تعتد بثلاث حيضات، والذي يظهر لي أن الأخذ بالعمود هو الأولى إلا أن يكون هناك قرينة قوية تدل على أنها للخصوص، وبناء على ذلك نقول: إن المطلقات يتربصن ثلاثة قروء وإن كان بائنات، ونقول: الشفعة في كل العقار وغيره، ونقول: السلم في المكيل والموزون وغيره.
في مسألة الطلاق قد يورد علينا مورد بأن الخلع لا يجب فيه عدة، وإنما يجب فيه استبراء فما الجواب؟ الجواب: أن الخلع له أحكام خاصة؛ ولهذا لا يحسب من الطلاق، فلو خالع الإنسان زوجته عشر مرات لحلت له بدون زوج، ولو طلقها ثلاث مرات لا تحل إلا بعد زوج، فالخلع له أحكام خاصة، ومنها أن المرأة المعتدة تعتد بحيضة واحدة بل تستبرئ بحيضة واحدة، إذن القول الراجح في باب السلم أنه يصح في كل شيء، لكن لابد أن يكون معلوم الصفة ومعلوم المقدار وبأجل معلوم.
فإذا قال قائل: هل يصح الإسلام في السيارات؟ يصح بشرط أن توصف دقيقا، فإذا قال هل يصح أن يسلم في 90؟ الاختلاف في الغالب يسير، وقد قال الإمام أحمد رحمه أحمد: "كل سلم يختلف؛ لأن ضبط السلم مائة في المائة صعب، حتى لو قلت: أسلمت إليك في تمر طيب أو بر طيب لابد من تفاوت، ونحن نعلم أن هذه الموديلات لا تختلف اختلافا كثيرا تجده مثلا يكون الراديو مختلف عن الأول هذا مدور وهذا مربع والمفاتيح تخلتف، أو ما أشبه ذلك، والأصل أنها سواء، في الواقع هذا لا يعتبر شيئا، لكن هم يريدون أن يمشوا صنعتهم أحيانا يختلف في التلوين والخطوط، على كل حال السلم لابد أن يتفاوت، فإن أسلم ولم يظهر تفاوت بين، فالسلم صحيحو إذا أسلم في الحيوان يجوز، ويدل لمسألة الحيوان حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يأخذ البعير بالبعيرين، ولابد أن تذكر أوصافها فيدل ذلك على جواز الإسلام في الحيوان.
820 -
وعن عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قالا:"كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب - وفي رواية: والزيت - إلى أجل مسمى. قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك". رواه البخاري.
"المغانم" جمع مغنم، وهو في الأصل: ما اكتسبه الإنسان بدون معاوضة يسمى: مغنما، وفي الشرع: ما أخذ من مال الكفار بقتال وما ألحق به فهو غنيمة، وأما أخذ منهم عن طريق السرقة والانتهاب فليس بغنيمة، إذن ما أخذ من مال الكفار بقتال وما ألحق القتال واضح، والملحق بالقتال، قال العلماء مثل: أن يتلصص جماعة على بلاد الكفار ويغتمون، فإن هذا ملحق بالقتال فيكون غنيمة، والمغانم كانت حراما على من كان قبلنا وأحلها الله لهذه الأمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء
…
وذكر منها: أحلت لي الغنائم ولا تحل لأحد كان قبلي، وقد ذكروا أنها فيما سبق تجمع الغنائم ثم ينزل الله عليها ناراً من السماء فتأكلها، ولكن الله تعالى أحلها لهذا الأمة ليستعينوا بها على مصالح دينهم ودنياهم.
قال: "وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام"، الأنباط جمع نبطي، والنبطي هو العربي المتعجم أو المعجمي المعرب، هذا هو النبطي، وسموا بذلك لأنهم كانوا يستنبطون الماء أي: يستخرجونه لعلمهم بكونهم أهل زرع فيعرفون مواقع الماء فسموا أنباطا.
قال: "كنا نسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب والزيت"، أربعة أشياء: الحنطة والشعير والزبيب، الحنطة هي البر، والشعير معروف، والزبيب: العنب، والزيت زيت الزيتون، وهو معروف في الشام بكثرة.
قال: "وإلى أجل مسمى" يعني: معين محدد، "فقيل لهما: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك" يعني: أكان لهم زرع حتى تسلفون عليهم في زروعهم فقالا: ما كنا نسألهم عن ذلك.
فيستفاد من هذا الحديث: حل المغانم بهذه الجملة لقوله: "كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يذكر في هذا الحديث كيف تقسم، وقسمتها معروفة تقسم أولا خمسة أسهم فتوزع أربعة أخماس على المقاتلين، والخمس الآخر يوزع على خمسة أسهم: سهم لله ورسوله، وسهم لذوي القربى، وسهم لأبناء السبيل قال تعالى:{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [الأنفال: 41] هذا واحد، {ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41]. فأما سهم الله ورسوله فيجعل في بيت المال لمصالح المسلمين، وأما سهم ذوي القربى فقد اختلف العلماء في المراد به، فقيل: المراد بذوي القربى؛ قرابة ولي الأمر، وقيل المراد بذوي القربى: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الأقرب؛ لأن لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم حقا لا يشركهم فيه أحد زائدا على حق الإسلام، ولأن ذلك أبعد عن التهمة والأثرة التي يستأثر بها ولي الأمر إذا قلنا: المراد قرابته ربما يستأثر بهذا ويكون ذلك فتح باب عليه، أما اليتامى فهم الصغار الذين ماتت آباؤهم، والمساكين الفقراء وابن السبيل المسافرون هذه خمس، يجعل خمسة أسهم سهم لله ورسوله وهذا يصرف الفيء في عموم مصالح المسلمين وأربعة أخماس لمن عينت لهم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الإسلام مع الشخص الذي ليس من أهل البلد، ولا يعد ذلك تفريطاً في المال، لقوله:"كان يأتينا أنباط من أنباط الشام".
ومن فوائده: جواز الإسلاف في هذه الأشياء الأربعة: الحنطة، والشعير، والزبيب، والزيت.
ومن فوائد الحديث: أنه لابد من تعيين الأجل لقوله: "كنا نفعل إلى أجل مسمى"، لكن هل يفيد الوجوب؟ الواقع أنه لا يفيد الوجوب، ولذلك تحرروا لا تستنبطوا أحكاما لا تدل عليها النصوص فتقعوا في حرج، إنما يدل على أن هذا هو المعروف في عهد الصحابة رضي الله عنهم أنهم يعينون الأجل، وحديث ابن عباس السابق يدل على الوجوب.
ومن فوائد الحديث: جواز الإسلاف في الثمر قبل حصوله؛ لقوله: "أكان لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك".
وعلى هذا فنقول: يجوز الإسلاف في الثمر قبل حصوله، فمثلا تسلم الآن في ثمر عام (1411) بعد سنة لا يضر لا بأس به.
هل نقول: إن هذا الحديث يدل على جواز الإسلام في الحقل المعين لقولهم: "أكان لهم زرع؟ " هذا لا يدل على الجواز، ولا على المنع، لكن قال أهل العلم: إنه لا يصح الإسلام في حقل معين، فتقول: أسلمت إليك عشرة آلاف ريال بزرعك الذي تزرعه في العام القادم، لماذا؟ لأنه قد يزرع وقد لا يزرع، وقج يزرع فيموت فيحصل نزاع، ولكن أسلم هذه الدراهم بشيء في ذمته موصوف، ولكن من المعلوم أن الإنسان لن يسلم إلى شخص دراهم في ثمر إلا إذا كان عنده شيء مما يمكن أن يوفي به، أما إذا لم يكن عنده شيء مما يوفي به، فالغالب أنه لا يسلم إليه في شيء.
ومن فوائد الحديث: أن عدم السؤال عن الشيء يدل على عدم اشتراطه، وذلك لأنه لو كان شرطا لوجب السؤال عنه.
ويبني على هذه الفائدة فائدة أصولية مهمة وهي: أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فإذا كان احتمال الاستفصال واردا ولم يستفصل كان ذلك دليلا على العموم، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم، انه إذا ورد النص غير مفصل مع احتمال التفصيل فإن ذلك بدل على العموم غير مراد لفصل لأن الله قال:{وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم} [الأنعام: 119]. انظر الآية: {فصل لكم ما حرم} [الأنعام: 119]، وما أحل لهم يفصل هل هذا قصور؟ لا، لأن الأصل الحل في المأكولات والمشروبات والمطعومات والمباح الذي أباحه الله للعباد أكثر من الحرام الذي حرمه عليهم؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه.
821 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها؛ أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله» . رواه البخاري.
هذا الحديث وضعه المؤلف في باب السلم؛ لأن مناسبته ظاهرة، فإن المسلم إليه يأخذ أموال الناس ولا يوفيهم مثمنها إلا بعد أجل، فربما يعرر بالناس فيأخذ منهم الدراهم وهو يريد ألا يوفيهم، فكانت مناسبة الحديث للباب ظاهرة جدا، وهو أن المسلم إليه يأخذ الدراهم فإن كانت نيته طيبة يريد الأداء فإن الله يؤدي عنه، وإن كانت النية سيئة، فإن الله تعالى يتلفه.
قوله: «من أخذ أموال الناس» ، "من" هذه شرطية، وجواب الشرط:"أدى الله عنه"، و"من أخذها يريد إتلافها" أيضا شرطية وجواب الشرط:"أتلفه".
قوله: "من أخذ أموال الناس" يشمل من أخذها بقرض، ومن أخذها بعربة، ومن أخذها بوديعة، ومن أخذها ببيع، ومن أخذها برهن أو بأي سبب من الأسباب، إذا أخذها فلا يحل إما أن يكون مريدا للأداء، وأن يؤديها إلى أصحابها فهذا يؤدي الله عنه، إما في الدنيا وإما في الآخرة، ومن أخذها بالعكس يريد إتلافها وتحيل على الناس وباع عليهم شيئا ليس موجودا لأجل أن يأخذ الدراهم منهم ثم يأكلها، أو ارتهن شيئا وهو يريد أن يأكله، المهم أي عقد من العقود يصل به مال الإنسان إلى شخص فأخذه بهذا العقد وهو يريد فإن إتلافه فإن الله يتلفه، وهنا لم يذكر عليه الصلاة والسلام مكان الإتلاف ولا زمن الإتلاف، أو كان الإتلاف في الدنيا أو كان في الآخرة، المهم أن من أخذها يريد إتلافها أتلفه الله.
في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: إثبات الإرادة للعبد لقوله: "يريد أداءها"، فيكون في هذا رد على الجبرية الذين يقولون. إن الإنسان لا إرادة له ولا اختيار له، وإنما يفعل فعله بغير اختيار فهو يمشي مكرها، ويجلس مكرها وينام مكرها، ويضطجع مكرها، لا اختيار له فيما يفعل، ولا شك أن هذا قول ضلال في الدين، وسفه في العقل؛ لأنه مخالف للواقع، فكل إنسان يعرف أنه يفعل باختياره، ويفرق بين ما يقع منه على وجه الاختيار وما يقع منه على وجه الاضطرار، ولو أنك أخذت واحدا من هؤلاء الجبرية وضربته حتى يغشى عليه، ثم أفاق وقال: لم فعلت؟ فقلت: هذا ليس باختيار مني، ماذا يقول؟ لا يرضى بل يمكن أن يضربك أكثر مما ضربت، ويقول: هذا بغير اختيار مني، ماذا يقول؟ لا يرضى بل يمكن أن يضربك أكثر مما ضربت، ويقول: هذا بغير اختيار مني، وذكروا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جيء إليه بسارق فأمر بقطع يده فقال: مهلا يا أمير المؤمنين إنما فعلت ذلك بقدر الله، فقال: ونحن لا نقطعك إلا بقدر الله، فرد عليه من جنس حجته وإلا فعند أمير المؤمنين عمر حجتان شرعية وهي قوله تعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]. وقدرية وهي أن الله تعالى لما أمر بقطع يد السارق صار تنفيذه إذا نفذه العبد بإذن قدري وأيضا هو حجة على الذي قال: أنا ما سرقت إلا بقدر الله، المهم أن هذا الحديث دليل على أن العبد له إرادة.
ومن فوائد الحديث: عظم شأن النية، وأنها تكون سببا للفلاح أو الخسارة لقوله:"يريد أدائها" يريد ذاته، وأن النية لها شأن كبير وتأثير عظيم حتى في مجريات الأمور، ولهذا يقول العامة
كلمة لها روح حيث يقولون: "النية مطية"، والمطية هي الناقة تركب، يعني: إن كانت نيتك طيبة فمطيتك طيبة، وإن كانت رديئة فمطيتك رديئة.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله تعالى يؤدي عنه ولكن كيف يؤدي عنه، هل الله عز وجل يسلم دراهم لصاحب المال؟ لا، بل ييسر لهذا الآخذ الأداء، فيسهل عليه الأداء فإن لم يتيسر له في الدنيا أدى الله عنه في الآخرة.
فإن قال قائل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: أن من مات وعليه دين وهو معروف بحسن القصد وإرادة الأداء فإنه يبرأ من دينه؛ لأن الله يؤدي عنه؟
فالجواب: لا، لا يلزمنا؛ لأن أحكام الدنيا على الظاهر، والظاهر أن هذا الرجل مات وعليه دين فلابد أن يقضى عنه، أما في الآخرة فالأمر إلى الله عز وجل وهو العليم ببواطن الأمور سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الحديث: إثبات أفعال الله التي يسمونها الاختيارية وكل أفعال الله اختيارية؛ لأن الله لا مكره له، لكن العلماء يعبرون عنها بأفعال الله الاختيارية لقوله تعالى:{وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصاص: 68]. من أين يؤخذ هذا القول من هذا الحديث؟ من قوله: "أدى الله عنه"، وأفعال الله هل هي قديمة أو حادثة؟ نقول: في هذا تفضيل؛ أما من حيث الجنس وأصل الصفة فهي قديمة غير حادثة؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعالا، وأما من حيث النوع أو الواحد فهي حادثة، مثال النوع: الاستواء على العرش حادث؛ لأنه كان بعد خلق العرش، النزول إلى السماء الدنيا حادث لأنه بعد خلق السماء الدنيا، الآحاد نزول الله كل ليلة إلى السماء الدنيا هذا آحاد، كذلك كل أفعال الله التي لا تحصى وهو دائما عز وجل يخلق ويرزق ويحيى ويميت كل أفعاله هذه حادثة، الآحاد بالنسبة لتعلقها بالمخلوق المفعول. هل يوجد من ينكر قيام الأفعال الاختيارية بالله؟ الجواب: نعم، هناك من يقولون: إن الله لا يفعل فعلا حادثا، لماذا؟ قالوا: لأن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث، فلو جوزنا أن يفعل الله الأفعال الحادثة لكان لازم ذلك أن يكون الله حادثا بعد أن لم يكن، وبكن هذا قياس فاسد لمخالفته النص وقياس باطل من أصله؛ لأن هذا التلازم الذي ذكروه ليس بصحيح، أما الأمل فلأننا لو أخذنا بهذا القياس لزم أن ننكر كل فعل من أفعال الله، ومن العجائب أنهم لا ينكرون حدوث المفعول، ثم ينكرون حدوث الفعل، لا ينكرون: إن زيدا وعمرا حادث بعد أن لم يكن، ولكن تعلق الخلق به كان في الأزل معدوم وهذا في الحقيقة عندما تتأمله تراه أنه لا يصح إطلاقا، هل يمكن أن يقع فعل ولا يوجد المفعول؟ يعني: خلق زيد وعمرو متى كان؟ في الأزل الذي لا نهاية له، وكيف يخلق من الأزل البعيد، ثم لا يوجد. في المخلوق إلا في هذا الزمن؟ واضح أنه باطل جدا، فالقول أن
الفعل قديم والمفعول حادث باطل، ثم إن الفعل أيضا ليس فعلا في نفس الله بل يفسرونه بالمفعول، هذا كله باطل، فمذهب أهل السنة والجماعة الذي دل عليه السمع والعقل أن الله تعالى فاعل بإرادته يفعل ما يشاء ويختار، وأن فعله يكون حادثا لتعلقه بماذا؟
بالمفعول، لكن أصل الفعل، وأن الله لم يزل فعالا، وأنه لم يأت عليه وقت من الأوقات معطلا عن الفعل هذا قديم أزلي.
ومن فوائد الحديث: بيان كرم الله عز وجل علة من كان حسن القصد، حيث يؤدي الله عنه.
ومن فوائده: الحث على حسن القصد، حيث يؤدي الله عنه.
ومن فوائده: الحث على إحسان النية في المعاملة لذكر الثواب في الحديث؛ لأن كل إنسان يعلم بهذا الثواب وأنه إذا أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، إما في الدنيا أو في الآخرة فسوف يرغب في إحسان النية.
ومن فوائد الحديث: التحذير من سوء القصد في المعاملة، لقوله: «ومن أخذها يريد إتلافها
…
إلخ» فالمراد التحذير.
ومن فوائد الحديث: أن النية السيئة تحط بصاحبها، ولهذا قال:«أتلفه الله» .
فإن قال قائل: هل المراد بذلك إتلاف نفس الشخص، أو المراد إتلاف ماله، وعلى الثاني هل المراد إتلاف المال حقيقة أو إتلافه معنى؟ بالنسبة للأول الظاهر أنه إتلاف ماله؛ لأننا نجد أناسا كثيرين معروفين بسوء النية ويعمرون، وعلى الثاني هل المراد إتلاف المال حسا وحقيقة أو المراد إتلاف المال معنى بحيث يفقد الإنسان الانتفاع به؟ يشمل الأمرين، فكثير من الناس إذا أخذ أموال غيره بنية سيئة يسلط الله عليه ما يتلف ماله إما بتلف نفس المال الذي أخذ وإما بغير ذلك.
هل يدخل في هذا الحديث ما لو استعار عرية فجحدها بنية الجحد؟ نعم، يتلفه الله، وربما يستدل بعض الناس بهذا الحديث على أن جاحد العرية لا تقطع يده فيقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم: قال: «أتلفه الله» ، وهذا يقتضي أن تكون العقود قدرية لا شرعية، وأنتم إذا أوجبتم قطع يد المستعير الجاحد فقد جعلتم العقوبة شرعية، فالجواب: أن نقول: إن جاحد العرية فيه عند أهل العلم قولان: الأول: أنه يقطع، والقول الثاني: أنه لا يقطع، فأما على القول بأنه يقطع فنخرج هذا الحديث على أحد وجهين: إما أن نقول: إنه عام خص بجاحد العرية، وإما أن نقول: إن المراد بقوله: «أتلفه الله» أي: إتلافا كونيا أو إتلافا شرعيا وقطع يد السارق من باب الإتلاف الشرعي، وعلى هذا يتخرج هذا الحديث، أما على قول من يرى أن جاحد العرية كجاحد الوديعة لا يقطع فلا إشكال فيه بالنسبة لهذا الحديث، لكننا ذكرنا أن الصحيح أن جاحد العرية تقطع يد، مثال ذلك: رجل استعار منك ساعة قال: ساعتي اختلت فأعرني ساعتك،
فأعرته إياها، ثم جئت تطلبها منه بعد يومين أو ثلاثة، فقال: ليس لك عندي ساعة جحدها ثم ثبت ببينة أن عنده ساعة فلان وأنها هذه فما الحكم؟ الصحيح: أنها تقطع يد هذا الجاحد، والدليل على أن هذا أن امرأة من بني مخزوم، وبنو مخزوم قبيلة لها سيادتها في العرب كانت تستعير المتاع فجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فأمر قريشا شأنها، وقالوا: من يشفع فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن أقرب الناس شفاعة أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، فذهب أسامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر عليه وقال:«أتشفع في حد من حدود الله؟ » أنكر عليه ثم قام فخطب الناس، وقال:«إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» ، أقسم وهو الصادق البار بدون قسم، لمن لتطمئن نفس من كان في قلبه شيء، ولا شك أن فاطمة أشرف النساء نسبا وأنها سيدة نساء أهل الجنة، ومع ذلك أقسم لو سرقت لقطع يدها، فهذا الحديث واضح في أن جاحد العرية تقطع يده، والذين قالوا: لا تقطع قالوا: إن في الكلام حذفا، والتقدير: أن امرأة كانت تستعير المتاع فتجحده فسرقت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فلنا: لماذا التقدير، الأصل عدمه وحذف مثل هذا المقدر لا يجوز، لماذا؟ لأنه يختلف به الحكم، صحيح أن ما يكون فهمه من السياق يمكن حذفخ:{ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} [القصاص: 22 - 25]. هذه القصة فيها عدة أشياء محذوفة {تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير فجاءته إحداهما تمشى على استحياء} هذا فيه جمل محذوفة، التقدير: فذهبت المرأتان إلى أبيهما فأخبرتاه ثم أمرهما فرجعا إلى موسى، فيه تقدير أن السياق يدل عليه، لكن هذا لا يوجد فيه شيء يدل عليه، بل فيه ما يدل على عدم الحذف؛ لأن الحذف يختلف به الحكم، ونحن إذا ألغينا هذا الوصف الذي رتب عليه الحكم بالفاء "كانت تستعير المتاع فتجحده فأمر" وصف رتب عليه الحكم بالفاء، إذا ألغينا هذا الوصف وادعينا وصفا آخر فقد حرفنا النص من وجهين:
الوجه الأول: إلغاء الوصف المذكور.
الثاني: اعتبار وصف غير مذكور، وهذا لا شك أنه جناية على النصوص، لكن إخواننا كبروا علينا وقالوا: الله أكير وسبحان الله والحمد لله أليس الله يقول: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]. وهذه لم تسرق؟ قلنا: أما قوله تعالى: {والسارق والسارقة}
فبلى قد قاله الله، وأما كونها لم تسرق فكلا هي سرقت لكنها سرقت طريق خفي بدل أن تذهب وتفتح الصناديق أو الأبواب وتخاطر بنفسها فعلت حيلة، تقول: جزاك الله خيرا أعرني الدلو أنا عطشانة فرق لها ورحمها وأعطاها الدلو، ثم بعد ذلك قالت: دونك، الدلو دلوي وفي بئري، هذا محسن هي بدل أن تذهب إلى بيته وتكسر الباب وتأخذ الدلو تحيلت هذه الحيلة، فهذه جمعت بين السرقة والخيانة.
إذا قال قائل: ينقض عليكم هذا في الخيانة في الوديعة إذا أودع الإنسان شخصا دراهم ثم يحدها المودع ثم ثبتت بينة فهل تقطع يد المودع؟
لا، لا تقطع ولا ينتقض ما سبق بهذا، لماذا؟ لأن المودع أخذ المال لمصلحة مالكه، ولم يطلبه، ولأن المودع محسن إليه والمعير محسن فكيف نجازي المحسن يجحد ماله ونقيس عليه من جحد مال من أحسن إليه، هذا قياس مع الفارق الواضح.
على كل حال: نحن استطردنا كثيرا لكن لا بأس، المهم أن يعرف الطالب المناقشة بين آراء العلماء؛ لأنها تفيد الطالب وهذا هو حقيقة طلب العلم أن يكون عندك ملكة في مناقشة الآراء وبيان الراجح وكيف يرجح.
822 -
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «قلت: يا رسول الله، إن فلانا قدم له بز من الشام، فلو بعثت إليه فأخذت منه ثوبين نسيئة إلى ميسرة؟ فبعث إليه، فامتنع» . أخرجه الحاكم، والبيهقي، ورجاله ثقات.
تقول: "إن فلانا قدم له بز من الشام"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إلى ثياب، والبز نوع من أنواع الثياب، وقولها:"إن فلانا" يحتمل أنها عينته وأن الرواة طووا ذكر اسمه سترا عليه، ويحتمل أنها لم تذكره أيضا هي حينما حدثت بالحديث، أما ذكرها إياه للرسول صلى الله عليه وسلم فلابد أن تعين، تقول: إن فلانا، يعني: اسمه حتى يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقولها: "من الشام"؛ لأن الشام في ذلك الوقت كان مركزا تجاريا عظيما؛ لأنه قريب من الجزيرة العربية، فلذلك كان العرب يذهبون إلى الشام في أيام الصيف وإلى اليمن في أيام الشتاء، وعلى هذا قوله تعالى:{لإيلاف قريش إءلافهم رحلة الشتاء والصيف} [قريش: 1 - 2].
قوله: "فلو بعثت
…
ألخ"، يعني: أرسل إليه شخصا يطلب منه أن يبيع عليه ثوبين نسيئة إلى ميسرةـ يعني: إلى أن ييسر الله على المشتري، فامتنع الرجل، وهذا الرسول الذي أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم
يحتمل أنه أخبر الرجل بأن الذي أرسله هو النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنه لم يبلغه؛ لأنه لا يشترط في الوكالة أن يعين الوكيل اسم الموكل، بل يصح أن يشتري له بحسب الوكالة وإن لم يعين اسمه، وقوله:"فامتنع" يعني: امتنع من البيع إلى ميسرة؛ لأن الغالب على التجار الذي يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله أنهم يحبون أن يستلموا القيم حتى يذهبوا مرة أخرى ليشتروا سلعة أخرى، ولا يناسبهم التأجيل، خصوصا أن التأجيل هنا على أجل غير معلوم إلى ميسرة، ومتى ييسر الله عز وجل على المشتري؟ الأمر مجهول ولذلك امتنع الرجل.
في هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: بيان حال الرسول صلى الله عليه وسلم وما هو عليه من قلة ذات اليد مع أنه صلى الله عليه وسلم لو أراد الدنيا كلها بحذافيرها لحصل عليها، ولهذا خيره الله في آخر حياته بين أن يعيش في الدنيا ما شاء الله أن يعيش وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله، وهنا كما ترى في هذا الحديث ليس عنده دراهم يشتري بها ثياب.
ومنها: حسن خلقه عليه الصلاة والسلام حيث كان متواضعا لأهله، فإن إقدام عائشة على المشورة عليه يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ليس عنده كبرياء ولا عظمة خلافاً لما يوجد من بعض الأزواج الذين لا يكاد أهليهم يخاطبونهم إلا باستئذان، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أسمح الخلق وأسهلهم وأيسرهم.
ومنها: جواز الكناية عن المعين لغرض إذا كان لا يفوت مقصود الحديث لقولها: "إن فلانا".
ومنها: جواز شراء ثوبين، والثوبان قد يكونان في الغالب أكثر من الحاجة، فإذا اشترى الإنسان ثوبين لنفسه فلا بأس، وقد يقال: إن المراد بالثوبين هنا الإزار والرداء، وهما بقدر الحاجة، ولكن على كل حال الأصل أنه يجوز أن يقتني الإنسان لنفسه أكثر من ثوب ما لم يصل إلى حد الإسراف.
ومن فوائد الحديث: جواز الشراء مع عدم القدرة على الوفاء، وإن شئت فقل: جواز الاستدانة مع عدم القدرة على الوفاء في الحاضر، دليله؟ الدليل: أن الثوبين إلى أجل استدانة في الواقع ولكن هذا مشروط بأمرين، الأول: أن يكون على الإنسان حاجة تلجؤه إلى الاستدانة، والثاني: أن يرجو الوفاء، فإن لم يكن كذلك فلا ينبغي له أن يستدين؛ لأن الدين في الحقيقة أسر وذل للمستدين، ولهذا لم يرشد النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي قال: إنه ليس عنده ما يمهر به المرأة لم يرشده إلى الاستدانة، وإنما طلب منه أن يعلم المرأة شيئا من القرآن عوضا عن المهر، وكذلك أيضا في القرآن الكريم لم يرشد الله عز وجل إلى الاستدانة، بل قال:{وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله} [النور: 33]. ولم يقل: وليستدن، لكن قد تكون الحاجة إلى الثياب أشد من الحاجة إلى الزواح.
ومن فوائد الحديث: جواز التأجيل بالميسرة لقوله: "ثوبين نسيئة إلى ميسرة"، ولكن هذا قد يشكل، وهو أن الميسرة مجهولة، قد يوسر الإنسان بعد يومين أو ثلاثة أو عشرة، وقد لا يوسر
إلا بعد سنين، وقد لا يوسر أبدا، فكيف صح هذا الشرط وهو مجهول، وقد ثبت النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغدر، فالجواب على ذلك: أن هذا شرط هو مقتضى العقد فهو ثابت سواء شرط أم لم يشرط، إذا علم العاقد الآخر بحال العاقد المعسر كيف ذلك؛ لأن مقتضى العقد إذا كان العاقد فقيراً ألا يطالب حتى يوسر لقول الله تعالى:{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280].
فإذا بعت على شخص شيئا وأنت تعلم أنه معسر فمن المعلوم أنك لا تطالبه إلا بعد إيساره، فيكون هذا الشرط توكيدا لما يقتضيه العقد، بمعنى: حتى لو لم يشترط فهو مقتضى العقد، فإن العقد مع الفقير يستلزم ألا يطالبه العاقد إلا بإيساره؛ بمعنى: حتى يوسر، وعلى هذا فيكون هذا الشرط توكيدا لا تأسيا ولذلك صح، بخلاف ما لو قلت: اشتريت منك هذين الثوبين إلى أجل، إلى أن يقدم زيد، وليس لزيد وقت معلوم في قدومه، فههنا لا يصح هذا الشرط، لماذا؟ لأنه مجهول وليس مقتضى العقد، بخلاف ما إذا قلت: بعد علي مؤجلا بإيسار الله علي، فإن هذا الشرط صحيح، لأنه مقتضى العقد.
ومن فوائد الحديث: جواز الامتناع من البيع من الرجل الشريف وكبير القوم والمعظم؛ لأن هذا الرجل امتنع من البيع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمن مؤجل، ولا يعد ذلك معصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن طلب النبي صلى الله عليه وسلم البيع هنا ليس من باب التشريع بل من باب المعاملة؛ ولهذا لا يعد هذا الرجل عاصيا ولا يعد جابر بن عبد الله رضي الله عنه حين سأم النبي صلى الله عليه وسلم جمله فأبى أن يبيعه عليه لا يعد أيضا عاصيا؛ لأن مسائل المعاملات ليست من باب العبادات التي يكون المخالف فيها للرسول صلى الله عليه وسلم ولم يجب طلبه يكون عاصيا.
وفيه أيضا: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من إجراء الناس على مقتضى فطرهم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعاتب هذا الرجل، ولم يوبخه، ولم يرسل إليه مرة أخرى ويقول: أعطني الثوبين غصبا عليك، لأن هذا مقتضى الفطرة أن الإنسان حر في بيعه وشرائه، إن طاب له الثمن باع وإن لم يطب فهو حر لا يبيع.
ما وجه إدخال هذا الحديث في باب القرض والسلم والرهن، هل هو من السلم؟
لا، ليس بسلم، هل هو قرض؟ لا، هل هو رهن؟ ليس برهن، لكن فيه شائبة من السلم أو شبه من السلم وتأجيل الثمن والسلم تأجيل المثمن.
* * *