الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خيار العين:
794 -
وعن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوت فقال: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» . متفق عليه.
هذا رجل كان يخدع في البيوع خداعاً يخفى عليه دون غيره، لأن الخداع نوعان خداع عام وخداع خاص، كما سيأتي.
وقوله: "يخدع في البيوع" بماذا يخدع؟ يحتمل أنه يخدع في السلعة تظهر له جيدة وهي رديئة، أو يكون فيها عيب وهو لا يعرف العيوب، أو يخدع في القيمة فتضاعف عليه، المهم: أنه يخدع في كل ما يعد خديعة، والحديث عام.
فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخلص من هذه الخديعة بأن قال: "إذا بايعت فقل لا خلابة" أي: لا خديعة، فكان إذا باع يقول:"لا خلابة" فإذا ثبتت الخلابة فسخ العقد، وذكر أنه كان يقول: لا خدابة، أنه ألثغ، لسانه فيه شيء، المهم المعنى. أنه كان يقول إذا بايع لا خلابة، فإذا ظهر أنه مخلوب فسخ العقد.
في هذا الحديث فوائد منها: أنه يجوز تصرف الإنسان الذي يخدع في البيع، ولكن يشترط لنفسه أنه لا خلابة.
فإن قال قائل: إذا كان يخدع في البيع فهو سفيه، ومعلوم أن السفيه يحجز عليه.
فيقال: نعم، الحجر عليه هو الأصل، لكن أحياناً لا يصبر عن البيع والشراء، فهذا إذا تصرف يشترط لنفسه فيقول:"لا خلابة"، فإذا قال: لا خلابة فظهر أنه مخدوع فله الفسخ.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يثبت خيار الغبن إلا بشرط؛ لأنه لو كان يثبت بلا شرط ما احتيج أن يقال لا خلابة؛ إذ إنه إذا غبن فسخ سواء كان لا خلابة أم لم يقل، هذا هو مذهب كثير من أهل العلم أنه لا خيار في الغبن، ولكن هذا المذهب فيه نظر؛ لأن هناك قضايا تدل على خيار الغبن منها ما سبق في تلقي الجلب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للجالب إذا أتى السوق جعل له الخيار؛ لأنه قد يغبن ومنها ما سبق في المصراة فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيار للمشتري بعد أن يحلبها ثلاثة أيام، وهذا يدل على ثبوت الغبن، وممكن الجمع بين هذا الحديث وبين الحديثين السابقين الدالين على أنه يثبت الخيار في الغبن.
يمكن أن يقال: إن الغبن نوعان: غبن عام يخفي على كل أحد، فهذا فيه الخيار سواء اشترط المشتري أو ذلك أم لم يشترط، مثل التدليس، فإن التدليس لا يعلم به أحد، وكذلك
الجلب فإنه يخفى على كل الركبان، وغبن آخر يغبن به الغرير الذي لا يعرف، فهذا الذي يحتاج إلى قوله:"لا خلابة" أو يجعله بوجه آخر، ويقال: إنه يثبت خيار الغبن مطلقاً سواء كان الغبن عاما أو خاصاً، لكن قوله:"لا خلابة" من باب التأكيد وقطع النزاع، فإن الخديعة منفية شرعاً؛ لأنها خلاف النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولكن إذا نفاها عند العقد صار ذلك من باب التأكيد وقطع النزاع، أما كونها من باب التأكيد فواضح؛ لأن نفي الخلابة ثابت سواء شرط أو لم يشترط، لا يجوز لأحد أن يغبن أحداً لكونه غريراً أو لا يعرف الأسعار، بقطع النزاع؛ لأنه إذا ثبت الخديعة ثبت الخيار بدون نزاع، فلا يقول البائع إذا غر المشتري: أنت الذي أخطأت على نفسك، أنت الذي لم تحتط لنفسك؛ لأنه يقول: أنا أحطت لنفسي بقولي: لا خلابة، هذا الوجه أحسن من الوجه الذي قبله، يعني: أحسن من تقسيمنا الغبن إلى قسمين.
فنقول: إن هذا الحديث يدل اشتراط الغبن للفائدتين المذكورتين وهي التوكيد، وقطع النزاع.
ومن فوائد هذا الحديث- على هذا التقدير الذي قررنا-: ثبوت خيار الغبن لكل مغبون، فكل من غبن بتغرير في الثمن أو في المثمن فإن له الخيار.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن يكون التعامل بين المسلمين بالنصح بالبيان والصدق وعدم التغرير، وهذا هو الواجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ، ومعلوم أن من غرر أخاه وخدعه في البيع أو الشراء فإنه لم يجب لأخيه ما أحب لنفسه، لأن الذي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه حقيقة هو الذي يعامل أخاه بما يحب أن يعامل به.
هل يمكن أن يقال: إنه يقاس على البيوع ما سواها من العقود بحيث لا يجوز الخداع فيها؟
الجواب: نعم لا يجوز الخداع في جميع العقود، إما أن نأخذها بالقياس على هذا الحديث، يعني: إما أن نأخذ حكمها بالقياس على هذا الحديث، وإما أن نقول: إنها داخلة في عموم قوله تعالى: {يأيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1]. فإن من الإيفاء بالعقود أن تعامل إخوانك بالنصح، وفي قوله تعالى:{وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34]. وفي قوله تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} [هون: 85]. إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أنه يجب أن تكون معاملة الإنسان لغيره قائمة على النصح بالبيان والصدق.
وفي الحديث هذا دليل على أن الشريعة الإسلامية كما جاءت بإصلاح أحوال الناس في أمور الدين جاءت بإصلاح أحوالهم في أمور الدنيا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد هذا الرجل إلى أن يقول: لا خلابة.