الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مثل أن أعرف أن هذا الذي أهدي إلي قد سرقه من فلان أو فلان أو غصبه من فلان، فهنا لا يجوز قبوله، فإن كان الواهب أو المهدي ممن كسبه حرام لكن بعينه يعني: لم يهد إليَّ شيئا محرما لعينه أو بعينه لكن كسبه حرام، فهل يجوز أن أقبل هديته - كشخص يتعامل بالربا- فهل يجوز أن أقبل هديته؟ الصحيح أنه يجوز أن تقبل هديته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية اليهود وهم يأكلون السحت، ويأكلون الربا، ولأن هذا محرم لكسبه، والمحرم لكسبه يتعلق حكمه بالكاسب لا بمن تحول إليه على وجه مباح، نعم لو فرض أن في رد هدية هذا الذي يكتسب المال الحرام ردعا له عن الكسب الحرام كان ردها هاهنا حسنا من باب تحصيل المصالح ودفعا للمفسدة، أما إذا لم يكن فيه مصلحة فلا يجب علي ردها.
هذه الشروط التي ذكرناها مأخوذة من أدلة أخرى غير هذا الحديث.
فائدة في الإثابة على الهدية وحكمها:
وقوله: «يثيب عليها» هل الثواب واجب؟ لا، لكنه من مكارم الأخلاق إلا إذا علمت أنه أهدى إلي لأثيبه، فحينئذ تجب الإثابة، مثال ذلك: هذا رجل أمير أملك جاء شخص صعلوك فأهدى إليه فرسا تساوي خمسة آلاف ريال، فقال له الأمير: جزاك الله خيرا وأخلف عليك، وصرفه، فهل هذا يكفي؟ لا يكفي؛ لأن قرينة الحال أنه يريد الثواب، ولهذا قال العلماء: إنه تجب الإثابة إذا علمنا أن الواهب يريد الثواب، وهذا صحيح كما قالوا: إنه يحرم قبول الهدية إذا علمنا أنه أهدى خجلاً وحياء فإنه يحرم قبول الهدية، فهذه أيضا تجب الإثابة أيهما أولى أن يثيب أو أن يرد الهدية؟ أن يثيب؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن في هذا جبرًا لقلب المهدي؛ لأنك لو رددت الهدية سوف يحدث في ذهنه لماذا ردها أكراهة لي أم في مالي حرام أم كذا أم كذا؟ لكن إذا قبلت فأثب إذا كنت تخشى أن صاحبك قد خسر عليها شيئا كثيرا، فأثب عليها، ويزول بذلك المحظور.
«كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية» وربما سأل الهدية لكن لمصلحة، مثال ذلك قصة السرية الذي بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلوا إلى قوم ضيوفا فلم يضيفوهم وقدر الله عز وجل أن لدغ سيد القوم لدغته عقرب، فطلبوا من يقرأ عليه فقالوا: لعل هؤلاء القوم معهم راقٍ، فجاءوا إلى الصحابة وقولوا: إن سيدنا لُدِغ، وإنا نطلب من يرقي عليه، قالوا: ما نرقي عليه إلا بجعل، والصحابة معهم حق؛ لأنهم ما ضيفوهم، فجعلوا لهم غنما، فذهب أحدهم وجعل يقرأ عليه من فاتحة الكتاب فقط حتى قام الرجل كأنما نشط من عقال، ثم ترددوا في هذا، وقالوا: لا نأكل من الغنم حتى نصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ونخبره، فلما وصلوا إلى المدينة، وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا
?
واضربوا لي معكم بسهم»، إذن طلب الهدية، لكن لأي شيء؟ لمصلحة القوم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أخذ وأكل طابت نفوسهم أكثر، فلهذا نقول: هذا من مصلحة المُهدي، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن ينتفع بهذا ولكن لتطمئن قلوبهم، وكذلك دخل يوماً ورأى البرمة على النار وفيها لحم، فقدم إليه الطعام فقال:«ألم أرد في البرمة على النار» فقالوا: هذا لحم تُصدق به على بريرة، قال:«هو عليها صدقة، وهو لنا منها هدية» .
(892)
- وَعَن ابن عَباس رضي الله عنه قَال: «وَهَبَ رَجُل لِرَسول الله صلى الله عليه وسلم نَاقَهُ، فأثابه عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضيتَ؟ قَالَ: لا، فزاده، فَقَالَ: رَضيتَ؟ قَالَ: لا فزاده، قَالَ: رَضيتَ؟ قَالَ: نعم» . رَوَاهُ أَحْمَد، وصححه ابنُ حِبَّانَ.
قوله: «وهب رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة» ، من المعلوم أن هذا الرجل لم يهد هذه الناقة إلا وهو يترقب عوضا عنها، فالهدية هنا بمنزلة البيع، ولهذا أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم حتى رضي كما أعطى جابر بن عبد الله حتى رضي، كرر عليه حتى باع عليه، المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم أن هذا الرجل الذي أهدى الناقة إنما أهداها على وجه المعاوضة فأثابه عليها فقال: رضيت؟ فقال: لا. فزاده
…
إلخ، وهذا واضح في أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يثيب ما يرضى به المُهدي إما بلسان حاله وإما بلسان مقاله، أما لسان المقال فكما سمعتم فى الحديث، وأما لسان الحال فأن يقدر المهدى إليه أن ما أثاب على هديه أكثر من قيمتها فإذا غلب على ظنه أنه أكثر أو أنه مساوٍ فقد أثاب.
ويستفاد من هذا الحديث: أن هبة الثواب لابد فيها من رضا الواهب أو المهدي، الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كرر عليه الاسترضاء، ولكن لو أن المُهدي طلب أكثر مما تساوي مثاله أهدى إليك رجل ناقة تساوي ألفا فأعطيته ألفا، فقلت: رضيت. قال: لا. أعطيته ألفا ومائة. رضيت؟ قال: لا. ألف ومائتين، رضيت؟ قال: لا. والقيمة ألف، هل يلزمني أن أعطيه حتى يرضى ولو زاد على الثمن؟ لا يلزمني في هذه الحال، بل يجوز لي أن أقول: إذا لم ترض خذ ناقتك ولا غضاضة علي في هذا، لأننا عرفنا أن الرجل إنما من ليستكثر، والله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6].
ومن فوائد الحديث: حُسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم حيث نزل كل إنسان منزلته، فأعطى هذا الرجل
حتى رضي، وكان يوهب صلى الله عليه وسلم من أصحابه، ولم يكن يفعل معهم كفعله مع هذا الرجل.