الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن قال قائل: الذي معنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز الخاتم من حديد وقد يلبس وقد لا يلبس.
قلنا: لا يمكن أن يصنع خاتمًا من أجل أن يلقى في الأرض ولا يلبس لابد أن يلبس.
993 -
وعن علي رضي الله عنه قال: «لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم» . أخرجه الدارقطني موقوفًا، وفي سنده مقالٌ.
هذا الحديث موقوف على علي رضي الله عنه، وعليٌّ هو أحد الخلفاء الراشدين الذين يؤخذ بقولهم ويهتدى بهديهم ولكن الحديث لا يصح لأن فيه راويًا يضع الحديث وحديث الوضاعين حكمه مردود وعلى هذا فلا يساوي هذا الحديث فلسًا ولا عبرة به لكن مع ذلك أخذ به بعض العلماء وقال إن المهر لا يصح أقل من عشرة دراهم، ولكنه مردود؛ لأن هذا الأثر لا يصح وبأن عموم قوله تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24] يشمل العشرة وما دونها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: «التمس ولو خاتمًا من حديد» وبأنه أجاز نكاح امرأة على نعلين وبأنه بين أن ما أعطى امرأة سويقًا أو تمرًا فقد استحل وهذه الأحاديث ويعضدها عموم الآية.
تقليل الصداق:
994 -
وعن عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الصداق أيسره» . أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم.
«الصداق» هو المهر، وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن خيره أيسره، يعني: أسهله وأخفه؛ وذلك لأن فيه إعانة على الزواج فإنه إذا كانت الصدقات يسيرة كثر الزواج، وأيضًا من بركة اليسير: أنه سبب لإحسان العشرة بين الزوجين لأن الرجل إذا أصدق امرأته مهرًا كثيرًا صار كلما تذكر هذا المهر تكدر وشانت نفسه وصار يعاشر المرأة معاشرة سيئة إذا علم أن هذه المرأة [مهرها سهل] فإن نفسه تطيب وتطمئن لها، ومن بركة الصداق الميسر أنه يكون سببًا لفض النزاع بدون مشقة لو حصل نزاع بين الرجل وزوجته وكان المهر يسيرًا سهل عليه أن يطلقها أو يفارقها وسهل على أهله المخالعة إذا طلب الخلع بمهره الذي أعطاها لكن إذا كان المهر كثيرًا - ولنفرض أن المهر أربعون ألفًا - صار كلما همَّ أن يطلقها ويريحها من سوء العشرة تذكر كثرة المهر فأمسكها ثم إن قدر أنه أراد المخالعة وطلب من أهلها أن يعطوه المهر فقد يشق عليهم ولهذا صدق هذا الحديث:«خير الصداق أيسره» ، وأيضًا فيه مصلحة اجتماعية
وهي إقبال الناس على الزواج إذا كانت المهور ميسرة؛ ولهذا نجد الآن الناس في حال سيئة بالنسبة للصداق وكثرته تجد الواحد من الناس يذهب إلى بلاد بعيدة من أجل أن يحصل على زوجة ثم تحصل بعد ذلك المشاكل التي لا نهاية لها.
995 -
وعن عائشة رضي الله عنها: «أن عمرة بنت الجون تعوذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدخلت عليه - تعني: لما تزوجها - فقال: لقد عذت بمعاذٍ، فطلقها، وأمر أسامة يمتعها بثلاثة أثوابٍ» . أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده راوٍ متروكٌ.
- وأصل القصة في الصحيح من حديث أبي أسيدٍ الساعدي.
هكذا ساق المؤلف رحمه الله هذا الحديث عن عائشة وقال: إن فيه راويًا متروكًا، وفي المصطلح أن الراوي المتروك هو من أتهم بالكذب وهو على اسمه متروك لا تقبل روايته، وعجبًا من المؤلف رحمه الله حيث ساق الحديث من هذه الرواية التي ذكر أن فيها راويٍا متروكًا وترك الرواية التي في صحيح البخاري من حديث عائشة، وهو نفسه رحمه الله ذكرها في باب الطلاق، وهذا مما يدل على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والحفظ فإنه معرض للنسيان ومعرض للخطأ، والمهم: أن في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسامة فمتعها بثلاثة أثواب وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» ، ولهذا لما استعاذت بالله منه تركها مع أنه تزوجها عن رغبة، لكنه صلى الله عليه وسلم يفضل ما يراه الله عز وجل على رغبة نفسه.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن استعاذ منه بالله أحد أن يعيذه، وقد جاء الأمر في ذلك صريحًا «من استعاذكم بالله فأعيذوه» . ولكنه يشترط لذلك ألا يستعيذ بالله من أمر واجب عليه يلزم به؛ لأننا نعلم أن من استعاذ بالله من أمر واجب عليه يلزم به أن الله لا يعيذه، فلو أن رجلًا أمرناه بصلاة الجماعة وعزمنا عليه فقال: أعوذ بالله منكم فإننا لا نعيذه لماذا؟ لأننا نعلم أن الله لا يعيذ من ترك واجبًا، ولو رأينا رجلًا يريد أن يشرب خمرًا فمنعناه فقال أعوذ بالله منكم، فإننا لا نعيذه أيضًا؛ لماذا؟ لأننا نعلم أن الله لا يعيذ من أراد أن يفعل محرمًا وهكذا القاعدة لكن من استعاذ بالله في أمر من حقوقنا نحن أو في أمر مباح فإننا نعيذه بذلك لأنه إنما لجأ واضطر إلى الله فينبغي ألا نحول بينه وبين من لجأ إليه وهو الرب العظيم.
ومن فوائد الحديث: أن الطلاق له كنايات؛ لأن قوله هنا: «فطلقها» تعبير عن قوله: «الحقي بأهلك» فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لها لما استعاذت منه بالله: «الحقي بأهلك» ، وكنايات الطلاق كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره فهو كناية ولا يقع به الطلاق إلا بنية الطلاق فقول الإنسان لأهله:«الحقي بأهلك» يحتمل أنه أراد الطلاق، أو أراد أن تلحق بهم للزيارة أو أراد أن تلحق بهم ليطفئ نار غضبه حتى يهدأ لئلا يقع بينهما ما يكره أو ما أشبه ذلك ويحتمل أنه أراد الطلاق، فنقول: إن نوى الطلاق صار طلاقًا، وإن لم ينوه لم يكن طلاقًا؛ وذلك لأن اللفظ يحتمل الطلاق وغيره، فلا يتعين الطلاق إلا بالنية واختلف العلماء هل ظاهر الحال يعين المعنى أو لا؟ يعني: لو قال هذه الكلمة أو غيرها من الكنايات في حال غضبه، فإن دلالة الحال تدل على أنه أراد الطلاق مع أنه يحتمل أنه لم يرده لكن ظاهر الحال يدل على أنه أراد الطلاق، وكذلك لو قالت: طلقني، فقال: الحقي بأهلك، ولم ينو شيئًا هل يقع الطلاق أو لا؟ نقول: ظاهر الحال أنه أراد الطلاق؛ لأنها سألت الطلاق فقال: «الحقي بأهلك» مع أن فيه احتمالًا أنه لم يرد الطلاق، وأنه قال: فارقي كلمة زجر، وهي عندنا الآن في عرفنا كلمة فارقي كلمة زجر، فيحتمل أنه أراد زجرها ويُحتمل أن قوله:«الحقي بأهلك» يعني: يريد أن تذهب إلى أهلها لتطيب نفسها ويذهب غضبها.
أقول: اختلف العلماء فيما إذا كان ظاهر الحال يدل على إرادة الطلاق هل يقع الطلاق؟ في هذا للعلماء قولان: الأول: أنه يقع الطلاق اعتبارًا بظاهر الحال، والقول الثاني: أنه لا يقع إلا بالنية؛ لأن الأصل أن العصمة باقية وأن الزوجة زوجته حتى يقوم دليل بيِّن على إرادة الطلاق، ومن القواعد المقررة أن اليقين لا يزول بالاحتمال، وما هو اليقين هنا؟ العصمة وبقاء النكاح، فلا يزول بالاحتمال، إذن نقول: القول الراجح أنه لا يكون طلاقًا إلا بالنية، وقال بعض العلماء: يكون طلاقًا ما لم ينو غيره يكون طلاقًا عملًا بظاهر الحال إلا أن يريد غيره إن أراد غيره لم يكن طلاقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ، وهذا القول ربما يرجح عند المحاكمة يعني إذا أتوا إلى القاضي فالقاضي يقول أنا ليس لي إلا الظاهر وظاهر الحال يقتضي أنه أراد الطلاق أما إذا كان فيما بين الزوج والزوجة وقال لها: أنا لم أرد الطلاق وصدَّقته في ذلك فلا يقع الطلاق، وسيأتي المزيد في باب الطلاق.
ومن فوائد الحديث: أن المطلقة تمتع لقوله: «أمر أسامة» أو «أمر أسيد بن حضير» كما في الرواية الأخرى، على كل حال: المطلقة تمتع، والمتعة نوعان: متعة واجبة ومتعة غير واجبة؛ أي: سنة، فالمتعة الواجبة هي ما وجب بالطلاق قبل الدخول والخلوة إذا لم يسم لها صداقًا؛ لأنه إن سمى لها صداقًا وجب لها نصف الصداق، وإن دخل أو خلا وجب لها مهر المثل وإن
لم يسم صداقًا فإذا طلق ولم يسم صداقًا قبل الدخول والخلوة فالمتعة واجبة، قال الله تعالى:{لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236]. فأوجب حتى على الفقير، هذه نقول: إنها متعة واجبة، المتعة المستحبة ما كانت بالطلاق بعد الدخول أو الخلوة لأنه بالدخول أو الخلوة يجب المهر إما المعين إن كان معينًا وإما مهر المثل إن لم يكن معينًا، فإذا طلقها بعد الدخول أو الخلوة فإنه يشرع أن يمتعها لكن أكثر العلماء على أن هذه المتعة سنة ليست واجبة ويرى بعض العلماء أنها واجبة ودليل هذا قوله تعالى:{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241]. وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما أظن؛ لأن الآية صريحة، والنظر يقتضي وجوب ذلك؛ لماذا؟ لأن طلاق المرأة كسرها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان كسرها فالذي ينبغي للإنسان أن يجبر هذا الكسر بشيء من المال وإن كان بعض النساء لا يفدي، زوجها عندها الدنيا كلها، لكن على كل حال الإنسان إذا اضطر إلى الطلاق وطلق فإنه يجب عليه أن يمتعها حقًّا على المتقين، هذه المتعة التي وقعت من النبي صلى الله عليه وسلم هل هي من باب الواجب أو من باب المستحب؟ الثاني؛ لأنه بالخلوة استقر المهر، ولكننا ذكرنا فيما سبق أن هذه المسألة فيها خلاف؛ لأن المجمع عليه هو الجماع هو الذي يستقر به المهر، والخلوة واللمس والتقبيل وما أشبهه فيه خلاف، وذكرنا رواية عن أحمد انه إذا استباح منها ما لا يستباح إلا بالعقد وجب المهر؛ وسبق الكلام في هذا، المهم أن نقول: أما على قول من يرى أن المهر لا يستقر إلا بالجماع فإن هذه المتعة من باب الواجب، وأما على قول من يرى أنه يستقر بالخلوة فهذه المتعة من باب المستحب إلا على القول الثاني الذي يقول كل مطلقة يجب لها متعة فيكون من باب الواجب، فالمتعة المستحبة التي بعد الدخول أو الخلوة في رأي لبعض العلماء أنها واجبة، وعلى هذا الرأي تكون المتعة واجبة لكل مطلقة، فإن كانت قبل الدخول أو الخلوة فهي عوض عما تستحق من المهر، وإن كان بعده فهي جبر لخاطرها، والذي يترجح أن المتعة واجبة لكل مطلقة؛ لأن الآية واضحة:{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] لكنها ليست كالأولى، الأولى:{عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236]، والثانية على الموسع ما أراد المتعة التي بعد الدخول والخلوة؛ لأن الله قال:{مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241] والمقتر ليس عليه شيء؛ لأنه معسر فلا يلزمه شيء.
* * * *