المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

نقول: هذا ينبني على قاعدة مرت في حديث أخرجه البخاري، - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ٤

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌2 - باب الخيار

- ‌ خيار المجلس

- ‌خيار العين:

- ‌3 - باب الربا

- ‌تحريم الربا:

- ‌أنواع الربا:

- ‌مسألة: هل يلحق بالأصناف التي فيها الربا غيرها؟ خصص فيه الرسول ستة أشياء فهل يلحق بها غيرها

- ‌بيع التمر بالتمر وشروطه:

- ‌بيع الذهب بالذهب:

- ‌بيع الحيوان بالحيوان:

- ‌بيع العينة:

- ‌الشفاعة المحرمة:

- ‌الرشوة:

- ‌بيع الحيوان بالحيوان نسيئة:

- ‌المزابنة:

- ‌مسألة في بيع العرايا وشروطه:

- ‌بيع الدين بالدين:

- ‌4 - باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار

- ‌بيع العرايا:

- ‌بيع الثمار:

- ‌5 - أبواب السلم، والقرض، والرهن

- ‌الرهن:

- ‌غلق الرهن:

- ‌الترغيب في حسن القضاء:

- ‌حكم الجمعية وهل هي ربا أو لا

- ‌6 - باب التفليس والحجر

- ‌التحذير من مماطلة الغني:

- ‌ الحجر

- ‌تصرف المرأة المالي:

- ‌7 - باب الصلح

- ‌8 - باب الحوالة والضمان

- ‌حكم الحوالة وشروطها:

- ‌ضمان دين الميت:

- ‌الكفالة:

- ‌9 - باب الشركة والوكالة

- ‌الوكالة:

- ‌حكم الوكالة وشروطها:

- ‌جواز التوكيل في قبض الزكاة:

- ‌جواز التوكيل في ذبح الهدي والأضحية وتفريقهما:

- ‌جواز الوكالة في إثبات الحدود وتنفيذها:

- ‌10 - باب الإقرار

- ‌11 - باب العارية

- ‌حكم العارية:

- ‌وجوب العناية بالعارية وردّها على المُعير:

- ‌أنواع العارية:

- ‌12 - باب الغصب

- ‌حكم الغصب:

- ‌حكم الزرع في الأرض المغصوبة:

- ‌13 - باب الشفعة

- ‌شفعة الجار وشروطها:

- ‌14 - باب القراض

- ‌15 - باب المساقاة والإجارة

- ‌حكم المساقاة:

- ‌إجارة الأرض:

- ‌ المزارعة

- ‌حكم أخذ الأجرة عن الحجامة:

- ‌التحريز من منع الأجير حقه:

- ‌جواز أخذ الأجرة على القرآن:

- ‌الأخذ على كتاب الله له ثلاث صور:

- ‌16 - باب إحياء الموات

- ‌17 - باب الوقف

- ‌18 - باب الهبة والعمرى والرقبى

- ‌الهبة وضوابطها:

- ‌حكم الرجوع في الهبة:

- ‌حكم رجوع الوالد في هبته لولده:

- ‌شروط قبول الهدية:

- ‌فائدة في الإثابة على الهدية وحكمها:

- ‌صور العمرى والرقبى:

- ‌حكم شراء الهبة:

- ‌الحث على الهدية:

- ‌19 - باب اللقطة

- ‌حكم إيواء الضالة دون تعريفها:

- ‌الإشهاد على اللقطة وحكمه:

- ‌حكم اللقطة في مكة:

- ‌حكم لقطة المعاهد:

- ‌20 - باب الفرائض

- ‌أصحاب الفروض

- ‌مراتب العصوبة:

- ‌ميراث الزوجين:

- ‌ميراث الأم:

- ‌ذكر المسألتين العمريتين:

- ‌ميراث الأب:

- ‌ميراث الجد والجدة:

- ‌ميراث البنات والأخوات والإخوة:

- ‌حكم ميراث المسلم للكافر والكافر للمسلم:

- ‌ميراث الجد:

- ‌ميراث الجدة:

- ‌ميراث الخال وذوي الأرحام:

- ‌حكم ميراث الحمل:

- ‌21 - باب الوصايا

- ‌حكم كتابة الوصية:

- ‌ضوابط الوصية:

- ‌حكم الصدقة عمن لم يوص:

- ‌حكم الوصية للوارث:

- ‌الوصية بثلث المال:

- ‌22 - باب الوديعة

- ‌كتاب النكاح

-

- ‌ حكم النكاح

- ‌النهي عن التبتل:

- ‌الحث على تزوج الولود الودود:

- ‌تنكح المرأة لأربع:

- ‌الدعاء لمن يتزوج:

- ‌خطبة الحاجة:

- ‌آداب الخطبة: حكم النظر إلى المخطوبة وضوابطه:

- ‌نهي الرجل أن يخطب على خطبة أخيه:

- ‌حديث الواهبة:

- ‌إعلان النكاح:

- ‌اشتراط الولي:

- ‌نكاح المرأة بغير إذن وليها:

- ‌اشتراط رضا الزوجة:

- ‌حكم الشغار:

- ‌تخيير من زوجت وهي كارهة:

- ‌حكم من عقد لها وليان على رجلين:

- ‌حكم زواج العبد بدون إذن سيده:

- ‌حكم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها أو أختها:

- ‌حكم خطبة المحرم ونكاحه:

- ‌شروط النكاح:

- ‌حكم زواج المتعة:

- ‌مسألة: هل نية المتعة كشرطها

- ‌حكم زواج المحلل:

- ‌مسائل مهمة:

- ‌نكاح الزاني والزانية:

- ‌مسألة شهر العسل:

- ‌1 - باب الكفاءة والخيار

- ‌حكم زواج العرب الأحرار بالموالي:

- ‌أنواع الخيار:

- ‌حكم من أسلم وتحته أختان:

- ‌حكم من أسلم وتحته أكثر من أربعة:

- ‌رد من أسلمت إلى زوجها إذا أسلم:

- ‌من أسلم وهو أحق بزوجته:

- ‌فسخ النكاح بالعيب:

- ‌حكم العنين:

- ‌2 - باب عشرة النساء

- ‌حكم إتيان المرأة في دبرها:

- ‌مسألة في حد إتيان الرجل الرجل:

- ‌الوصية بالنساء:

- ‌نهي المسافر عن طروق أهله ليلاً:

- ‌النهي عن إفشاء الرحل سر زوجته:

- ‌حقوق الزوجة على زوجها:

- ‌جواز إتيان المرأة من دبرها في قبلها:

- ‌ما يقال عند إتيان النساء:

- ‌لعن المرأة إذا عصت زوجها:

- ‌الملائكة حقيقتهم ووظائفهم:

- ‌حكم الوصل والوشم:

- ‌حكم الغيلة والعزل ووسائل منع الحمل:

- ‌3 - باب الصداق

- ‌تعريف الصداق لغة وشرعًا:

- ‌جعل العتق صداقا:

- ‌صَدَاق زوجات النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌صداق فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌الصداق والحباء والعدة:

- ‌مهر من لم يفرض لها صداق:

- ‌مقدار الصداق:

- ‌تقليل الصداق:

- ‌4 - باب الوليمة

- ‌حكم الوليمة ووقتها:

- ‌شروط إجابة الدعوة إلى الوليمة:

- ‌حكم عدم إجابة الصائم لدعوة الوليمة:

- ‌أيام الوليمة:

- ‌التحذير من مشاركة الرياء للعبادة:

- ‌صفة ولائم النبي صلى الله عليه وسلم لبعض زوجاته:

- ‌حكم الأكل في حالة الاتكاء:

- ‌التسمية عند الطعام:

- ‌آداب الطعام:

- ‌آداب الشراب:

- ‌5 - باب القسم بين الزوجات

- ‌تحريم الميل إلي إحدى الزوجتين:

- ‌مسألة: كيف يكون العدل بين الزوجات

- ‌القسم للبكر والفرق بينهما وبين الثَّيب عند الزواج:

- ‌جواز تنازل المرأة عن حقها في القسم لأخرى:

- ‌حسن معاشرة الأزواج:

- ‌القرعة بين الزوجات في السفر:

- ‌النهي عن الشدة في معاملة الزوجة:

- ‌6 - باب الخلع

- ‌الخلع ورد ما أخذت الزوجة:

- ‌عدة المختلعة:

- ‌ أوَّل خلعٍ في الإسلام

الفصل: نقول: هذا ينبني على قاعدة مرت في حديث أخرجه البخاري،

نقول: هذا ينبني على قاعدة مرت في حديث أخرجه البخاري، «من أخذ الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» في هذا الحديث لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر عليه. فيستفاد منه: أنه إذا لم يطلب الغرماء‌

‌ الحجر

، فإنه لا يحجر عليه، ولكن يتولى الإمام أو الحاكم بيع ماله وقسمه بين الغرماء بدون حجر.

الحجر:

830 -

وعن ابن كعب بن مالك، عن أبيه رضي الله عنه:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه» رواه الدارقطني، وصححه الحاكم، وأخرجه أبو داود مرسلا ورجح إرساله.

كعب بن مالك رضي الله عنه هو أحد الثلاثة الذين خلفوا يعني: تخلفوا عن غزوة تبوك، وخلفوا في الحكم عليهم، لا أن المعنى خلفوا عن الغزوة، بل أنهم خلفوا، يعني: أرجئ أمرهم حتى يقضي الله فيهم كما هو مصرح به في حديث الثلاثة، وقوله:«حجر على معاذ» هو ابن جبل رضي الله عنه، وكان عليه دين وماله لا يفي بما عليه فحجر عليه، «ماله» يعني: أنه منعه من التصرف فيه؛ لأن الحجر بمعنى: المنع، «وباعه» أي: النبي صلى الله عليه وسلم «في دين كان عليه» .

ففي هذا الحديث الحجر على الإنسان في ماله وبيعه بغير رضاه، ووجه الدلالة: أن ذلك وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن متى يكون الحجر؟ نقول: المدين له أربع حالات: إما أن يكون ماله أكثر من دينه، أو يكون دينه أكثر من مله، أو يتساوى دينه وماله أو لا يكون عنده مال أصلاً، إذا لم يكن عنده مال حرم التعرض له ولا يجوز طلبه ولا مطالبته، ولا حسبه بل يجب تركه، ودليل ذلك قوله تعالى:{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] إذا كان ماله أكثر من دينه فإن لا يحجر عليه أيضاً، ولكن «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» يعني: أننا نعاقبه حتى يوفي نأمر بالوفاء، فإن أبي حبسناه، فإن أبي ضربناه حتى يوفي، فإن أبي بالكلية أوفينا من ماله قهراً عليه بدون حجر، الحال الثالثة: أن يكون ماله ودينه سواء، فهذا أيضا لا يحجر عليه ولكن يؤمر أولاً بالوفاء فإن أبي حبس، فإن أبي ضرب، فإن أبي بيع، الحالة الرابعة: أن يكون دينه أكثر من ماله، يعني: عنده مال لكن الدين أكثر من المال، فماله عشرة ودينه عشرون، هذا لا يترك ولا يحبس ولا يضرب، ولكن يحجر عليه؛ أي: أننا نمنعه من التصرف في ماله، ويتولى الحاكم الشرعي بيع ماله ويفرقه على الغرماء كل بقدر دينه بالقسط، وفي هذه الحال بأي شيء نبدأ؟ نبدأ أولاً بالرهن، فإذا كان لأحد رهن في المال فهو أحق به، ثم بمن وجد عين ماله، وقال

ص: 114

بعض أهل العلم: نبدأ بمن وجد عين ماله، فإن لك يكن أحد وجد عين ماله بدأنا بالرهن وحجة من قال بالأول- البدء بالرهن- قال؛ لأن هذا المفلس تصرف بالرهن على وجه صحيح؛ لأنه رهنها- هذه العين- قبل أن يحجر عليه، ولما رهنها تعلق بها حق الغير وهو المرتهن فصار مقدماً، وحجة من قال يبدأ بمن وجد عين ماله قالوا: لعموم الحديث: «من أدرك ماله بعين عند رجل قد أفلس فهو أحق به» ثم بعد ذلك بالغرماء، هل نقدم الأول أو الأخير؟ هم على حد سواء ونعطيهم بالقسط بالنسبة، وكيف النسبة؟ نحصي دينه، ثم نحصي ماله، ثم ننسب المال إلى الدين، ونعطي كل واحد من دينه بمثل هذه النسبة، فإذا قدرنا أن دينه عشرة وماله خمسة، كم نعطي كل واحد؟ نصف حقه، نصف دينه، فمن له درهمان نعطيه درهماً، ومن له ألفان نعطيه ألفاً، المهم أننا ننسب الموجود إلى المطلوب، ونعطي كل واحد مثل تلك النسبة.

هناك أيضاً بحث آخر هل يحجر عليه في ماله وذمته أو في ماله فقط؟ نقول: يحجر عليه في ماله فقط، فلا يتصرف في ماله لا في بيع ولا شراء ولا غير ذلك، أما في ذمته فلا يحجر عليه، فمثلاً هذا الرجل الذي وجدنا أن دينه عشرة وماله خمسة حجرنا عليه إذا باع شيئاً من ماله فالبيع غير صحيح، وأما إذا اشترى شيئاً في ذمته فالشراء صحيح؛ لأن ذمته قابلة للتحمل والتصرف بخلاف أعيان ماله، فإنه قد حجر عليه فيها، ولهذا حديث معاذ:«حجر عليه ماله» ، أما ذمته فإنها طليقة يتصرف فيها إن شاء استأجر وإن شاء اقترض وإن شاء اشترى بثمن مؤجل.

ومن فوائد حديث معاذ: إثبات الحجر على من استحقه، وسبق لنا أن الحجر لا يكون إلا في صورة واحدة وهي ما إذا كان الدين أكثر من المال ولا حجر في ثلاث صور: إذا كان المال أكثر من الدين، أو كان مساوياً، أو لم يكن له مال، الحجر إنما يكون فيمن عنده مال لكن دينه أكثر من ماله.

ومن فوائد حديث معاذ: جواز بيع الإنسان وإن لم يرض بالبيع إذا كان بحق لقوله: «وباعه في دين كان علي» وعلى هذا فقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} يستثنى منها هذه المسألة، فإن المحجور عليه يباع ماله قهراً لأن ذلك بحق.

ومن فوائد حديث معاذ: خطر الدين وعظم شأنه، وأنه قد يؤدي بصاحبه إلى أن يباع ماله.

ومن فوائده: أنه إذا كان يباع المال الموجود في قضاء الدين فما بالك بالشخص يشتري شيئاً ديناً عليه وهو ليس له حاجة فيه؛ لأن بعض الناس الآن يذهب يستدين من أجل أن يشتري الكماليات ليس بحاجة ولا بضرورة إليها، وهذا لا شك أنه من السفه من سفه الإنسان أن يذهب ويستدين من أجل مسائل كمالية، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرشد الذي أراد أن يزوجه وليس عنده شيء وقال:«التمس ولو خاتماً من حديد» قال: لا أجد، لم يرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن

ص: 115

يستدين مع أنه محتاج إلى الزواج، وإنما زوجه بما معه من القرآن، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر إذا قدمت له الجنازة عليها الدين ليس له وفاء لا يصلي عليها دل هذا على خطر الدين وأهميته، ولهذا ينبغي لكم أن تلاحظوا هذه المسألة لأنا وجدنا كثيراً من الناس يستدين لأجل أن يكون كالأغنياء في مأكله ومشربه وملبسه ومركوبه ومسكنه، وهذا لا شك أنه من السفه، يعني: رجل لا يملك من هذه الأشياء إلا بدين وآخر يملك أضعافها من عنده غني يريد الأول أن يكون مثل الثاني لا شك أنه سفه، وأن الإنسان ينبغي له أن يتحرز من الدين بقدر استطاعته.

831 -

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني» متفق عليه.

وفي رواية للبيهقي: «فلم يجزني، ولم يرني بلغت» وصححها ابن خزيمة.

أتى المؤلف بهذا الحديث؛ لأن الحجر يكون لحظ الإنسان المحجور عليه ولحظ غيره، ففي حديث معاذ كان الحجر لحظ الغير، وفي حديث ابن عمر الإشارة إلى الصغر، والصغير لا يعطي ماله كما قال الله تعالى:{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} [النساء: 5].

وقال: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6]

فاشترط الله تعالى لجواز دفع مال اليتيم إليه، اشترط شرطين: الأول البلوغ لقوله: {حتى إذا بلغوا النكاح} والثاني: الرشد لقوله: {فإن أنستم منهم رشداً} ومع ذلك لا تدفع إليهم هذا إلا بعد أن نبتليهم أي: نختبرهم، فيختبر قبل البلوغ بما يليق به، وينظر هل هو رشيد أو لا، فإذا كان رشيداً دفع إليه المال من حين أن يبلغ.

فهنا نقول: الحديث يدلنا على سن البلوغ، وأنه خمس عشرة فنبدأ أولاً بشرحه:

قال: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد» وأحد كانت في السنة الثالثة في شوال، وكان ابن عمر له أربع عشرة سنة، يعني: لم يبلغ خمس عشرة، قال:«وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة» وهذا فيه إشكال من حيث الظاهر؛ لأن عزوة الخندق كانت في السنة الخامسة وأحد كانت في السنة الثالثة، ومن له أربع عشرة في السنة الثالثة يكون له في السنة الخامسة ست عشرة، وهنا يقول:«وأنا ابن خمس عشرة» ففيه إشكال، حيث إن ظاهره التعارض، ولكن الجواب على ذلك من أحد وجهين:

ص: 116

إما أن يقال: إن ابن عمر ألغى الكسر، فيقول: وأنا ابن أربع عشرة سنة أي: قريبا من تمامها وأنا ابن خمس عشرة يعني: في أولها، فإذا كان في أحد في أول الرابع عشر وفي الخندق في آخر الخامس عشر فيلتقي أول الرابع عشر وآخر الخامس عشر يلتقيان في شهر واحد فيصح، هذا وجه.

الوجه الثاني: أن يكون معنى قوله: «وأنا ابن خمس عشرة» أي: قد بلغتها، فلا ينافي أني كون زائداً عنها وعلى هذا فلا إشكال، وقوله:«عرضت عليه وأنا ابن أربع عشرة» يعني: عرضت عليه لأكون مقاتلاً، فلم يجزه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يجوز أن يمكن من مل يبلغ من القتال لعدة أوجه:

منها: أن من لم يبلغ لا يتمكن من تحمل القتال، لأن حتى الآن لم يكن شيئاً بل يمكن من أول ما يهجم العدو يفر وفي هذا من الضرر ما فيه.

ومنها: أنه ربما يكون لقمة سائغة للعدو فيأسره ويكون أسيراً عندهم وربما ارتد عن الإسلام؛ لأن صغير، والصغير يتكيف حسب ما يوجه إليه.

ومنها أيضاً: أنه ليس فيه قوة على الهجوم لضعفه، وهذا ليس هو معنى الوجه الأول؛ لأن الوجه الأول يفر، وهذا لا يهجم، لأنه صغير، وإذا لم يستطع الهجوم، وصار حائلاً بين العدو وبين البالغين صار في هذا مفسدة، ولهذا نقول: إن ذهاب الصغر إلى القتال خطأ عظيم، المسألة ليست جمع رجال فقط بل المسألة جهاد، فإذا لم يكن أهلاً للجهاد فإن يجب منعه حتى وإن كان عاقلاً فاهماً، إذن يقول:«فلم يجزني» لأنه غير أهل للقتال، «وعرضت عليه يوم الخندق» وكانت في شوال سنة خمس وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، يعني: رخص لي في الغزو.

وهذا الحديث الذي في الصحيحين ليس فيه الإشارة إلى أن البلوغ يكو بخمس عشرة سنة، بل فيه دليل على أن الإنسان إذا بلغ خمس عشرة سنة صار أهلاً للقتال، وما دونها ليس بأهل، هذا ما يدل عليه الحديث، لكن رواية البيهقي تدل على أن سبب الرد أنه لم يبلغ، وسبب القبول أنه بلغ، وعلى هذا فتكون السن الخمس عشرة من علامات البلوغ.

من فوائد الحديث: أنه يجب على أمير الجيش أن يفتقد الغزاة، وألا يأخذ كل من هب ودب، ولذلك يمنع الصبيان، ويمنع من لا يصلح للقتال، ويمنع الخذل، ويمنع المرجئ المخذل الذي يخذل الناس، والمرجئ الذي يقول: عدوكم كثير ليس لكم به طاقة، فيجب على ولي الأمر في الغزو أن يمنع مثل هؤلاء ويجب عليه أن يتفقد الغزاة قبل الشروع في الغزو.

ومن فوائده: أنه يجب رد من لا يصلح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد عبد الله بن عمر رضي الله عنه في أحد مع أن الصحابة يحرصون على أن يجاهدوا، حتى جاء رجل أعرج يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في

ص: 117

الجهاد، فقال:«إن الله لم يجعل عليك حرجاً» قال: إني أحب أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم.

من فوائد الحديث: أن البلوغ يحصل بتمام خمس عشرة سنة لقوله: «فلم يجزني ولم يرني بلغت» يعني: وفي الثانية أجازني لأنني بلغت.

ومن فوائد الحديث: أن الخندق كانت في السنة الخامسة، لو قال قائل: إن الخندق في السنة الرابعة لكان أقرب، نقول: لا؛ لأن قريشاً واعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أحد بدراً في السنة الرابعة ولكنهم لم يحضروا، كما قال ابن القيم في زاد المعاد، في السنة الخامسة ألبوا عليه الأحزاب والقبائل وحضروا إلى المدينة.

يؤخذ من هذا الحديث- وإن كان على بعد-: زوال الحجر بالبلوغ، ولكنه لا يؤخذ من مجرد الحديث، يؤخذ بانضمامه إلى الآية:{حتى إذا بلغوا النكاح} [النساء: 6]. فإن بلوغ النكاح يعني: البلوغ، فيؤخذ منه: أنه تم له خمس عشرة سنة فقد بلغ، فينظر إلى الشرط الثاني وهو الرشد.

ومن فوائد الحديث: الرد على من قال: إنه لا بلوغ بالسن، يؤخذ من قوله:«فلم يجزني ولم يرني بلغت» ولهذا اختلف العلماء: هي يحصل البلوغ بتمام خمس عشرة سنة أو بتمام ثماني عشرة سنة، فمذه أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا بلوغ قبل تمام الثماني عشرة والجمهور على خلافه، وقول الجمهور أصح لحديث ابن عمر هذا.

وللأثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان يعطي من تم له خمسة عشرة سنة بغرض له في العطاء فينزله منزلة البالغين.

832 -

وعن عطية القرطبي رضي الله عنه قال: «عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي» رواه الخمسة وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: على شرط الشيخين.

عطية القرظي هذا من بني قريظة وهم طائفة من اليهود، واليهود- كما نعلم- كانوا ثلاث قبائل في المدينة حين قدم إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قدموا إلى المدينة من أذرعاء من الشام؛ لأنهم قرأوا في كتبهم أنه سيبعث نبي ويكون مهاجره المدينة، فلما قرأوا هذا قدموا إلى المدينة؛ لأنهم كانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا يقولون: سيبعث نبي وننتصر عليكم، فتجمعوا في

ص: 118

المدينة ثلاث قبائل وهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم عاهدهم جرى بينه وبينهم عهد، ولكنهم نقضوا العهد وكان آخرهم بنو قريظة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينما رجع من الأحزاب وألقى عدة الحرب جاءه جبريل وأمره أن يخرج إلى غزو بني قريظة؛ لأنهم خانوا العهد حينما تمالئوا مع الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم وحاصرهم نحو خمس وعشرين ليلة، وطال الحصار، ثم طلبوا النزول على حكم سعد بن معاذ لأن سعد بن معاذ كان حليفاً لهم، فظنوا أنه سيفعل فيهم كما فعل عبد الله بن أبي ببني النضير؛ لأن عبد الله ابن أبي كان حليفاً لبني النضير وتوسط فيهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فظنوا أن سعد بن معاذ يفعل كفعله يكون شافعاً لهم؛ لأنه حليفهم، ولكنه رضي الله عنه كان قد أصيب في أكحله يوم الخندق، والأكحل عرق في الإبهام وينزف دم وضرب له النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب رضي الله عنه؛ لأنه رجل فاضل هو سيد الأوس، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم:«لمناديل سعد في الجنة خير من هذا» في خرقة حرير، وقال: إنه لما مات اهتز له عرش الرحمن عز وجل في هذا يقول حسان بن ثابت: [الطويل].

(وما اهتز عرش الله من أجل هالك

سمعنا به إلا سعد أبي عمرو)

نزلوا على حكمه، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي به من المسجد، فجيء به على حمار، فلما أقبل قال النبي صلى الله عليه وسلم:«قوموا لسيدكم» يقوله للأوس، فقاموا إليه وأنزلوه من الحمار ونزل، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم: أن بني قريظة جعلوه حكماً، فقال: يا رسول الله، حكمي نافذ على هؤلاء يشير إلى اليهود؟ قال:«نعم» و «على هؤلاء» ولكنه رضي الله عنه خجل أن يتجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: حكمي عليكم؛ يعني: لم يلتفت إجلالاً للرسول صلى الله عليه وسلم، لا يحب أن يكون حكمه هو على الرسول صلى الله عليه وسلم:«لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة» ثم نفذ هذا الحكم؛ وكان رضي الله عنه حينما أصيب في أكحله يوم الخندق قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة، فأقر عينه، وأي قرار عين من أن يكون هو الحكم فيهم، حكم فيهم هذا الحكم الموافق لحكم رب العالمين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتلوا، وكانوا نحو سبعمائة نفر، فقتلوا كلهم وسبيت نساؤهم

ص: 119

وذريتهم، ومن بين السبي صفية بنت حييي رضي الله عنهما زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وإحدى أمهات المؤمنين، لكن كيف يعرف المقاتل من غيره؟ كانوا يعرضونهم على الرسول صلى الله عليه وسلم المشتبه فيهم وإلا الواضح فواضح، فمن أنبت قتل ومن لم ينبت لم يقتل؛ لأن من أنبت صار من المقاتلة، ومن لم ينبت لم يقتل؛ لأنه صار من الذرية سبي، وهذا عطية رضي الله عنه كان من اليهود ومن الله عليه، فأسلم، كان ممن لم ينبت فخلي سبيله وأسلم.

من فوائد هذا الحديث: أولاً: أن الله عز وجل قد يمن على من يشاء من عباده فيهدي الضال كما جرى لعطية القرظي، وهل أحد من اليهود أسلم غير عطية؟ نعم، أسلموا وحسن إسلامهم، ومنهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه فإنه حبر من أحبارهم وسيد من أسيادهم.

ومن فوائد الحديث: جواز الكشف عن العورة عند الحاجة إليه لقول: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل» ، ومعلوم أنه لا يعرف أنه أنبت أو لم ينبت إلا بالكشف عن مؤتزره، ولكن يجب أن يكون ذلك بقدر الحاجة فإذا كان يمكن أن نعرف أنه أنبت أو لم ينبت بدون أن نكشف عن السوءة لم يجز أن نكشف عن السوءة؛ وإذا كان لا يمكن إلا بالكشف عن السوءة كشفنا عن السوءة، المهم أن العورة ينظر إليها بقدر الحاجة فقط.

ومن فوائد الحديث/ جواز الحكم بقت المقاتلة كما فعل سعد بن معاذ وأقره النبي صلى الله عليه وسلم بل أقره الله.

ومن فوائد الحديث: فضيلة سعد بن معاذ رضي الله عنه؛ حيث وافق حكمه حكم الله سبحانه وتعالى.

ومن فوائد الحديث: أن من لم ينبت فهو من الذرية فيكون سبياً وغنيمة للمسلمين لقوله: «ومن لم ينبت خلي سبيله» .

ومن فوائد الحديث: أن من بلغ من الناس فإنه لا يكون في منزلة أبيه في الجنة، وإنما الذرية الذين يكونون مع آبائهم هم الذين لم يبلغوا؛ لأن قول سعد:«تسبي ذريتهم» ثم يكشف عن المؤتزر فمن أنبت قتل علم أن لفظ الذرية لا يكون إلا لمن لم يبلغ، ولأن من بلغ استقل بنفسه، فله منزلة؛ ولهذا قال الله تعالى:{والذين أمنوا وأتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور: 21].

فجعل الذي يلحق بأبيه المتبع الصغير الذي يكون إيمانه تبعاً لأبيه، ويدل لذلك أيضاً من حيث العقل أننا لو قلنا بأن المراد بالذرية ما يعم البالغين، لكان أهل الجنة كلهم في منزلة واحدة، وقال: أبناء الأبناء كذلك، وصار الناس كلهم في منزلة واحدة، فيقال: من بلغ لم يشمله حكم الذرية التابعة فيكون في منزلته التي يستحقها، ومن لم يكن بالغاً، فإنه في منزلة أبيه، وهذا هو السر، والله أعلم في التعبير بقوله:{وأتبعتهم ذريتهم بإيمان}

ص: 120