الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمريض مرض الموت أن يتطوع بأكثر من الثلث، لقوله:
وبثلث أموالكم».
فإن قال قائل: ما وجه هذا؟
قلنا: لأن المقام مقام الامتنان ومقام الامتنان يذكر فيه أعلى ما يكون منة ولو كان هناك منة
أكثر من الثلث لكان مقتضى الحال أن تُذكر.
وإلا لو قال قائل: الحديث ليس فيه النهي عن أكثر من الثلث، قلنا: نعم لكن لما كان في مقام الامتنان كان المذكور فيه على وجوه الامتنان ولو كان هناك وجه أعلى لبيّنه.
ومن فوائد الحديث: جواز تبرع الإنسان عند الموت لقوله: «عند وفاتكم» بالثلث فأقل، ولكن يشترط في هذا شرط وهو أن يكون يعي ما يقول، فإن كان لا يعي ما يقول، مثل أن وصل به المرض إلى حل صار يهدي لا يحسن ما يقول ولا يدري ما يقول، فهنا لا يصح تصرفه ولا تبرعه؛ لأنه ليس له عقل.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يؤجر على ما قدّمه من العمل بعد الوفاة لقوله: «زيادة في حسناتكم» خصوصًا إذا فسرنا العندية بأنها العندية اللاحقة ويشهد لهذا ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» .
ومن فوائد الحديث: بيان منَّة الله وفضله على عباده وذلك بالصدقة حيث أذن لهم أن يتصدقوا بالثلث، يعني: فأقل من أجل زيادة الحسنات.
وقوله: «وأخرجه أحمد والبزار
…
إلخ»، فقال: وهي ضعيفة قد يقوي بعضها بعضًا، والأحاديث إذا وردت من وجوه ضعيفة ولكن تعددت طرقها فإنها ترتقي إلى درجة الحسن، لكنه حسن لغيره لا حُسن لذاته، والفرق أن الحسن لغيره هو الذي تجبر بغيره، والحسن لذاته هو الذي انجبر بنفسه.
22 - باب الوديعة
«الوديعة» : فعيلة بمعنى مفعولة؛ لأن كلمة فعيل تُطلق على اسم الفاعل وعلى اسم المفعول، فيُقال:«فلان سليم» بمعنى سالم، «فلان جريح» بمعنى: مجروح، الوديعة هنا فعيلة بمعنى مفعولة، وسمّيت بذلك لأن صاحبها يودعها عند المتبرع لحفظها.
وتعريفها شرعًا: دفع مال لمن يحفظه ويشمل أي مال كان دراهم أو متاعًا أو منقولاً أو غير ذلك، إن كان بأجرة فالمودع أجير، وإن كان تبرعًا فالمودع محسن، وهنا نسأل هل يجوز الإيداع وهل يجوز الاستيداع؟ نقول: نعم يجوز الإيداع أن يجوز للإنسان أن يُودع ماله عند أحد؛
?
لأن الحاجة قد تدعو إليه، وهذا ليس فيه شيء من الذل، حتى نقول: إنه يكره كما يُكره السؤال؛ لأن ذلك مما جرت به العادة، ولا يعد الناس في هذا ذلاً.
بالنسبة للاستيداع يعني: أخذ الوديعة ليحفظها لغيره هل هو مباح أو لا؟ . الجواب: أنه مستحب لأنه إحسان، فكم من إنسان تضيق به الأرض وهو يحب أن يجد من يقبل ماله ليكون وديعة عنده فيكون ذلك من الإحسان والإحسان مطلوب؛ لأن الله قال:{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]. فصار التوديع مباحًا والاستيداع بمعنى: أخذ الوديعة مستحبة.
يد الوديع، يعني: المودع يد أمانة أو يد ضمان؟ يد أمانة، ولهذا تُسمَّى الوديعة عند العامة عُرفا تُسمّى أمانة، إذن يده يد أمانة وإذا كانت يده يد أمانة فلا ضمان عليه فيما لو تلفت الوديعة، إلا أن يتعدى أو يفرط فما هو التعدي؟ التعدي: فعلُ ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب، ويظهر هذا بالمثال لو أن شخصًا أودعك شيئًا تتلفه الشمس فوضعته في مكان تأتيه الشمس، هذا تفريط لأنك لم تفعل ما يجب من تظليله عن الشمس، ولو أنه أودعك شيئا ثم استعملته لنفسك، فهذا تعد لأنه فعل ما لا يجوز، ومن ذلك لو أودعك دراهم ثم استعملتها واشتريت بها حاجة لك أو أقرضتها أحدًا فإنك تعتبر متعديًا لأن الوديع لا يحل له أن يتصرف في الوديعة أي تصرف كان.
(923)
- عَنْ عَمرو بن شعيب، عَنْ أبيه، عَنْ جَده رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ أودع وَدِيعَةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضمان» . أخرَجَهُ ابْنُ مَاجَهُ، وَإسْنَادُهُ ضعيف.
من أودع يعني: أعطي وديعة أي: مودوعة أي: مجعولة عنده على سبيل الحفظ فليس عليه ضمان وذلك لأن يده يد أمانة وليست يد ضمان فليس عليه ضمان، لكن إن تعدى وفرط فهو ضامن، لأن التعدي أو التفريط خلاف الأمانة، إذا كان المودع يده يد أمانة فهل يقبل قوله في ردها إلى صاحبها، يعني: لو أن صاحبها أتى إليه يومًا من الدهر وقال: إني قد أودعتك كذا وكذا، فقال: نعم ولكن رددتها إليك فهل يُقبل؟ نعم، يقبل لأن يده يد أمانة، والذي أودعه هذا الشيء ائتمنه بلا شك وهو محسن، وما على المحسنين من سبيل، لو أودعه بأجرة كما يُصنع في بعض البنوك الآن يجعلون صناديق خاصة للودائع فأودعها إياه بأجرة هل يقبل قوله في الرد؟ عند الفقهاء لا يُقبل قوله في الرد؛ لأنه قبضها لمصلحة نفسه لا لمصلحة مالكها بخلاف المودع مجانًا، فإنه قبضها لمصلحة مالكها فيكون محسنا، وقد قال الله تعالى:{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} [التوبة: 91]. أما أخذها بأجرة فقد قبضها لحظ نفسه فلا يكون محسنا،
وإذا لم يكن محسنا فهل الأصل الرد أو الرد دعوة؟ الرد دعوة والدعوة تحتاج إلى بينة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» ، ما يفعله الناس الآن في إعطاء الدراهم البنوك وتسميتها وديعة هل هذا صحيح؟ لا، لأن هذه الدراهم التي يعطونها البنوك يعطونها إياهم على أنهم يدخلونها في صندوق البنك يتصرف فيها، والعبرة في الأمور بحقائقها لا بألفاظها، وحقيقة هذا الأمر أنه إذا أعطاك الشخص دراهم وأدخلتها في جملة مالك وانتفعت - حقيقة هذا الأمر- أنها قرض، ولهذا لا يصح أن تُسمى هذا وديعة، الناس يقولون إيداع إيداع، وهو ليس إيداعًا إنما هو إقراض، ولذلك لو أن البنك احترق وتلف ما فيه حتى مالك الذي أعطيته إياه كما إذا أعطيته إياه بعد العصر واحترق بعد المغرب يعني: أنتا تيقنًا أن المال الذي أعطيته إياه دخل في الحريق، فهل يضمنه؟ يضمنه، ولو كان وديعة لم يضمنه، لهذا لا يصح أن نسمى هذا وديعة، تُسميه قرضا، وقد نصر على هذا أهل العلم، وقالوا: لو أن صاحب الوديعة أذن للمودع في التصرف فيها انقلبت إلى قرض بعد أن كانت وديعة، والقرض يختلف عن الوديعة كثيرًا.
قال المؤلف:
وباب قسم الصدقات تقدم في آخر الزكاة، وباب قسم الفيء والغنيمة يأتي عقب الجهاد
- إن شاء الله تعالى -.
كأنه رحمه الله نبَّه على هذا؛ لأن الشافعية يذكرون في كتبهم قسم الصدقات وقسم الفيء والغنيمة كليهما في هذا الموضع، فكأن المؤلف اعتذر عن ذلك بأن قسم الصدقات سبق، وأن قسم الفيء والغنيمة يأتي في باب الجهاد.
مِن فوائد هذا الحديث: جواز الإيداع، لقوله:«من أودع وديعة» .
ومنها: جواز الاستيداع، يعني: قبول الوديعة؛ لقوله: «من أودع» ، وجه الدلالة من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب علي هذا الفعل حكمًا شرعيًا فقال:«فليس عليه ضمان» ، وما ترتب عليه حكم شرعي فهو صحيح، فيكون هذا الحديث دالّاً على جواز الإيداع والاستيداع.
ومن فوائد الحديث: أنه ليس على المودع ضمان؛ لقوله: «ليس عليه ضمان» والتعليل لأنه محسن، وقد قال الله تعالى:{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} [التوبة: 91]، ولهذا لو خرجت يده عن الإحسان وتعدَّى أو فرَّط صار عليه ضمان.