الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان أعلم الأمة على تقدير صحة الحديث فإنه لا يقتضي أن يكون معصومًا، لأنه لا يوحى إليه، عل كل حال أخذ بهذا كثير من العلماء واختاروا من أجله مذهب زيد بن ثابت، ومنهم الشافعي كما قال صاحب الرحبية:
(فكان أولى باتباع التابعي
…
لاسيما وقد نحاهُ الشافعي)
ولكن مع ذلك نقول: إنه وإن تابعه من تابعه من العلماء، فإنه ليس معصوما من الخطأ، ولهذا تجدون الخطأ واضحًا في مسألة الجد والإخوة، وتفاصيله وتقسماته تدل على ضعفه، وأنه قول لا أصل له، لأنكم تعرفون فيه تقسيمات، يقسم أولاً إلى قسمين: أن يكون معه صاحب فرض، وألا يكون، وإذا لم يكن معه صاحب فرض يُخيّر الجد بين المقاسمة أو ثلث المال، وإذا كان معه صاحب فرض يخير بين المقاسمة أو ثلث المال أو السدس إلا إذا لم يبق إلا السدس، فإنه يأخذه الجد إلا في الأكثرية استثناء، ثانيا: فإنه يفرض للأخت ثم يقسم بينهما وبين الجد هذه التقسيمات لو كانت صحيحة لوجدت في القرآن والسنة لما أراد الله صلى الله عليه وسلم بيان تصيب الأم المقسم بينه {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُث} [النساء: 11]. مع أن التقسيم فيه دون التقسيم في باب الجد والإخوة كما أن باب الجد والإخوة فيه أيضا شيء من الظلم؛ لأنك إذا جعلت الإخوة في منزلة الجد فإما أن تعطيهم كما تعطي الجد وإما ألا تكون عدلاً بينهم، فالحاصل أن هذا المذهب الذي هو مذهب زيد رضي الله عنه في باب الجد والإخوة بين الضعف وبه يتبين أنه مهما كان الحديث المذكور صحيحًا فإنه لا يعنى عصمة زيد من الخطأ.
21 - باب الوصايا
المؤلف جعل الوصية بعل الفرائض، ولكن الفقهاء من الحنابلة جعلوا الوصايا قبل الفرائض وترتيب فقهاء الحنابلة أقرب للصواب:
أولاً: لأن الوصية تكون قبل الموت.
وثانيًا: أن الوصية مقدّمة على الميراث، كيف ذلك؟ لو أن رجلاً أوصى بثلثه وهلك عن أمه وأخيه الشقيق وخلف عشرين ريالاً، بل خلف واحد وعشرين ريالاً، الوصية لها الثلث، والأم مع الأخ الشقيق لها الثلث، والباقي الثلث للأخ الشقيق، هنا لو قلنا إن الوصية لا تُقدّم
على الميراث لكان للوصية الريع وللأم الربع وللأخ النصف، يعني: تجعل النقص على الجميع لكننا نقدم الوصية ثم نقسم الباقي على أصحاب الميراث، فنقول: التركة واحد وعشرون ريالاً أوصى بالثلث سبعًا، يبقى أربعة عشر للأم ثلثها أربعة وثلثان انظر الآن كان بالأول الأم لها الثلث فتستحق سبعة من واحد وعشرين الآن لم تستحق إلا أربعة، وثلثان من أربعة وعشرين ولو لم تقدم الوصية لتساوى صاحب الوصية مع الأم، والأخ الشقيق يُعطى النصف كم بقي للأخ؟ يبقى له تسعة وثلث، وكان الأول يرث أربعة عشرة إذن نقول: إن الترتيب الذي سلكه الفقهاء من الحنابلة أقرب للصواب من الترتيب الذي ذكره المؤلف.
الوصايا جمع وصية وهي ما يُعهد به على وجه الاهتمام به، ومن ذلك قوله تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 121] أما في الاصطلاح فالوصية هي التبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعده، التبرع بالمال بعد الموت، مثل أن يقول: إذا مت فأخرجوا ثلثي مالي في أعمال البر، أو يقول: إذا مت فأعطوا فلانا كذا وكذا، الأمر بالتصرف بعده، مثل أن يقول: إذا مت فالناظر على أولادي الصغار فلان، هنا لم يوص بمال، ولم يتبرع بمال، لكن أمر بالتصرف بعد الموت ما هو التصرف؟ النظر في حق أولاده الصغار، إذن الوصية تكون بالمال وتكون بالحقوق.
حكم الوصية: يقول العلماء: إن الوصية تجري فيها الأحكام الخمسة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام، وهذه الأحكام الخمسة التي تجري في الوصية مأخوذة من الكتاب والسنة، إما دليلاً، وإما تعليلاً، فنبدأ أولاً بالوصية الواجبة وهي تكون في كل دين واجب على الموصي ليس به بينة سواء كان هذا الدين لله كالزكاة والنذر أو كان للمخلوق كثمن المبيع والأجرة والقرض، فكل دين واجب ليس فيه بينة فالوصية به واجبة، لماذا؟ لأنه لو لم يوص به لضاع حق من له الحق، وهذا حرام، وما لا يتم درء الحرام إلا به فهو واجب؛ لأن درء الحرام واجب، فإذا قدرنا أن شخصا في ذمته لفلان مائة ريال، وليس به بينة، وجب عليه أن يُوصي بأن في ذمتي لفلان مائة ريال، فإن كان به بينة سقط الوجوب، وبقي الاستحباب، سقط الوجوب لأن الحق لا يضيع مع وجود البينة، لكن يبقى الاستحباب فيستحب أن يُوصي ولو مع وجود البيئة لأمرين:
الأول: لاحتمال ألا تقوم البينة إما لنسيانها، أو لإنكارها، أو لموتها، أو لمشقة إقامتها، كل هذا وارد.
ثانيًا: أنه إذا كانت الوصية من الموصي سهل على الورثة أن يقوموا بتنفيذها لكن إذا لم تكن بوصية منه فربما يحوجون صاحب الحق إلى المحاكمة، فينكرون وويقولون: هاتوا شهودًا، وهذا لا شك أنه ضرر بالنسبة لصاحب الحق، إذن فمن عليه دين واجب ليس به بينة فالوصية به واجبة، وإن كان به بينة فالوصية مستحبة للوجهين اللذين ذكرناهما، هناك وصية واجبة مختلف فيها وهي الوصية للأقارب الذين لا يرثون فهذه الوصية اختلف العلماء في وجوبها، فأكثر العلماء على عدم الوجوب، وذهب بن عباس وجماعة من السلف والخلف إلى وجوب الوصية للأقارب غير الوارثين، وكل منهم استدل بآية واحدة، وهي قوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]. كتب، حقًا على المتقين، ثلاثة مؤكدات تؤكد الوجوب؛ لأن «كتب» بمعنى فرض كما في قوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]. و «حقا» بمعنى ثابتا واجبًا، «على المتقين» الذين يتقون الله، فهذه ثلاثة مؤكدات تؤكد وجوب الوصية للوالدين والأقربين.
ولكن جاءت آيات المواريث فأخرجت الوارث من هؤلاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» ، فخرج الوالدان الوارثان، وخرج الأقارب الوارثون لا يُوصى لهم اكتفاء بما جعل الله لهم من الميراث، فيبقى من لم يرث من الوالدين والأقربين، فمن العلماء من قال: إن هذه الآية منسوخة بآيات المواريث، ومنهم من قال: إنها مخصوصة بآيات المواريث، وهو الصواب، أي: أنها مخصوصة؛ لأنه متى أمكن العمل بالدليلين كان واجبا، والعمل بالدليلين عن طريق تخصيص العموم ممكن فيكون واجباً.
الوصية المحرمة أن تكون لوارث أو زائدة على الثلث مطلقًا، لوارث أو أجنبي دليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى قسم المواريث وقال في الآية الأولى:{آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ الله} [النساء: 11]. فقال: فريضة، فدل هذا على أن تقسيم التركة على هذا النحو فريضة واجبة من الله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11]. وقال في الآية الثانية بعد أن ذكر ميراث الزوجات والإخوة من الأم قال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 13، 14]. فالزوج مثلاً إذا أوصى لزوجته بعشرة ريالات كان هنا قد تعدى الحدود؛ لأن الله إنما فرض لها ثمنا أو ربعًا، فإذا أعطاها ولو عشرة ريالات من مليون فقد تعدى الحدود وقد قال الله تعالى:{وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14]، في الآية الثالثة لما ذكر الله ميراث الحواشي: الإخوة الأشقاء أو لأب قال: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا} [النساء: 176]. فدل ذلك