الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها: جواز الزيادة في بيع التقسيط، وجهه: أن هذه الزيادة في مقابلة الأجل، وهذا أمر لا يشبه على أحد، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية نقل إجماع العلماء على جواز بيع التقسيط إذا كان قصد المشتري السلعة بخلاف ما إذا كان قصده المال فقد عرفتم أنه من باب التورط وأنه يرى تحريمه، لكن إذا كان قصده السلعة فلا بأس أن يأخذها مؤجلة بزيادة، وهذا هو الموافق للفطر، إذ لا يمكن لأي إنسان أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل كئمنه إذا كان نقداً، هذا مستحيل، اللهم إلا محاباة للمشتري لقرابة أو صداقة أو ما أشبه ذلك، وأما البيع المعتاد فإنه لا يمكن أن يبيع شخص سلعة تساوي مائة الآن بمائة بعد سنة، لابد أن يأخذ على هذا التأجيل مقابلاً وليس هذا من باب الربا في شيء، بل هو من باب الأمر الجائز. هل يجوز بيع البعير بثلاثة أبعرة؟ يجوز؛ لأنه إذا جاز البعيرين جاز الثلاثة والأربعة، ويدل على انه لا ربا في بيع الحيوان- بيع بعضه ببعض- وعلى هذا فتجوز الزيادة.
ما رأيكم لو عامل الإنسان معاملة فجاء شخص وقال له: ما دليلك على الجواز، هل طلب الدليل هنا صحيح؟ طلب الدليل هنا في غير محله، نقول له: الدليل عدم الدليل؛ لان الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على المنع.
المزابنة:
809 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة؛ أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله" متفق عليه.
"المزابنة" مفاعله، وهذه الصيغة تدل على الاشتراك في الغالب، الغالب أن المفاعلة تدل على اشتراك بين اثنين وأكثر كالمقاتلة والمجاهدة والمغارسة والمساقاة وقد لا تدل على الاشتراك كالمسافرة يقال: سافر الرجل مسافرة وهو واحد ليس له طرف آخر، المزابنة من الأفعال المشتركة، وهي مأخوذة من الزبن وهو الدفع، فهي مبايعة بين شخصين، لكنها خصت بنوع خاص من البيوع وإلا فإن جميع البيوع فيها مزابنة؛ لأنها من الدفع، فالبائع يدفع السلعة والمشتري يدفع الثمن، ولكنها خصت بنوع معين من البيوع، ولا مانع من أن نخصص المعنى العام في شيء من أفراده.
المزابنة فسرها بقوله: "أن يبيع ثمر حائطة"، و"أن" هنا مصدرية، إما أن يكون في محل جر
بيان للمزابنة؛ لان المزابنة مجرورة بـ"عن"، "أن يبيع" أي: البائع "ثمر حائطه
…
الخ" هذه ثلاث صور الصورة: الأولى: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، فيأتي شخص إلى صاحب الحائط ويقول: بعني ثمرة هذه النخلة بتمر هذه مزابنة لا تجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، والعلة في ذلك أنها بيع تمر بتمر، وبيع التمر بالتمر يشترط فيها التساوي كيلاً، ومعلوم أن التمر على النخل لا يمكن فيه الكيل، وإذا لم يمكن في الكيل فإنه لا يتحقق التساوي.
فإن قال قائل: نحن نخرصه بما يئول إليه تمره، ونقول: هذه النخلة إذا أثمرت يأتي منها خمسون صاعاً من التمر، فإذا دفع المشتري خمسين صاعاً من التمر بثمر هذه النخلة فقد قابل التمر الذي دفعه ثمر النخل بماذا؟ بالخرص.
فالجواب على ذلك أن نقول: إن الخرص ظن وتخمين، والكيل علم ويقين، ولا يمكن أن يقابل الظن والتخمين بالعلم واليقين، ولدينا قاعدة في باب الربويات وهي:"أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل"، ونحن الآن نجهل التساوي كيلاً؛ لأن الخرص ليس علماً بل هو ظن وتخمين، وكذلك أيضاً بالنسبة للعنب "إن كان كرما" أي: عنباً "أن يبيعه بزبيب كيلاً" الزبيب هو العنب المجفف، والكرم هو العنب الطري، فيكون رجل عنده شجرة من العنب وفيها عنب فيأتي إليه شخص ويقول: أنا أشتري منك عنب هذه الكرم بزبيب كما يأتي هذا العنب فيقول: يأتي إذا يبس خمسين صاعاً، فأقول: هذه خمسون صاعاً من الزبيب، فهذا مزابنة ولا يحل، وعلته ما سبق أن التساوي أو التماثل بينه وبين الزبيب مجهول، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، "وغن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام"، الزرع يشمل الشعير ويشمل البر، فهذا رجل عنده مزرعة يأتي منها مائة صاع فجاء إليه وقال: بعني هذه المزرعة بمائة صاع حب، الذي عبر عنه في الحديث بالطعام؛ لأنه يطعم، فنقول: هذا لا يجوز، والعلة فيه أنه بيع بر ببر أو شعير بشعير مع الجهل بالتساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، هذا الحديث إذن يدخل في باب الربا.
أرأيتم لو أنه باع تمر نخله بزبيب كيلاً فهل يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن بيع التمر بالزبيب لا تشترط فيه المماثلة، وكذلك لو باع ثمر نخله بطعام كيلاً فإنه لا بأس به؛ لأن هذا لا تشترط فيه المماثلة، وكذلك لو باع ثمر نخلة بطعام كيلاً فإنه لا بأس به؛ لأن هذا لا تشترط فيه المماثلة، لكن إذا باع تمراً بزبيب أو طعاماً ببر أو شعير فلا بد من التقابض لاشتراكهما في الكيل الذي هو علة الربا، بل في الكيل والطعام والقوت.