الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رأى على وجه المستفتي شيئا من الغرابة؛ لأن المستفتي أحيانا يثق بالمفتي ولا شك، لكن يستغرب الشيء، ويظهر ذلك من ملامح وجهه فيجب أن تطمئنه، وأحيانا إذا كان لا يهابه يقول: ما هذا؟ ما الدليل؟ على كل حال إذا وجدت المستفتي طالبا الدليل بلسان الحال أو المقال فينبغي أن تذكره له.
ومن فوائد الحديث: فضيلة أبي هريرة رضي الله عنه، حيث اعتمد في قضائه على قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقية الفوائد مثل الحديث السابق.
التحذير من مماطلة الغني:
828 -
وعن عمر بن الشريد، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لي الواجد يحل غرضه وعقوبته» . رواه أبو داود، والنسائي، وعلقه البخاري، وصححه ابن حبان.
قوله: "لي الواجد"، "اللي" بمعنى: المطل، و"الواجد" الغني القادر على الوفاء، وقوله:"يحل عوضه" أي: يبيحه، والعرض الكلام فيه، "وعقوبته" أي: تعزيره بما يراه الحاكم، والحديث هذا في بيان ما يجب على من عليه دين أو يبادر وألا يماطل فيه.
ففي الحديث أولا: التحذير من مماطل الغني بالدين، ووجهه: أن الشارع جعل هذا مبيحا لعرضه وعقوبته، مع أن الأصل أن عرض المسلم محرم وعقوبته كذلك محرمة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن لي غير الواجد لا يحل عرضه ولا عقوبته، يؤخذ من قوله:"لي الواجد"، فإن مفهومه أن غير الواجد لا يحل عرضه ولا عقوبته.
ويستفاد من هذا الحديث: تحريم مطل الغني ووجهه: أن الشارع أباح منه ما كان محترما وهو العرض والعقوبة ولاستباح المحترم إلا بشيء محرم.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز مطل غير الواحد؛ لأنه لا يستطيع، ويؤخذ من قوله:"لي الواجد"؛ لأنه لا يستطيع، والله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه لا يجب الوفاء إذا لم يطلب لقوله: "لي"، ولا مطل إلا بامتناع، فإذا سكت عنه فإن ذلك ليس بمطل منه، ولا يحل عرضه وعقوبته، ولكن الطلب نوعان: طلب باللفظ وطلب بالحال، الطلب باللفظ أن يقول صاحب الحق: أعطني، والطلب بالحال أن يؤجله فيقول: يحل بعد شهر، بعد سنة، فإن تأجيله يستلزم المطالبة به بلسان الحال عند حلول الأجل، ولولا ذلك ما أجله.
ومن فوائد الحديث: جواز تكلم صاحب الحق بمن ما طله لعموم قوله: «يحل عرضه» وهذا يشمل الشكاية وغيرها لكنه لا ينبغي أن يتكلم فيه بغير الشكاية إلا إذا كان في ذلك مصلحة، المصلحة قد تكون للطالب، وقد تكون لغيره، فالمصلحة للطالب أن يكون كلامه في هذا الرجل حاثا له على الوفاء، يعني: إذا رأى أنه يتكلم عند الناس به قال: أنا أوفيه وأسلم من شره، هذه المصلحة للطالب، وقد تكون لغيره بحيث يحظر الناس منه، فإن هذا مصلحة للغير؛ لأن كثيراً من الناس لا يعلم عن معاملة هذا الشخص، وقد يكون هذا الشخص على هيئة يحسن الظن به، ويكون الأمر بخلاف الواقع، فإذا تكلم به لمصلحة التحذير مننه كان هذا خيراً أما التكلم من أجل الشكاية فهو حاجة، إذن نقول: إنه يجوز أن يتكلم الطالب بالمماطل في الشكاية وفيما إذا كان هناك مصلحة له أو مصلحة لغيره وإلا فلا ينبغي أن يتكلم.
ومن فوائد الحديث: جواز عقوبة المماطل إذا كان واجداً لقوله: «وعقوبته» والمراد بالجواز هنا: رفع المنع، فلا يمنع أن تكون عقوبته واجبة، فلا ينافي أن تكون عقوبته واجبة، ولهذا يجب على ولاة الأمور أن يعاقبوا المماطلين حتى لا تضيع أموال الناس.
ومن فوائد الحديث: عناية الشرع بحماية الأموال؛ لأنه إنما أبيح عرض المماطل وعقوبته من أجل حماية المال.
هل نقول: إنه يمكن أن تقاس جميع الحقوق على هذا الحقوق المالية؟
الجواب: نعم، يمكن أن تقاس جميع الحقوق على الحقوق المالية، فإذا ماطل الزوج بحق زوجته أو الزوجة بحق زوجها كان داخلاً في هذا الحديث من باب القياس.
829 -
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» رواه مسلم.
«أصيب» يعني: أصابته مصيبة، وبين هذا قال:«فكثر دينه» فأفلس.
قوله: «في ثمار» جمع ثمر، والظاهر- والله أعلم- أنه تمر، لأن غالب ثمار المدينة في التمر، وقوله:«ابتعاعها» يعني: اشتراها، «فكثر دينه فأفلس» ، يعني: افتقر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«تصدقوا عليه» قال: يعني: للناس «تصدقوا عليه» أي: أعطوه صدقة لجبر كسره، والصدقة بذل المال تقرباً إلى الله عز وجل، وسميت صدقة؛ لأنها دالة على صدق إيمان صاحبها؛ لأن المال محبوب إلى النفس،
ولا يترك المحبوب إلا لما هو أحب منه، وما هو الذي أحب من المال بالنسبة للمتصدق؟ الثواب الذي يحصل له، فكونه يبذل ما يحب في هذه الدنيا رجاء لما يحبه في الآخرة دليل على صدق إيمانه، ولهذا سمي بذل المال تقربا إلى الله صدقة، فإن قصد به التودد والمحبة فهو هدية، وإن قصد به نفع الغير فقط دون التودد والمحبة ودون التقرب إلى الله فهو هبة، فبذل المال إذن إن أريد به التقرب إلى الله فهو صدقة، إن أريد به التودد فهو هدية، إن أريد به نفع المعطي فقط بقطع النظر عن كون الإنسان يتقرب إلى الله أولا يتقرب فهذا هبة، المراد هنا:«تصدقوا عليه» أي: أعطوه مالاً متقربين بذلك إلى الله، فتصدق الناس عليه امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، يعني: لم يصل إلى وفاء الدين مثل أن يكون دينه ألف درهم فجمع له خمسمائة فهنا المجموع لم يصل إلى حد الدين ولم يف به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه:«خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» ما الذي وجدوه؟ الذي وجدوه ما تصدق به الناس؛ لأن الرجل أفلس ما بقي عنده شيء.
فإذا قال قائل: بماذا كثر دينه وكيف أفلس، هل لأن الثمار فسدت وصار ضمانها عليه، أو لغير ذلك؟
الجواب: أن العلماء اختلفوا في هذا؛ فقيل: لأن الثمار فسدت، وإذا فسدت نقصت قيمتها، أو عدمت بالكلية، قالوا: وهذا دليل على أن قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بعت من أخيط ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ » دليل على أن هذا الحديث إنما هو سبيل الاستحباب، أعني قوله:«فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً» وعلى هذا القول تكون الجوائح غير موضوعة، فجعلوا هذا الحديث معارضاً للحديث السابق، وجمعوا بينهما بأن الحديث السابق على وجه الاستحباب، وأن لبائع الثمار أن يلزم من اجتيحت الثمار عنده بالقيمة كاملة، ولكن هذا الجمع غير صحيح، لأن مبني على فهم غير صحيح مبني على أن بين الحديثين تعارض، والواقع أنه ليس بينهما تعارض، بل كل واحد منهما له وجه، كيف ذلك؟ نقول: الرجل في حديث أبي سعيد يحتمل أنه أصيب بنزول السعر، فمثلاً إذا اشترى بعشرة آلاف، إذن هو أصيب بنزول السعر هذا وجه، ويحتمل أنه أصيب بثمار، أي: أخر جزها عن وقت العادة، فجاءت الأمطار فأصابتها، وفي هذه الحال الضمان على المشتري؛ لأنه هو الذي فرط بتأخير جزها في أوانه، والبائع ليس منه تفريط، إذن فللحديث هنا وجهان:
الوجه الأول: أن تكون الثمار رخصت فنقص، والثاني: أن يكون أخر جزها عن عادته فأصيب
بالأمطار أو ما أشبه ذلك، وبهذا عرفنا أن هذا الحديث له وجه والحديث الأول له وجه آخر، وأما حمل الحديث الأول على الاستحباب، فهذا لا يمكن؛ لأن لفظ الحديث يمنع من هذا حيث قال: «فلا يحل لك
…
إلخ» فكيف تحمل هذا على الاستحباب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:«فلا يحل لك» ويعلل هذا بأنك أخذته بغير حق؟ فالحمل هذا ضعيف، ولهذا نعرف أن مدارك أهل العلم تختلف اختلافاً عظيماً، والآفة تأتي من كون الإنسان يعتقد أولاً ثم يستدل ثانياً، لأنه إذا اعتقد أولاً أن الحكم كذا وكذا صار كلما أتى نص يخالف ما يعتقد حاول أن ينزله على ما يعتقد، وهذه آفة عظيمة، هذه الطريق توجب أن يكون الإنسان قد جعل النصوص تابعة لا متبوعة، والواجب على الإنسان أن يجعل النصوص متبوعة لا تابعة حتى يسلم من هذه الآفة.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: أنه لا حاجة إلى العناية باسم صاحب القضية لقوله: «أصيب رجل» وكثير من الناس يتعب في تعين صاحب القضية، وربما يقضي أوقاتاً كثيرة في مراجعة بطون الكتب لعله يعرف من هذا وهذا لا حاجة إليه، إذ إن المقصود بالقضية معرفة الحكم الناتج عن مجريات أمورها.
ومن فوائد الحديث: جواز بيع الثمار على رءوس النخل لقوله: «في ثمر ابتاعها» هذا هو الظاهر، مع أنه يحتمل أن الرجل ابتاع الثمار بعد جزها، وهذا وجه ثالث أضيفوه إلى الوجهين السابقين حتى لا يكون هذا معارضاً للحديث الأول.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لذي الجاه المطاع أن يشفع لمن أصيب، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصدقة عليه، هذا الأمر هل هو للوجوب؟ لا، ولكن للمشورة والاستحباب، وقرينة ذلك أنه أمر بالصدقة، والصدقة ليست بواجبة.
ومن فوائد الحديث: مبادرة الصحابة- رضي الله عنهم إلى امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: «فتصدق الناس عليه» والفاء تفيد الترتيب والتعقيب.
ومن فوائد الحديث: أنه لا حق للغرماء فيما زاد على ما عنده لقوله: «وليس لكم إلا ذلك» ولكن هل هذا يعني سقوط بقية الدين، أو أن المراد سقوط الطلب ببقية الدين؟
الصحيح: أن المراد به الثاني سقوط الطلب ببقية الدين، لا أن الدين يسقط.
فإذا قال قائل: ما الذي حمل الحديث على ذلك مع أن ظاهره خلافه؟
الجواب: أن نقول: إن الدين لما ثبت في ذمته صار مالاً للغير، ومال الغير لا يسقط إلا بإسقاط لقول الله تعالى:{إلا أن تكون تجارة عن تراضي منكم} [النساء: 29] فما دام صاحب الدين لم يرض بسقوط ما بقي فهو له.
فلو قال قائل: لو مات المفلس في هذه الحال قبل أن يقدر على وفاء دينه فهل يأثم؟