الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي مفسدة، لاسيما إذا حدد أكثر المد بأن قال: تؤجرني مدة لا تزيد على سنة حتى أجد البيت، فإن هذا أقرب إلى العلم بتحديد أكثر المدة مع أن الصحيح الجواز حتى وإن لم يحدد أكثر المدة.
ومن فوائد الحديث: قوة عمر في الحق لقوله: "حتى أجلاهم عمر".
فإن قال قائل: كيف يجليهم عمر وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشأ أن يجليهم، والشرط الذي اتفقوا فيه مع الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يقرهم على ما شاء؟
فالجواب عن ذلك يسير جدًا أن يقال: إن قوله: "على ما شئنا" إنما قاله باعتبار أنه هو الولي الأعلى للأمة فخليفته يقوم مقامه، فهذا عقد لعموم المسلمين للمصالح العامة، والخليفة الذي يأتي بعد الخليفة الأول يكون نائبًا عنه، وعلى هذا فلا يكون في فعل عمر مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم:"نقركم على ما شئنا".
ومن فوائد هذا الحديث: التصريح بأنه يجوز أن يكون البذر من العامل؛ لقوله في رواية مسلم: "على أن يعتملوها من أموالهم".
إجارة الأرض:
868 -
وعن حنظلة بن قيس رضي الله عنه قال: «سألت رافع بن خديج رضي الله عنه عن كراء الأرض بالذهب والفضة؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات، وإقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به» . رواه مسلم.
- وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض.
رافع بن خديج كان من الأنصار، وكانت الأنصار رضي الله عنهم أكثر الناس زرعًا لهم زروع كثيرة، وكانوا يتعاملون بالمزارعة؛ لأن من له حقول كثيرة لابد أن يعلم.
قال: «سألت عن كراء الأرض بالذهب والفضة» يعني: أنه جائز، مثل: آجرتك هذه الأرض كل سنة مائة درهم على أن تزرعها، الزرع لمن؟ الزرع للمستأجر، ولرب الأرض الأجرة، وليس هذا من باب المشاركة؛ لأن عقد الأجرة مستقل، وعلى هذا فلا يرد علينا أنه ربما يزرع الأرض ولا يحصل مقدار الأجرة وربما يزرع الأرض ويحصل له أضعاف أضعاف الأجرة، لا يقال: إن هذا غرر؛ لأنها ليست من باب المشاركة بل هي من باب الأجرة وأنا أجرتك كل سنة
بمائة درهم، زرعتها أو لم تزرعها لا دخل لي، أنا لي أجرة معينة عقد مستقل سواء خسرت أو ربحت، ولهذا أجاب رافع قال:"لا بأس به" أي: أنه جائز، والبأس هنا بمعنى: الحرج يعني: ليس فيه حرج ولا ضيق، إنما هو جائز، إنما قال: "وإنما كان
…
إلخ"؛ لأن من العلماء في عهد رافع من منع أجرة الأرض، وقال: لا يجوز أن يؤجر الإنسان أرضه، بل إن كان به قدرة على زرعها زرعها وإلا أعطاها أخاه المسلم يزرعها، وليس لصاحب الأرض شيء، ولا يجوز أن يأخذ عليها أجرة، كما سيأتي في حديث لم يذكره المؤلف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من كان عنده أرض أن يزرعها أو يمنحها لأخيه، ومنع من الإجارة والمزارعة، فرافع رضي الله عنه قال: إن هذا لا بأس به، ثم استدل قال: "إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
…
الخ".
"الماذيانات" هي ما على مسايل الماء، يعني: الذي يكون على البركة، أو على الساقية، أو على النهر، يقول: ما على أطرافه فهو لك والباقي لي، هذا لا يجوز؛ لأنه قد يكون الذي على الماذيانات كثيرًا والآخر قليلاً، أو يكون العكس، هذا غرر لا يجوز؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لم يشترك صاحب الأرض والمزارع في المغنم والمغرم.
وقوله: "أقبال الجداول" يعني: السواقي التي تتفرع من الماذيانات، وهي معروفة من شاهد المزراع عرفها، و"أقبال" يعني: مقدم وأوائل الجداول، يقول: لك أول هذا السقي ولي آخره، أو العكس، وأشياء من الزرع يعينها، فيقول: أعطيتك الأرض تزرعها لي الجانب الشرقي ولك الجانب الغربي، أو لي الجانب الشمالي ولك الجانب الجنوبي، أو لي الشعير ولك الحنطة، أو لي السكري في النخل ولك الشقر، أو ما أشبه ذلك في أشياء من الزرع، هذا أيضًا لا يجوز، ولهذا قال:«فيهلك هذا ويسلم هذا، ويهلك هذا ويسلم هذا» يعني: يسلم ما عين لمالك الأرض ويهلك ما عين للمزارع أو العكس.
قال: "فلذلك" اللام: للتعليل، أي: فلأجل هذا الغرس والجهالة زجر عنه، أيكنهى بشدة، والزاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال:"على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" فالضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم زجر عنه الناس لما فيه من الغرر، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به، يعني: فأما إذا ذكر شيء معلوم مضمون فلا بأس به، ما هو المعلوم المضمون؟ الأجرة؛ لأنه سئل عن كراء الأرض بالذهب والفضة، وكراء الأرض بالذهب والفضة شيء مضمون معلوم للجميع، مضمون لصاحب الأرض؛ لأنه أعطاه الأرض بمائة درهم مضمون فهذا جائز.
وقوله: «وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض» ، يعني: أنه ثبت
في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض، فحمل هذا على أن المراد بذلك: الكراء الذي يؤدي إلى الجهالة، أما الكراء المعلوم فإنه لا بأس؛ لأن الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الشرع على تحريمه.
في هذا الحديث فوائد منها: حرص السلف على السؤال عن العلم، وسؤال السلف عن العلم إنما يصدون به العمل لا يقصدون به أن يعلموا ما عند الإنسان من علم، خلافًا لما يفعله كثير من الناس اليوم، تجده يسأل العالم لينظر ما يجد ما عنده من العلم، ثم يسأل عالمًا آخر وهكذا، أما السلف فإنهم يسألون عن العلم من أجل أن يعملوا به، وهذا فرق بين بين السؤالين.
ومن فوائد الحديث: جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، يعني: أن أستأجر منك أرضك لأزرع فيها بدراهم أو دنانير، الدراهم الفضة، الدنانير بالذهب، فجوز أن أستأجر منك أرضك لمدة سنتين أو ثلاث كل سنة بكذا من الدراهم، أو من الدنانير وأزرع فيها وأنا وحظي قد أكسب من الزرع أضعاف أضعاف الأجرة، وقد أخسر، لكن صاحب الأرض ليس له أجرة معينة.
وهل يقاس على ذلك ما لو استأجرتها بمائة كيلو من التمر أو مائة كيلو من البر أستأجرها بمنقول غير الطعام كأن أستأجرها بسيارة أو قطعة أرض أو ما أشبه ذلك؟
الجواب أن يقال: نعم لا بأس به، وعلى هذا فيجوز أن أكري الأرض بأصواع معلومة من البر لمن يزرعها من البرد بشرط ألا أقول: إنها مائة صاع مما تزرع؛ لأني لو قلت: مائة ضاع مما تزرع لكان في ذلك غرر؛ لأنه يكون حينئذ مزارعة، والمزارعة لا يجوز فيها اشتراط شيء معين لأحدهما، مثلاً استأجرت منك هذه الأرض بمائة صاع من البر لأزرعها برًا هذا جائز ويثبت في ذمة المستأجر مائة صاع بر سواء زرع أم لم يزرع، اتفقت معك على أن أزارعك هذه الأرض ولي من الزرع الذي يخرج مها مائة صاع، والباقي لك هذا لا يجوز؛ لأن هذه شركة والمشاركة لابد أن تكون مبنية على العدل، وهو الاشتراك في المغنم والمغرم، وأنا إذا اشترطت مائة صاع مما يخرج منها من البر فأنا غانم وأنت قد تكون غانمًا وقد تكون غارمًا؛ لأن الزرع قد يحصل منه شيء كثير مئات الأصواع، وقد لا يحصل منه إلا مائة وقد لا يحصل منه إلا أقل، وقد لا يحصل منه شيء إطلاقًا فهذه المشاركة لم يتساو فيها الشريكان في المغنم والمغرم وإذا لم يتساو فيها الشريكان كانت ميسرًا وغررًا وحرامًا، إذن لو آجرتك إياها بثلث ما يخرج منها هل يجوز؟
نعم يجوز، فصارت الأجرة تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول: أن تكون الأجرة بشيء مما يخرج من الأرض آصع معلومة مما يخرج من الأرض فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ميسر فهو مزارعة لكن مبنية على ميسر.
الثاني: أن يكون بشيء معلوم من جنسه لا منه هذا جائز.
الثالث: أن يكون بجزء مشاع كنصف وثلث وربع هذا أيضًا جائز، وهو في الحقيقة مزارعة.
الرابع: أن يكون بذهب وفضة أو غيرهما مما يجوز أجرة فهذا أيضًا جائز ولا بأس به ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز المؤاجرة بشيء معلوم لأحدهما من الخارج من الأرض مثل الماذيانات وأقبال الجداول، وما على البركة من النخل وما أشبه ذلك، هذا لا يجوز؛ لأنه غرر، والمشاركة مبنية على التساوي في المغنم والمغرم.
ومن فوائد الحديث: كمال الشريعة الإسلامية؛ وذلك بتحريم المعاملات المتضمنة للغرر لما في هذه المعاملات من إلقاء العداوة والبغضاء؛ لأنها إذا كانت غير مبنية على العدل، فإن من يتصور نفسه مغلوبًا فسوف يكون في نفسه شيء على الغالب فتقع العداوة بين المسلمين.
ومن فوائد الحديث: حرص الشرع على إبعاد الناس عن كل ما يلقي العداوة والبغضاء بينهم لأننا نعلم أن الحكمة في منع معاملات المغالبات هي اتقاء ما يحصل بها من العداوة والبغضاء، ودليل ذلك قوله تعالى:{يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219]. وبين الله تعالى أن إثمهما أكبر من نفعهما، وقال:{يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه لعلمكم تفلحون إنما يريد الشطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم} [المائدة: 90، 91]. الخمر واضح أنه يلقي بالعداوة؛ لأنه ربما يجترئ السكران على من عنده بالأذى والضرر، وربما بالقتل، والميسر كذلك؛ لأن المغلوب سوف يكون في قلبه شيء على الغالب وربما يقول: إنك لم تغلبني، ويحصل نزاع وعداوة.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمسئول إذا سئل عن شيء أن يبين الجائز والممنوع إذا كان يحتاج إلى تفصيل، بل قد يجب عليه؛ لأن رافع بين خديج بين ما هو جائز وما هو ممنوع.
ومن فوائد الحديث: أن الدين الإسلامي أصلح المعاملات الجارية بين الناس في الجاهلية كما أصلح العبادات؛ لأنهم في الجاهلية يؤاجرون على هذا الوجه الذي فيه الغرر، فأصلحه الشرع، مثل: المضاربة، فإن المضاربة كانت معروفة في الجاهلية فأقرها الشرع، ومنها ما منع الشرع ما كان محرمًا مائة وأبقى ما كان جائزًا كالربا مثلاً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس في عرفة، قال: ربا الجاهلية موضوع وأبقى رأس المال، فقال:«وأول ربًا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» ، فهنا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أصل رأس المال ومنع الزيادة، القسم الثالث: ما عدله يعني: معناه أنه كان يتعامل به الناس على وجه غير مرضي