الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يوم النحر أفضل أيام شهر ذي الحجة؛ لأن الله سماه يوم الحج الأكبر وقيل: يوم عرفة أفضل منه، والأصح أن كل واحد منهما له مزية ليست للآخر، أفضل الأشهر الحرم: الثلاثة المتوالية: شهر ذي الحجة؛ لأن شهر ذي الحجة اكتنفه شهران محرمان هما ذو القعدة ومحرم، مكة معلومة أعظم حرمة في الأمكنة، مكة ويليها المدينة، ويليها القدس.
ومن فوائد الحديث: أولاً: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ الشريعة، وأنه ينتهز الفرصة ليبلغها في الأماكن العامة، ولهذا ينبغي لطالب أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الشريعة في الأماكن العامة، لكن بشرط أن يكون الناس مستعدين لقبول كلامه وخطبته لا أن يأتيهم في مكان غير لائق.
ثانيًا: من فوائد الحديث: استحباب خطبة الإمام في الحج يوم النحر أو نائبه في الحجيج، لأن أهل العلم يقولون: إنه ينبغي أن يكون للحج إماما إما الإمام الأعظم إن تيسر وإما نائبه؛ لأن الناس غالبًا يحتاجون إلى إمام يقتدون به، ولهذا لما تخلف الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة عن الحج أمر على الناس أبا بكر رضي الله عنه، فلابد للحجاج من أمير، من جملة وظائف الأمير في الحج: أن يخطب الناس يوم النحر، ويوم عرفة أيضًا يعلمهم القواعد العامة في الشريعة والأحكام الخاصة في الحج.
ومن فوائد الحديث: تأكيد تحريم الدماء والأموال؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أكد ذلك بتأكيد حرمة الزمان والمكان الشهر واليوم والبقعة.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن يلقي المتكلم على السامع ما يجعله ينتبه ويستعد لقبول ما يلقى إليه، وهذا بناء على ما أشرت إليه في الحديث أنه سألهم أي يوم هذا؟ .. إلخ.
****
13 - باب الشفعة
الشفعة: مأخوذة من الشفع، والشفع ضد الوتر، وسميت شفعة؛ لأن الشفيع يشفع المشتري في استبقاء المبيع؛ وذلك لأن الشفعة هي انتزاع الشريك حصة شريكه ممن اشتراها منه، مثال ذلك: رقم واحد له شريك، رقم اثنين، فباع رقم واحد على رقم ثلاثة على غير الشريك، الشريك الآن رقم واحد خرج؛ لأنه باعه على رقم ثلاثة غصبًا عليه بدون رضاه حتى لو قال: أنا اشتريت وسلمت الثمن وكتبت باسمي نقول: ولو كان كذلك أنا لي الحق أن أنتزعها منك غصبًا، إذن تعريف الشفعة اصطلاحًا: انتزاع الشريك حصة شريكه ممن اشتراها منه.
حكم الشفعة:
حكمها: أنها ثابتة بدليل السنة، واختلف العلماء هل هي على وفق القياس؛ أو على خلاف القياس فبعضهم قال: إنها ليست على القياس؛ لأن المشتري يؤخذ من حقه بغير رضاه، إذن
هي على خلاف القياس؛ لأن القياس ألا يؤخذ المال إلا برضا: {يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجرة عن تراضٍ منكم} [النساء: 29]. ولكنه لا يصح القول أبدًا أن في الشريعة ما هو على خلاف القياس، كل ما في الشريعة فهو على وفق القياس؛ لأن معنى خلاف القياس أن العقل لا يؤيده أو أنه مناقض للقاعدة المطردة في الإسلام، لكن ليس في الشريعة الإسلامية ما يخالف العقل، وليس في الشريعة ما يخالف القواعد العامة في الشريعة.
فإن قال قائل: أليس يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه".
فالجواب: أن هذا الحديث إن صح لأنه مختلف في تصحيحه ولكنه حسن فمراده بالرأي الذي يكون بادي الرأي لأول وهلة، أما عند التأمل فإنه يتبين أن مسح أعلى الخف أولى من مسح أسفله، كيف؟ لأن المسح ليس غسلاً حتى نقول: إنه يحصل به التنظيف، وأنت لو مسحت أسفل الخف لازداد تلويثًا ولوث يدك أيضًا؛ فلهذا كان العقل والرأي العميق أن يسمح أعلى الخف؛ لأنه يحصل به التعبد لله تعالى، فليس في الإسلام - ولله الحمد - ما يخالف العقل وما يخالف القياس، وما ذكر من أن السلم والشفعة والإجارة والنكاح على خلاف القياس ليس بصحيح حتى النكاح على خلاف القياس مشكل كيف ذلك؟ قالوا: نعم؛ لأن المعقود عليه المنفعة وهي مجهولة ربما تموت المرأة أو ليلة وربما تبقى عشرين سنة فهي مجهولة، إذن هذا عقد على شيء مجهول فهو مخالف للقياس، لكن نقول: ليس في الشريعة الإسلامية ما يخالف القياس، تأمل حتى يتبين لك أن الشريعة كلها على وفق القياس، الشفعة الآن وهي التي استطردنا في الكلام من أجلها، الشريك ينتزع من المشتري حصة شريكه قهرًا فيأتي المشتري يصبح قهرني هذا الرجل أخذ مالي غصبًا علي ما هذا القياس؟ نقول: نعم، هذا هو القياس، أنت رجل جديد وهذا أمكن منك في الملك، وربما تنكد عليه، وكم من شريك تمنى شريكه ألا يكون معه شركة إطلاقًا، فلدفع ما يخشى منه من المخاصمات والمنازعات والمضادة، جعل الشارع للشريك أن يشفع فصار موافقًا للقياس تمامًا؛ لأن الشريعة تدرأ كل ما يمكن أن يكون فيه نزاع وبغضاء، وإذا جاء هذا الشريك الجديد وصار شاذا وعقبه كئودًا أتعب من الشريك الأول؛ ولهذا إذا كان المشتري الجديد شريكًا يشتري بالثمن هل يشفع الشريك الأول؟ الغالب ألا يشفع، يقول: الحمد لله الذي أبدل درهمنا شريكنا الأول بدينار ويبقيه، لكن يأتي رجل مجهول أو رجل يعرف بسوء الشركة وينزل علي ويتعبني، إذن الشفعة موافة تمامًا
للقياس وهي مقتضى الشرع؛ لأنا نعرف أن الشريعة الإسلامية تنبذ كل شيء يؤدي إلى النزاع والعداوة والبغضاء: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه"، "لا ينكح على نكاحه" لا يؤجر على إجارته، لا يسم على سومه، كل شيء يوجب العداوة والبغضاء الشريعة تمحوه محوًا ولا تأتي به أبدًا، ولننظر إلى الحديث الأول:
860 -
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» . متفق عليه، واللفظ للبخاري.
"قضى" بمعنى: حكم، والقضاء إما أن يكون كونيا وإما أن يكون شرعيًا، فإن كان مما يتعلق بالشرع فهو شرعي، وإن كان مما يتعلق بالكون فهو كوني، ففي قوله تعالى:{وقضينا إلى بني إسراءيل في الكتب لتفسدن في الأرض} [الإسراء: 2]. هذا قضاء كوني ولا يمكن أن يكون قضاء شرعيًا؛ لأن الله لا يقضي بالفساد ولا يحب الفساد ولا المفسدين، وفي قوله تعالى:{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23]. هذا شرعي، يعني: أمر ولذلك لم يكن كل الناس يعبدون الله، وفي قوله تعالى:{والله يقضى بالحق} [غافر: 20]. شمول لهما جميعًا يقضي شرعًا وقدرًا وكونًا بالحق: {والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيءٍ} ، وقوله هنا:"قضى بالشفعة" أي: قضاة شرعيًا حكم حكمًا شرعيا بالشفعة، أي: بأن ينتزع الشريك حصة شريكه ممن أشتراها منه.
"في كل ما لم يقسم"، هنا عمومان "كل" و"ما" و"فكل" من صيغ العموم، و"ما" اسم الموصول من صيغ العموم، "كل ما لم يقسم" قضى بالشفعة فيه فلو باع رجل نصيبه من سيارة مشتركة فإن الحديث يدل على أن فيها الشفعة، ولو باع نصيبه من كتاب فإن الحديث يدل على أن فيه الشفعة، ولو باع نصيبه من أرض فالحديث يدل على أن فيها الشفعة، ولو باع من بستان، فالحديث يدل على أن فيها الشفعة، ولو باع نصيبه من بيت فالحديث يدل على أن فيه الشفعة، يؤخذ من عموم قوله:"في كل ما لم يقسم" فيشمل العقار، والمنقول، والجماد، والحيوان، وكل شيء هذا عموم لفظي، المعنى أيضًا يقتضيه؛ لأن الضرر الحاصل بالشريك الجديد لا يختلف فيه عقار وغيره بل قد يكون العقار أهون من غيره، لكن قال:"فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" وهذا الوصف لا ينطق إلى على ما كان عقارًا؛ لأن غير العقار ليس فيه حدود ولا تصريف طرق، فمن ثم ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا شفعة إلا في العقار؛ لأن قوله:"فإذا وقعت الحدود" الفاء للتفريع، والتفريع يدل على أن المفرع عليه يوافق الفرع في الحكم، فعلى هذا الرأي يكون العموم في قوله:"في كل ما لم يقسم" عمومًا أريد به الخصوص،
أي: في كل ما يقسم من الأرض والعقار وشبهها مما له حدود وطرق، وبناء على ذلك لا شفعة في منقول، ما هو المنقول؟ هو الذي ينقل كالسيارات والحبوب الثمار والثياب؛ لأن هذه كلها ليس لها حدود ولا طرق، ثم إن قوله:"إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" استدل به أيضًا بعض الفقهاء على مسألة أخص من مطلق العقار، وقالوا: إن الشفعة لا تجوز إلا في عقار يمكن قسمه وتحديه، فأما ما لم يمكن قسمه من العقار فليس فيه شفعة، مثل البيوت الصغيرة والبساتين الصغيرة التي لا يمكن أن تقسم، فهذه ليس فيها شفعة، وبناء على هذا القول تكون الأشياء ثلاثة أقسام: منقول وعقار يمكن قسمته وعقار لا يمكن قسمته، فالمنقول ليس فيه شفعة، والعقار الذي لا يمكن قسمته ليس فيه شفعة، والعقار الذي يمكن قسمته فيه شفعة؛ لأن قوله:"فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" يدل على أن هذا العقار مشترك يمكن أن تقع فيه الحدود وتصرف فيه الطرق، ولنضرب لهذا ثلاثة أمثلة: المثال الأول: رقم واحد واثنين شريكان في سيارة، فباع رقم اثنين على رقم ثلاثة نصيبه من السيارة فهل لرقم واحد أن يأخذه بالشفعة من رقم ثلاثة؟ لا، لماذا؟ لأن هذا منقول.
واحد واثنين شريكان في بيت صغير لا يمكن أن ينقسم فباع رقم اثنان على رقم ثلاثة نصيبه فهل لرقم واحد أن يشفع على رقم ثلاثة؟ لا، لماذا؟ لأنه لا تمكن قسمته، والحديث يقول:"إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، ومن المعلوم أن ضرر الشريك في عقار لا تمكن قسمته أعظم من ضرر الشريك الجديد في عقار تمكن قسمته، لماذا؟ لأن العقار الذي تمكن قسمته إذا رأى الشريك الأول ضررًا من الشريك الجديد قال لهم القسمة، وقال: قسمه وتخلص منه، لكن المشكل إذا كان العقار لا ينقسم فهذا لا يمكن أن يطلب القسمة؛ لأنه لو طلب القسمة قال: لا يمكن أن ينقسم وحينئذ يبقى ضرره متحققًا لا يمكن دفعه، وهذا لا شك أن الشريعة العادلة لا يمكن أن تثبت الشفعة فيما تمكن قسمته وتمنع الشفعة فيما لا تمكن قسمته؛ لأن هذا خلاف الصواب في المسألة.
إذن عندنا الآن ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الشفعة تثبت في كل شيء، القول الثاني: أن الشفعة تثبت في كل عقار يمكن قسمته أو لا يمكن، القول الثالث: لا تثبت إلا في عقار يمكن قسمته، وقد علمتم وجهة النظر من الحديث، ولكننا إذا تأملنا وجدنا أن القول الصحيح أن الشفعة ثابتة في كل شيء حتى في المنقول، فلو باع شخص سيارة، يعني: رقم واحد واثنان شريكان في سيارة باع رقم اثنان على رقم ثلاثة نصيبه من هذه السيارة فلرقم واحد أن يشفع على رقم ثلاثة ويأخذ نصيبه؛ لأن عموم قوله: "كل ما لم يقسم" يتناول هذه الصورة، فأما التفريع فإن القول الراجح أن ذكر الحكم لبعض أفراد العموم لا يقتضي تخصيص العموم،
يعني: إذا جاء عموم ثم فرع عليه بذكر حكم يختص ببعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص، ولهذا قال الجميع في قوله تعالى:{والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 228]. قالوا: إن الآية عامة في البوائن والرواجع، يعني: يشمل المطلقة ثلاثًا والمطلقة واحدة، يعني:"أل" في المطلقات من ألفاظ العموم ولم يقولوا: إنه خاص بالرجعيات؛ لأنه فرع عليه قوله: {وبعولتهن أحق بردهن} فإن قوله: {وبعولتهن} خاص بالرجعيات ومع هذا قالوا: إن العموم في قوله: {والمطلقت} باق على عمومه شامل لمن بعلها أحق بردها ولمن لا يحق لبعلها في ردها، إذن القول الصحيح أنه شامل لكل شريك باع حصته في مشترك فإن لشريكه أن يشفع، وفهم من قوله:"فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" أنه لا شفعة للجار؛ لأنه إذا وقعت الحدود صار الشريك جارًا وليس شريكًا، يعني: لو أن واحدا أو اثنين شريكان في أرض اقتسماها ووضعا الحدود صار الشريكان الآن جارين؛ لأنه وقعت الحدود، فهذا الحديث يدل على أن الجار ليس له شفعة لأنه وقعت الحدود، لكن الحديث عندنا فيه أمران: وقوع الحدود وتصريف الطرق، فيؤخذ من هذا أنه لو وقعت الحدود ولم تصرف الطرق فالشفعة باقية، مثل أن تكون الأرض ليس لها إلا شارع واحد فقسمت فصار الشارع مشتركًا بين الجارينن فظاهر الحديث أن الشفعة باقية؛ لأنه اشترط أمرين، الأول: وقوع الحدود وبه يثبت الجوار وتنتفي الشركة، يعني: يكون جارًا لا شريكًا، اشترط شيئًا آخر وهو تصريف الطرق فإن بقي الطريق واحدًا فالشفعة باقية، والحكمة من ذلك: أنه إذا بقي الطريق واحدًا فإن الأذى يحصل من الشريك الجديد، في أي شيء؟ في المشاركة في الطريق، كل يوم يوقف سيارته بالطريق، وأحيانًا يوقف أكبر من ذلك ونكون كل يوم في نزاع هذا تعب، هو يقول: أنا شريكك في هذا الطريق ماذا أقول؟ نعم أنت شريكي فيقول: أفعل ما أريد أوقف سيارة أو أي شيء، إذن فيه تعب فحينئذ نقول لهذا الجار: لك الشفعة؛ لأن الحديث يدل على أنه لابد من شيئين: وقوع الحدود، وتصريف الطرق، فإذا وقعت الحدود ولم تصرف الطرق فالحكم باقٍ، والشفعة باقية وعليه فنقول: هذا الحديث يدل على أنه ليس للجار شفعة إلا إذا كان بينه وبين جاره طريق مشترك.
- وفي رواية مسلم: «الشفعة في كل شركٍ: في أرضٍ، أو ربعٍ، أو حائطٍ» .
"في كل شرك" أي: في كل مشترك، "في أرض أو ربع أو حائط"، "أرض" واضحة، "ربع": دار "حائط": بستان، فهذه ثلاثة أشياء، أرض بيضاء مشتركة إذا باع أحد الشريكين فلشريكه الشفعة،
ربع يعني: دارًا مشتركة بين اثنين باع أحدهما نصيبه فلشريكه الشفعة، "حائط": بستان باع أحد الشريكين نصيبه منه فلشريكه الشفعة.
قوله: "لا يصلح"، وفي لفظ:«لا يحل أن يبيع حتى يعرض على شريكه» .
لا يحل أو لا يصلح؛ لأن نفي الصلاح نفي للحل وزيادة؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» يعني: لا يحل، "فلا يصلح" كقوله:«لا يحل أن يبيع حتى يعرض على شريكه» ، الضمير في قوله:«أن يبيع على الشريك» ؛ لأنه قال: "في كل شرك"، إذن لا يحل أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فإذا حرج أو ساوم على الأرض وأراد أن يبيع فإنه لا يحل له أن يبيع حتى يعرض على شريكه وينظر هل له نظر في هذا الشخص أو ليس له نظر، ووجه التحريم: أن فيه قيامًا بحق الجار؛ لأن الشريك جار وزيادة، فإذا كان جار له حق فالشريك من باب أولى شريك مخالط مقارب وهذا مخالط، أيهما أعظم حقًا؟ الشريك المخالط، فإذا كان جارك له عليك حق فكذلك الشريك من باب أولى.
ثانيًا: أنه إذا عرض عليه وكان له رغبة كان أهون من أن ينتزعها من المشتري أولاً؛ لأنه إذا اشتراها قبل أن يبيعها شريكه لم يكن هناك أحد ينازع؛ لأنها لم تنقل لأحد.
ثالثًا: أنه ربما إذا اشتراها أحد يتصرف فيها تصرفًا يمنع الشفعة؛ لأن المشتري لو وقف الأرض التي اشتراها امتنعت الشفعة؛ لأن الوقف لا يمكن بيعه فيفوته هذا النصيب.
رابعًا: أنه إذا عرض عليه واختاره سلم من منازعة المشتري؛ لأن المشتري ربما ينازع يكون عنده قوة فيحصل عداوة بين المشتري وبين الشريك، ومن أجل هذه المصالح حرم النبي صلى الله عليه وسلم على الشريك أن يبيع حتى يعرض على شريكه، لكن إن باع فهل يصح البيع أو لا يصح؟ البيع صحيح مع الإثم، وذلك لأن النهي هنا لا يعود إلى معنى في العقد، وإنما يعود إلى حق الغير فلم يمنع صحة البيع، فالبيع صحيح لكنه قد فعل إثمًا والبيع هنا لا يسقط حق الشريك من الشفعة إلا أن يتصرف المشتري تصرفًا يمنع الشفعة فحينئذ يضيع حقه.
- وفي رواية الطحاوي: «قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفة في كل شيءٍ» . ورجاله ثقات.
في رواية مسلم: «الشفعة في كل شرك» ، ثم أبدل من هذا العموم بعضًا من كل فقال:«في أرض أو ربع أو حائط» ، وهذا يسمى بدل بعض من كل في إعادة العامل وهو "في"؛ لأنه لو كان بدلاً بدون إعادة العامل لقال: في كل شرك أرض أو ربع أو حائط لكنه بدل بإعادة العامل، فهل البدل يخصص المبدل منه؟ ينبني على ما سبق، وقد يقول: إنه لا يخصص، وأن المراد بهذا
البدل التمثيل، يعني: مثل الأرض مثل الربع مثل الحائط وتكون، رواية مسلم موافقة لرواية الطحاوي التي فيها:"كل شيء" عام.
وقوله: "ورجاله ثقات" إذا قال أهل الحديث: رجاله، فالمراد: الرواة، حتى لو فرض أن السند كله نساء لا يمكن أن يقول: نساؤه ثقات، بل يقول رجاله؛ لأن المراد الرواة.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: ثبوت الشفعة في المشترك لقوله: «قضي النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم» .
ومن فوائد الحديث: أنه لا شفعة لجار إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق.
ومن فوائده: ثبوت الشفعة للجار إذا شارك جاره في الطريق، ويقاس عليه كل منفعة يشتركان فيها كما لو كانا شريكين في البئر، أي: أن الجارين بينهما وادي شريكان فيه فباع أحد الجارين، فلجاره أن يشفع؛ لأن بينهما شيء مشترك وهو البئر، فهو كالطريق بل قد يكون أشد الطريق إذا قل ماء البئر وكان أحد الجارين أرضه كبيرة، والثاني أرضه صغيرة، فقال صاحب الأرض الكبيرة: نريد أن نحفر زيادة، الماء قل، فقال صاحب الصغيرة: لا هذا يكفينا؛ لأنه لا يحتاج إلى ماء كثير حينئذ يتنازعان فتحصل العداوة والبغضاء، فإذا كان الجاران مشتركين في شيء من حقوق الملك ومصالح الملك فللجار أن يشفع.
ومن فوائد الحديث: ثبوت الشفعة في كل شيء مشترك لقوله: «في كل ما لم يقسم» ، «في كل شرك» «في كل شيء» ، كلها عمومات وتفريع حكم بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص.
ومن فوائد الحديث: تحريم بيع الشريك بيع الشريك نصيبه حتى يعرضه على شريكه؛ لقوله: «لا يحل أن يبيعه حتى يعرض على شريكه» .
ومن فوائده: أنه لو عرض على شريكه ثم قال الشريك: ليس لي رغبة فيه ثم باعه فهل تثبت الشفعة بعد البيع أو لا؟ في هذا خلاف، أكثر العلماء قالوا: له الحق، قالوا: لأن إسقاطه للشفعة قبل وجود السبب، ما سبب ثبوت الشفعة؟ البيع، والبيع ما حصل، فإذا أسقط الشفعة قبل وجود الشفعة فقد أسقط الشيء قبل وجود سببه فلا يثبت، قالوا: ونظير ذلك لو أن الرجل قال لورثته: أنا أريد أن أوصي بنصف مالي تسمحون؟ قالوا: نعم نسمح، فأوصى بنصف ماله ثم مات، فهل لهم أن يعارضوا فيما زاد على الثلث؟ لا فرق بينهما وبين المسألة السابقة، والقول الراجح في مسألة الورثة أنه إذا كان في مرض موته المخوف فإسقاطهم صحيح لازم، وهذا هو القول الصحيح؛ لأن السبب - سبب تعلق الورثة بالتركة - وجد وهو مرض الموت المخوف بخلاف ما كان صحيحًا، والمسألة فيها ثلاثة أقوال: الصحة مطلقًا، وعدم الصحة
مطلقًا، والتفصيل، هذه المسألة أكثر أهل العلم يقولون: إنه إذا أسقط الشريك الشفعة وقال: ليس لي فيه غرض فإنه تثبت له الشفعة بعد البيع، وعللوا ذلك بأن إسقاطها قبل البيع إسقاط للشيء قبل وجود سببه فلا يثبت، والقول الثاني: أن استحقاقه للشفعة يسقط، قالوا: لأن هذا هو الفائدة من عرضه على الشريك، وهذا القول هو الذي قواه الشارح صاحب سبل السلام على أنه إذا أسقط حقه من الشفعة فليس له أن يشفع بعد ذلك، ويمكن أن يقال: يفرق بين أن يقول: ليس فيه رغبة وبين أن يقول: الآن ما لي رغبة، لكن لما باعه ندم وأخذ بالشفعة بخلاف ما إذا قال: أنا مسقط للشفعة، فهذا صريح في أن الرجل أسقط حقه وحينئذ لا يعود حقه.
ومن فوائد الحديث: أن الشفعة لا تكون إلا في البيع؛ لقوله: «لا يحل أن يبيع حتى يعرض على شريكه» وبناء على هذا لو وهب أحد الشريكين نصيبه لشخص فليس للشريك الشفعة؛ لأن الحديث يقول: "لا يحل له أن يبيع" وهذا ليس بيعًا، ولكن بعض أهل العلم يقول: بل تثبت الشفعة حتى في الهبة؛ لأن الضرر الحاصل بالشريك الجديد لا فرق فيه بين أن يكون الانتقال بهبة أو بغير هبة، ولكن يقدر الشقص بقيمة ويرجع الموهوب له بهذه القيمة على الشريك، فيقال مثلاً: هذا النصيب المبيع يساوي مائة ألف وهو قد آتاك مجانًا بدون شيء فعلى الشريك أن يدفع لك مائة ألف، وهذا القول أصح أي: أن الشفعة تثبت في كل انتقال اختياري، أما إذا كان الانتقال غير اختياري - كما لو مات أحد الشريكين وانتقل النصيب إلى ورثته - فإنه ليس للشريك أن يشفع؛ لأن هذا انتقال اضطراري وليس باختياره، إذا انتقل بإجارة مثل أن يقوم بين اثنين حوض كبير يؤجرانه للبضائع أو للورش أو ما أشبه ذلك فأجر أحد الشريكين نصيبه لشخص ثالث فهل لشريكه أن يشفع ويقول: أنا أحق بالإجازة؟ فنقول: من خصه بالبيع لم يثبته في الإجارة؛ لأن الإجارة انتقال المنفعة لمدة معلومة، والبيع يخالف الإجارة من وجهين: أولاً: أن البيع انتقال العين بمنافعها، والثاني: أن البيع مؤبد والإجارة مؤقتة، فحتى لو حصل فيها ضرر فالضرر مؤقت سنة أو سنتين ثم يزول، ولكن الذي يظهر أن الإجارة تثبت فيها الشفعة لأن الضرر حاصل، وإن كان نسبة الضرر بالنسبة للإجارة أقل بكثير من نسبة البيع، لكن يقال: أن النزاع سيحصل حتى في الإجارة، ويكون تقييد المسألة بالبيع في الحديث بناء على الأغلب؛ لأن كون أحد الشريكين يؤجل نصيبه مع بقاء الملك، هذا قليل، والحديث بناء على