الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالإجماع القطعي (1) مثل إجماع الصحابة المنقول بالتواتر خاصة، والإجماع على ما عُلم من الدين بالضرورة.
والإجماع الظني كالإجماع السكوتي الذي غلب على الظن فيه اتفاق الكل.
وعلى كل فتقدير قطعي الإجماع وظنيه أمر نسبي، يتفاوت من شخص إلى آخر، إلا أن الأمر المقطوع به في قضية الإجماع شيئان:
أولهما: أن الإجماع من حيث الجملة أصل مقطوع به وحجة قاطعة، وإن اختلف في بعض أنواعه وبعض شروطه.
وثانيهما: أن بعض أنواع الإجماع لا يقبل فيها نزاع؛ بل هي إجماعات قطعية كما تقدم التمثيل لذلك آنفًا.
المسألة الثالثة: حجية الإجماع
اتفق أهل العلم على أن الإجماع حجة شرعية يجب اتباعها والمصير إليها (2) .
والدليل على ثبوت الإجماع إنما هو دليل الشرع لا العقل (3) .
فمن الأدلة على كون الإجماع حجة:
? أولاً: من الكتاب:
أ- قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
(1) إذا كان الإجماع قطعيًا قدم على النص إذا كانت دلالة النص ظنية، وكذلك إن كان الظن الحاصل بالإجماع أقوى من الظن الحاصل بالنص، فالواجب تقديم القطعي على الظني، والظن الأقوى على ما دونه. وتقديم الإجماع إنما هو تقديم للنص المجمع عليه على نص آخر أدنى منه دلالة. انظر:"مجموع الفتاوى"(19/268) .
(2)
انظر: "جماع العلم"(51، 52) ، و"روضة الناظر"(1/335) ، و"مجموع الفتاوى"(11/341) ، و"مذكرة الشنقيطي"(151) .
(3)
انظر: "مختصر ابن اللحام"(74) ، و"شرح الكوكب المنير (2/214) .
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
وجه الاستدلال بهذه الآية أن الله توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين فدل على أنه حرام؛ فيكون اتباع سبيل المؤمنين واجبًا، إذ ليس هناك قسم ثالث بين اتباع سبيل المؤمنين واتباع غير سبيل المؤمنين (1) .
ولا يصح في هذه الآية أن يكون الذم لاحقًا لمشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم فقط، أو لاتباع غير سبيل المؤمنين فقط، فإن ذلك باطل قطعًا؛ لئلا يكون ذكر الآخر لا فائدة فيه.
وكذلك لا يصح أن يكون الذم لاحقًا للأمرين إذا اجتمعا فقط؛ لأن مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم موجبة للوعيد قطعًا كما ثبت في غير موضع، كقوله تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 13] .
فلم يبق إلا قسمان:
أحدهما: أن الذم لاحق لكل من الأمرين وإن انفرد عن الآخر.
الثاني: أن الذم لاحق لكل من الأمرين لكونه مستلزمًا للآخر (2) .
قال ابن تيمية: "ولحوق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية؛ فإن الوعيد فيها إنما هو على المجموع.
بقي القسم الآخر وهو أن كلاً من الوصفين يقتضي الوعيد لأنه مستلزم للآخر، كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول، ومخالفة القرآن والإسلام.
فيقال: من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار، ومثله قوله:{وَمَنْ يَكْفُرْ بالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا} [النساء: 136] ، فإن الكفر بكل من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره؛ فمن كفر بالله كفر بالجميع، ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرًا بالله؛ إذ كذب رسله وكتبه، وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل فكان كافرًا....
(1) انظر: "أحكام القرآن" للشافعي (39) ، و"الفقيه والمتفقه"(1/155، 156) ، و"روضة الناظر"(1/335، 336) .
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى"(19/178، 179، 192، 193) .
فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، ومن شاقه فقد اتبع غير سبيلهم وهذا ظاهر.
ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضًا؛ فإنه قد جعل له مدخلاً في الوعيد، فدل على أنه وصف مؤثر في الذم، فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعًا.
والآية توجب ذم ذلك.
وإذا قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول؟
قلنا: لأنهما متلازمان، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإن يكون منصوصًا عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أُجمع عليه قد بينه الرسول وهذا هو الصواب" (1) .
ب- قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله} [آل عمران: 110] ، فقد وصف الله تعالى هذه الأمة بأنهم يأمرون بكل معروفٍ وينهون عن كل منكرٍ، فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك ولم تنه عن المنكر فيه، فثبت أن إجماع هذه الأمة حق وأنها لا تجتمع على ضلالة (2) .
جـ- قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، والوسط: العدل الخيار، وقد جعل الله هذه الأمة شهداء على الناس، ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض، وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم (3) .
? ثانيًا: من السنة:
أ- قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة» (4) .
(1)"مجموع الفتاوى"(19/193، 194) .
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى"(19/176، 177) ، و"شرح الكوكب المنير"(2/217) .
(3)
انظر: "صحيح البخاري"(13/316) ، و"الفقيه والمتفقه"(1/160) ، و"مجموع الفتاوى"(19/177، 178) .
(4)
تقدم تخريجه في (ص17) تعليق رقم (6) .
قال الشافعي مستدلاً بهذا الحديث: "إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحدٌ أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى؛ لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها.
وإنما تكون الغفلة في الفُرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتابٍ ولا سنةٍ ولا قياس إن شاء الله" (1) .
ب- وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» (2) .
والملاحظ أن هذه النصوص المتقدمة تدل على أصلين عظيمين:
الأصل الأول: وجوب اتباع الجماعة ولزومها، وتحريم مفارقتها ومخالفتها.
والأصل الثاني: عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة.
وهذان الأصلان متلازمان: فإن قول الأمة مجتمعة لا يكون إلا حقًا، وكذلك فإن العصمة إنما تكون لقول الكل دون البعض.
وههنا مسألتان:
المسألة الأولى: أن هذه النصوص أفادت أن العصمة ثابتة للأمة دون اشتراط عدد معين، بل إن أهل الإجماع متى ثبت اتفاقهم وجب اتباع قولهم
(1)"الرسالة"(475، 476) .
(2)
أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه في "سننه"(2/1303) برقم (3950) ، وأبو داود في "سننه"(4/98) برقم (4253) ، والترمذي في "سننه"(4/466) برقم (2167) ، وقد روى هذا الحديث جمع من الصحابة بألفاظ متعددة حتى عده بعض أهل العلم من قبيل المتواتر المعنوي، مع أن طرق هذه الأحاديث لا تخلو من نظر كما قال ذلك الحافظ العراقي، وللحديث شواهد في الصحيحين كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي
…
» وقد تم تخريجه (ص18) . انظر: "المنهاج" للبيضاوي، وانظر معه:"الابتهاج" للغماري (180) وما بعدها، و"تخريج أحاديث المنهاج" للعراقي (22) ، و"تحفة الطالب" لابن كثير (145) وما بعدها، و"المعتبر" للزركشي (57) وما بعدها.
وثبتت العصمة لهم، وبناءً على ذلك فلا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر (1) ؛ لأن الدليل الشرعي لم يشترط ذلك، بل إنه علق العصمة على الإجماع والاتفاق فقط (2) .
والمسألة الثانية: أن هذه النصوص تدل على أن الإجماع حجة ماضية في جميع العصور، سواء في ذلك عصر الصحابة وعصر من بعدهم (3) .
(1) خلافًا لما ذهب إليه بعض المتكلمين من القول باشتراط أن يبلغ المجمعون عدد التواتر أخذًا بالدليل العقلي وهو كون هذا العدد يستحيل على مثلهم الاجتماع على خطأ، وهذا لا يصح لأن الإجماع إنما ثبت بالدليل الشرعي فلا يشترط في أهل الإجماع أن يبلغوا عدد التواتر كما دل عليه الدليل الشرعي. انظر المراجع الآتية في التعليق الآتي.
(2)
انظر: "المسودة"(317) ، و"روضة الناظر"(1/346) ، و"شرح الكوكب المنير"(2/252) .
(3)
نقل عن الإمام أحمد قوله المشهور: " «من ادعى الإجماع فهو كاذب» وقد حملها أهل العلم على عدة أوجه، لكونه - عليه رحمة الله - يحتج بالإجماع ويستدل به في كثير من الأحيان مع أن ظاهر هذه المقالة منع وقوع الإجماع، ومن هذه الأوجه:
أنه قال ذلك من باب الورع لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو أنه قال ذلك في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف، ويدل على ذلك تتمة كلامه السابق، إذ يقول:"من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: "لا نعلم الناس اختلفوا" إذا هو لم يبلغه.
ونقل عنه أيضًا أنه قال: "هذا كذب ما أعلمه أن الناس مجمعون؟ " ولكن يقول: "لا أعلم فيه اختلافًا" فهو أحسن من قوله: "إجماع الناس".
لذلك يقول الإمام الشافعي: "وأنت قد تصنع مثل هذا فتقول: هذا أمر مجتمع عليه، قال: لست أقول ولا أحد من أهل العلم هذا مجتمع عليه إلا لما لا تلقى عالمًا أبدًا إلا قاله لك وحكاه عمن قبله؛ كالظهر أربع، وكتحريم الخمر وما أشبه هذا""الرسالة"(534) فعلم بالنقل عن هذين الإمامين أن الواجب الاحتياط في نقل الإجماع والتثبت في ادعائه، فإن الجزم باتفاق العلماء وإجماعهم من قبيل عدم العلم وليس من قبيل العلم بالعدم، لا سيما وأن أقوال العلماء كثيرة لا يحصيها إلا رب العالمين، وعدم العلم لا حجة فيه، فلذلك كانت العبارة المختارة في نقل الإجمال أن يقال: لا نعلم نزاعًا، أما أن يقال:"الناس مجمعون" فهذا إنما يصح فيما عُلم واشتهر ضرورة الاتفاق عليه.
قال ابن القيم: "وليس مراده - أي: الإمام أحمد - بهذا استبعاد وجود الإجماع، ولكن أحمد وأئمة الحديث بُلُوا بمن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها، فبين الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب، وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها". "مختصر الصواعق"(506) .
انظر: "المسودة"(316) ، و"مجموع الفتاوى"(19/271، 20/10، 247، 248) ، و"مختصر الصواعق"(506، 507) .
ولا يصح حصر حجية الإجماع في عصر الصحابة دون غيرهم؛ لأن أدلة حجية الإجماع عامة مطلقة، ولا يجوز تخصيص هذه الأدلة أو تقييدها دون دليل شرعي معتبر، فإنه قد ثبت وجوب اتباع سبيل المؤمنين وعصمة الأمة وهذا عام في كل عصر.
كما أنه لا يصح الاحتجاج لإبطال إجماع غير الصحابة بصعوبة أو تعذر وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة لتفرق المجتهدين في الآفاق وانتشارهم في الأقطار؛ إذ غاية ذلك هو القول بعدم صحة وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة وتعذر إمكانه.
أما حجية الإجماع فأمر آخر، فلا بد إذن من التفريق بين حصول الإجماع وإمكان وقوعه وبين حجيته في كل عصر، وليس بين الأمرين تلازم.
فالأمر الأول: محل نظر بين العلماء: إذ منع بعضهم وقوع إجماع بعد عصر الصحابة، ونقل البعض الآخر الإجماع في عصر الصحابة وفي عصر من بعدهم أيضًا (1) .
أما الأمر الثاني وهو حجية الإجماع فلا شك أن الدليل الشرعي قاطع في ثبوت حجية الإجماع مطلقًا في كل عصر.
والمقصود المحافظة على حجية الإجماع على مدى العصور عملاً بالدليل الشرعي، فتبقى الأمور القطعية قطعية كما هي، وتبقى قضية وقوع الإجماع وعدم وقوعه قضية أخرى بحاجة إلى تحقيق المناط فيها، وذلك يختلف من عصر لآخر ومن مسألة لأخرى (2) .
(1) وهذا واضح في كتب الفقه عمومًا والإجماعات خصوصًا "كالإجماع" لابن المنذر، و"مراتب الإجماع" لابن حزم.
(2)
انظر: "الفقيه والمتفقه"(1/169) ، و"روضة الناظر"(1/372) ، و"مختصر ابن اللحام"(75) .