الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: تعريف العام
العام لغة: الشامل (1) .
وفي اصطلاح الأصوليين يمكن تعريفه بأنه: «ما يستغرق جميع ما يصلح له، بحسب وضع واحد، دفعة، بلا حصر» (2) .
وفي هذا التعريف النقاط الآتية:
أ- أن العام لا بد فيه من الاستغراق، أما ما لا استغراق فيه فلا يدخل تحت العام، كلفظ الرجل إذا أريد به معين فإنه لم يستغرق ما يصلح له؛ إذ لفظ الرجل يصلح للدلالة على جميع الرجال (3) .
ب- أن الاستغراق في العام شامل لجميع أفراده في آن واحد، وهذا هو المراد من تقييد العام في التعريف بـ"دفعة" ليخرج بذلك المطلق إذ إن استغراق المطلق بدلي - على سبيل التناوب - لا دفعة واحدة (4) .
جـ- أن الاستغراق في العام لا حد ولا حصر له، وبذلك تخرج أسماء الأعداد فإنها محصورة وهذا معنى القيد الوارد في تعريف العام «بلا حصر» (5) .
د- أن الاستغراق في العام يتعلق بشيء واحد، فنجد العام يستغرق شيئًا واحدًا، أما المشترك الموضوع لاستغراق عدة أشياء فليس من العام، ولهذا قيد العام بأنه «بحسب وضع واحد» (6) .
المسألة الثانية: أقسام العام
ينقسم العام إلى أقسام عديدة، وذلك حسب الاعتبارات الآتية:
(1) انظر: "المعجم الوسيط"(2/629) .
(2)
انظر: "نزهة الخاطر العاطر"(2/120) ، و"مذكرة الشنقيطي"(203) .
(3)
انظر: "نزهة الخاطر العاطر"(2/120) .
(4)
انظر: "مذكرة الشنقيطي"(203) .
(5)
انظر المصدر السابق.
(6)
انظر المصدر السابق.
1-
باعتبار ما فوقه وما تحته ينقسم العام إلى عام لا أعم منه، كالمعلوم والمذكور، فإنه يشمل جميع الموجودات والمعدومات، وإلى عام هو بالنسبة لما تحته أعم، وبالنسبة لما فوقه أخص، كالحيوان فإنه أعم من الإنسان وأخص من النامي.
فالأول عام مطلق، والثاني عام نسبي إضافي (1) .
2-
باعتبار المراد منه ينقسم العام إلى عام أريد به العام، وإلى عام أريد به الخاص.
وقد بوب الشافعي لكل قسم من هذين القسمين، فقال في القسم الأول:«باب بيان ما نزل من الكتاب عامًا يُراد به العام ويدخله الخصوص» (2)، ومثل له بقوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] . فالمراد كل دابة دون استثناء.
وقال في القسم الثاني: «باب بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص» (3)، ومثل له بقوله تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]، فههنا ثلاث صيغ للعمود: الذين، والناس في الموضعين، ومعلوم أنه لا يمكن حمل واحد من هذه الألفاظ على عمومه.
وقد يسمى العام الذي أريد به الخصوص مجازًا، بخلاف العام المخصوص؛ لأن الأول نُقل اللفظ فيه عن موضوعه الأصلي بخلاف الثاني (4) .
3-
باعتبار تخصيصه ينقسم العام إلى عام محفوظ باقٍ على عمومه لم يدخله تخصيص، وإلى عام مخصوص، قد زال عمومه ودخله التخصيص.
مثال القسم الأول: قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] . قال الشافعي: «فهذا عام لا خاص فيه» (5) .
ومثال القسم الثاني: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ
(1) انظر: "روضة الناظر"(2/120) ، و"مذكرة الشنقيطي"(204) .
(2)
"الرسالة"(53) .
(3)
"الرسالة"(58) .
(4)
انظر: "شرح الكوكب المنير"(3/165 – 168) .
(5)
"الرسالة"(54) .
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5، 6، والمعارج: 29، 30] .
والصحيح: القول بحجية العام بقسميه المحفوظ والمخصوص، فلا فرق بين العام قبل التخصيص والعام بعد التخصيص.
والدليل على ذلك تمسك الصحابة رضي الله عنهم بالعمومات، وكثير منها مخصوص، ثم إن إسقاط الاحتجاج بالعام المخصوص يفضي إلى إبطال عمومات القرآن التي دخلها التخصيص (2) .
كما أن الأصح في تعارض العام المحفوظ مع العام المخصوص تقديم العام المحفوظ.
والحجة في ذلك أن الأول متفق على حجيته وأنه حقيقة، والثاني اختلف في كونه حجة في الباقي بعد التخصيص، والذين قالوا: هو حجة في الباقي. قال جماعة منهم هو: مجاز في الباقي، ومعلوم أن ما اتفق على أنه حجة وأنه حقيقة أولى مما اختلف في حجيته وهل هو حقيقة أو مجاز (3) ؟.
وذهب ابن تيمية إلى أن غالب عمومات القرآن محفوظة، وذكر أن من يقول: إن أكثر العمومات مخصوصة مع إثباته للعموم يرد عليه سؤال لا توجيه له، وهو أن يقال:
هذا القدر الذي ذكرته إما أن يمنع من الاستدلال بالعموم أو لا، فإن كان مانعًا فهو مذهب منكري العموم، وهو مذهب سخيف لم ينتسب هذا القائل إليه وإن لم يكن مانعًا من الاستدلال فهذا كلام ضائع.
(1)"أضواء البيان"(5/762) .
(2)
انظر: "روضة الناظر"(2/151) ، و"مذكرة الشنقيطي"(214) .
(3)
انظر: "مجموع الفتاوى"(23/210) ، و"أضواء البيان"(5/762) ، و"مذكرة الشنقيطي"(324) .