الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
9-
المكره: إن كان كالآلة لا اختيار له فغير مكلف؛ إذ تكليفه والحالة كذلك تكليف بما لا يطاق. هذا لا إشكال فيه ولا نزاع (1) .
قال ابن رجب: «من لا اختيار له بالكلية ولا قدرة له على الامتناع، كمن حمل كرهًا وأدخل إلى مكان حلف على الامتناع من دخوله، أو حمل كرهًا وضرب به غيره حتى مات ذلك الغير، ولا قدرة له على الامتناع، أو أضجعت ثم زني بها من غير قدرة لها على الامتناع. فهذا لا إثم عليه بالاتفاق
…
» (2) .
أما من أكره إكراهًا دون ذلك؛ مطيقًا للإقدام والإحجام سواء بالضرب أو التعذيب أو التهديد بالقتل؛ فإن هذا المكره والحالة كذلك في تكليفه تفصيل:
فإن كان إكراهًا على الأقوال: فالعلماء متفقون على أن للمكره أن يقول القول المحرم، ولا إثم عليه؛ لقوله تعالى:{إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ} [النحل: 106] ، ولا يترتب على قول حكم من الأحكام، وكلامه لغو؛ لأنه كلام صدر من قائله وهو غير راضٍ به، فلذلك عُفي عنه ولم يؤاخذ به في أحكام الدنيا والآخرة. ولقوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (3) .
أما الأفعال: فما كان منها حقًا لله؛ كالأكل في نهار رمضان والعمل في الصلاة ولبس المخيط في الإحرام فهو متجاوز عنه.
وما كان حقًا للمخلوقين فهو مؤاخذ به؛ كقتل المعصوم وإتلاف ماله، والإكراه لا يحل له ذلك (4) .
قال ابن القيم:
«و
الفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه
أن الأفعال إذا وقعت لم ترتفع
(1) انظر: "مجموع الفتاوى"(10/344) ، و"القواعد والفوائد الأصولية"(39) ، و"شرح الكوكب المنير"(1/509) ، و"مذكرة الشنقيطي"(32) .
(2)
"جامع العلوم والحكم"(2/370) .
(3)
رواه ابن ماجه في "سننه"(1/659) برقم (2045) ، وصححه الحاكم في "المستدرك" ووافقه الذهبي (2/198)، وقال ابن كثير:"إسناده جيد"، "تحفة الطالب"(271) .
(4)
انظر: "زاد المعاد"(5/205) ، و"جامع العلوم والحكم"(2/372) ، و"مذكرة الشنقيطي"(32، 33) .
مفسدتها، بل مفسدتها معها، بخلاف الأقوال فإنه يمكن إلغاؤها وجعلها بمنزلة أقوال النائم والمجنون، فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتة، بخلاف مفسدة القول؛ فإنها إنما تثبت إذا كان قائله عالمًا به مختارًا له (1) » .
وقد ذكر ابن قدامة ثلاثة شروط للإكراه (2) :
الأول: أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه.
الثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه.
الثالث: أن يكون مما يستضر به ضررًا كثيرًا؛ كالقتل والضرب الشديد.
10-
الكفار مخاطبون إجماعًا بالإيمان الذي هو الأصل، وإنما وقع الخلاف في فروع الإيمان؛ كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة: هل هم مخاطبون بها أو لا (3) ؟
وهذا الخلاف يتلاشى إذا ثبت لدينا اتفاق الطرفين على الأمور الآتية:
(الأمر الأول: أن الكافر غير مطالب بفعل الفروع حال كفره. يوضحه:
(الأمر الثاني: وهو أن فروع الإيمان لا تصح ولا تقبل ولا يثاب عليها الكافر إلا بتحصيل أصل الإيمان.
والدليل على هذين الأمرين قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23](4) .
(الأمر الثالث: أن الكافر إذا أسلم لا يلزمه قضاء ما فاته من العبادات الماضية زمن كفره؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
(الأمر الرابع: أن الكافر مطالب بالفروع لكن مع تحصيل شرطها الذي هو الإيمان، وذلك لعموم الآيات والأوامر الإلهية؛ كقوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] .
(1)"زاد المعاد"(5/ 205، 206) .
(2)
انظر: "المغني"(10/353) .
(3)
انظر: "روضة الناظر"(1/145) وما بعدها، و"مجموع الفتاوى"(22/7 – 16) ، و"زاد المعاد"(5/698، 699) ، و"القواعد والفوائد الأصولية"(49) ، و"شرح الكوكب المنير"(1/500) وما بعدها، و"نزهة الخاطر العاطر"(1/145) ، و"مذكرة الشنقيطي"(33، 34) .
(4)
انظر: "أضواء البيان"(3/353) .
(الأمر الخامس: أن الكافر يعاقب في الآخرة على تركه أصل الإيمان وعلى تركه الفروع، وذلك لقوله تعالى إخبارًا عن المشركين في معرض التصديق لهم تحذيرًا من فعلهم:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 42 - 44] .
11-
الجامع لشروط المكلف أن يكون عاقلاً فاهمًا للخطاب، فإذا طرأ على العقل عارض يمنعه من فهم الخطاب وإدراكه ارتفع التكليف، كما هو الحال بالنسبة للناسي والنائم والسكران، فإذا زال العارض وحسن من العقل فهم الخطاب وجب التكليف حينئذٍ. وقد يعتري العقل خلل يؤثر في كماله وسلامته كما هو الحال بالنسبة للمجنون والصبي فلا يزال التكليف ساقطًا عن هؤلاء حتى يعود إلى العقل كماله وسلامته. فلا بد إذن في التكليف من صحة العقل وسلامته وارتفاع الموانع التي تمنعه من فهم الخطاب (1) .
كما يشترط أيضًا عدم الإكراه؛ لأن الإكراه وإن لم يمنع من فهم الخطاب إلا أنه يسلب القدرة على قصد الامتثال، وما فائدة فهم الخطاب إذا لم تكن القصد إلى الطاعة والامتثال؟
وحاصل القول: أن قصد الامتثال إنما يحصل بالعقل وفهم الخطاب، وكل ذلك يحتاج إلى القدرة، فلا بد من القدرة على القصد وذلك بالفهم والعلم، ولا بد من القدرة على القصد وذلك بالفهم والعلم، ولا بد من القدرة على الفهم وذلك إنما يكون بكمال العقل وسلامته من الموانع المخلة بالفهم، فاجتمعت شروط المكلف في القدرة.
القدرة على فهم الخطاب، والقدرة على قصد الامتثال.
12-
وقد تقدم أيضًا بيان أن الجامع لشروط الفعل المكلف به القدرة (2) ، فبذلك تجتمع جميع شروط التكليف، ما يعود منها إلى الفعل المكلف به وما يعود منها إلى الإنسان المكلف في القدرة والاستطاعة.
قال ابن تيمية: «الأمر والنهي الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة» (3) .
(1) انظر: "نزهة الخاطر العاطر"(1/139، 140) .
(2)
انظر (ص 345) من هذا الكتاب.
(3)
"مجموع الفتاوى"(10/344) .