الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة: أهل الإجماع
يشترط في أهل الإجماع ما يأتي:
• الشرط الأول: أن يكونوا من العلماء المجتهدين، ويكفي في ذلك الاجتهاد الجزئي (1) ؛ لأن اشتراط الاجتهاد المطلق في أهل الإجماع قد يؤدي إلى تعذر الإجماع لكون المجتهد المطلق نادر الوجود.
والمعتبر في كل مسألة من له فيها أثر من أهل العلم المجتهدين.
قال ابن قدامة: "ومن يعرف من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم -كأهل الكلام واللغة والنحو ودقائق الحساب- فهو كالعامي لا يعتد بخلافه؛ فإن كل أحد عامي بالنسبة إلى ما لم يُحصل علمه، وإن حصَّل علمًا سواه"(2) .
وبهذه القاعدة يتبين أن المعتبر في كل مسألةٍ أهلُ العلم فيها، دون غيرهم، فليس للإجماع طائفة محصورة من أهل العلم. بل يختلف ذلك باختلاف المسائل، فإن كانت المسألة في علم الحديث كان المحدثون هم أهل الإجماع، وإن كانت المسألة فقهية كان الفقهاء هم أهل الإجماع، وهكذا....
مع ملاحظة أنه قد تحتاج مسألة ما -لعلاقتها بعلوم شتى- إلى أهل هذا العلم وذاك.
قال ابن القيم: "....فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم"(3) .
وأما العامي فلا يدخل باتفاق.
ومن قال بدخوله فإنما أراد أنه يدخل حكمًا إذ هو تبع للمجتهد ومقلد له (4) ، أو أنه أراد إجماع العامة الذي يدخل فيه عامة الأمة، كما تقدم (5) .
(1) انظر: مسألة تجزؤ الاجتهاد فيما يأتي (ص466) من هذا الكتاب.
(2)
"روضة الناظر"(1/350، 351) .
(3)
"مختصر الصواعق"(465) .
(4)
انظر: "الفقيه والمتفقه"(1/168) .
(5)
انظر (ص158) من هذا الكتاب.
• الشرط الثاني: اتفقوا على اشتراط الإسلام، فلا يعتبر في الإجماع قول المجتهد الكافر الأصلي والمرتد بلا خلاف، وأما المكفر بارتكاب بدعة فلا يعتبر عند مكفره.
وذلك لأن الكافر لا يدخل تحت لفظ "المؤمنين" و"الأمة" في قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] ، وقوله صلى الله عليه وسلم «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» (1) .
أما الفاسق فإنه داخل تحت هذا العموم، ولأجل ذلك اختلف العلماء في العدالة: هل تشترط في أهل الإجماع أوْ لا تشترط؟
فذهب البعض إلى عدم الاشتراط وأن الفاسق داخل في أهل الإجماع لكونه داخلاً في عموم (المؤمنين) وعموم (الأمة) . وذهب آخرون إلى اشتراط العدالة وأن الفاسق لا يدخل في أهل الإجماع.
وقيل: إن ذكر الفاسقُ مستندًا صالحًا اعتُد بقوله في الإجماع وإلا فلا (2) .
والمسألة على كل حالٍ محل اجتهاد ونظر، والظاهر أن الفاسق يدخل في أهل الإجماع لكونه من أهل الاجتهاد وليس هناك دليل يدل على إخراجه عن طائفة المجتهدين، فضلاً عن إخراجه عن لفظ "المؤمنين" ولفظ "الأمة"(3) .
• الشرط الثالث: يشترط في صحة الإجماع أن يكون قول جميع المجتهدين، ولا يعتد بقول الأكثر؛ فإذا خالف واحد أو اثنان من المجتهدين فإن قول الباقين لا يعتبر إجماعًا (4) .
والدليل على ذلك أن لفظ "المؤمنين" ولفظ "الأمة" عامان في الجميع (5) ،
(1) تقدم تخريجه انظر (ص162) .
(2)
انظر: "مختصر ابن اللحام"(75) ، و"روضة الناظر"(1/353 – 355) ، و"شرح الكوكب المنير"(2/227 – 229) .
(3)
انظر (ص474) من هذا الكتاب فيما يتعلق باشتراط العدالة في الاجتهاد.
(4)
ذهب الإمام محمد بن جرير الطبري إمام المفسرين وغيره إلى انعقاد الإجماع بقول الأكثر مع مخالفة الأقل. انظر "الإحكام" للآمدي (1/235) .
(5)
انظر: "قواعد الأصول"(74) ، و"مختصر ابن اللحام"(75، 76) ، و"روضة الناظر"(1/358) ، و"شرح الكوكب المنير"(2/229) .