الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات.
ومثل ذلك ما حدثت الحاجة إليه بتفريط الناس كتقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه قد فعل ذلك بعض الأمراء (1) واعتذر بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفضون حتى يسمعوا، أو أكثرهم.
ولا يكفي أن يترك صلى الله عليه وسلم الفعل مع وجود المقتضي لا مع انتفائه، بل لا بد من شرط ثانٍ وهو:
انتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد يترك فعلاً من الأفعال -مع وجود المقتضي له- بسبب وجود مانع يمنع من فعله.
وذلك كتركه صلى الله عليه وسلم قيام رمضان مع أصحابه في جماعة -بعد ليالٍ- وعلل ذلك بخشيته أن يُفرض عليهم (2) ، فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه جمعهم على قارئ واحد (3) ، ولم يكن هذا الاجتماع بهذه الهيئة مخالفًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا جَمْع القرآن (4) ، فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويُحكم ما يريد، فلو جُمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه.
أما تركه صلى الله عليه وسلم للأذان في العيدين فلم يكن لوجود مانع، لذا كان هذا الترك سنة نبوية يجب اتباعه فيها عليه الصلاة والسلام.
وخلاصة القول: أن
تركه صلى الله عليه وسلم لا يخلو من ثلاث حالات
.
الحالة الأولى: أن يترك صلى الله عليه وسلم الفعل لعدم وجود المقتضي له، وذلك
(1) هو: مروان بن الحكم، فعل ذلك لما كان أميرًا للمدينة في عهد معاوية رضي الله عنه. انظر:"صحيح البخاري"(2/448) برقم (956) .
(2)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه (13/264) برقم (7290) .
(3)
انظر: "صحيح البخاري"(4/250) برقم (2010) .
(4)
انظر المصدر السابق (9/10) برقم (4986) .
كتركه قتال مانعي الزكاة، فهذا الترك لا يكون سنة، بل إذا قام المقتضي ووجد (1) كان فعل ما تركه صلى الله عليه وسلم مشروعًا غير مخالف لسنته، كقتال أبي بكر رضي الله عنه لمانعي الزكاة، بل إن هذا العمل يكون من سنته لأنه عمل بمقتضى سنته صلى الله عليه وسلم.
الحالة الثانية: أن يترك صلى الله عليه وسلم الفعل مع وجود المقتضي له بسبب قيام مانع، كتركه صلى الله عليه وسلم فيما بعد قيام رمضان جماعة بسبب خشيته أن يُكتب على أمته؛ فهذا الترك لا يكون سنة، بل إذا زال المانع بموته صلى الله عليه وسلم كان فعل ما تركه صلى الله عليه وسلم مشروعًا غير مخالف لسنته كما فعل عمر رضي الله عنه في جمعه للناس على إمام واحد في صلاة التراويح، بل إن هذا العمل من سنته صلى الله عليه وسلم لأنه عمل بمقتضاها.
الحالة الثالثة: أن يترك صلى الله عليه وسلم الفعل مع وجود المقتضي له وانتفاء الموانع فيكون تركه صلى الله عليه وسلم والحالة كذلك– سنة، كتركه صلى الله عليه وسلم الأذان لصلاة العيدين.
وهذا القسم من سنته صلى الله عليه وسلم وهو السنة التركية أصل عظيم وقاعدة جليلة، به تحفظ أحكام الشريعة ويوصد به باب الابتداع في الدين.
قال ابن القيم: "فإن تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق.
فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيدًا جدًا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟
واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ ...... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ " (2) .
وتجدر الإشارة إلى أن سنة الترك مبنية على مقدمات ثابتة راسخة (3) :
(1) بشرط ألا يكون وجود هذا المقتضي إنما حصل بتفريط الناس كما تقدم بيانه قريبًا.
(2)
"إعلام الموقعين"(2/390، 391) .
(3)
انظر في هذه المقدمات: "إعلام الموقعين"(4/375 – 377) ، و"معارج القبول"(2/346 – 357) .
المقدمة الأولى: كمال هذه الشريعة واستغناؤها التام عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين، فقد أتم الله هذا الدين فلا ينقصه أبدًا، ورضيه فلا يسخطه أبدًا (1) .
ومن الأدلة على هذه المقدمة قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] .
وقوله صلى الله عليه وسلم «وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (2) .
المقدمة الثانية: بيانه صلى الله عليه وسلم لهذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خير قيام، فلم يترك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته.
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] ، وقد امتثل صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر وقام به أتم القيام.
وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حجة الوداع (3) .
المقدمة الثالثة: حفظ الله لهذا الدين وصيانته من الضياع، فهيأ الله له من الأٍسباب والعوامل التي يسرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى الأبد إن شاء الله، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، والواقع المشاهد يصدق ذلك فإن الله قد حفظ كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ووفق علماء المسلمين إلى قواعد مصطلح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد اللغة العربية.
(1) انظر: "تفسير ابن كثير"(1/14) .
(2)
أخرجه ابن ماجه في سننه (1/4) برقم (5)، وصححه الألباني. انظر:"السلسلة الصحيحة"(2/308) برقم (688) .
(3)
انظر: "تفسير ابن كثير"(2/80)، وانظر خطبة الوداع في:"صحيح البخاري"(3/573) برقم (1741)، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم:«ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم. قال: «اللهم فاشهد» .