الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمراد من ذمه: القياسُ الباطل، ومراد من استعمله واستدل به: القياس الصحيح (1) .
- ولهذا أيضًا لم يجئ في القرآن الكريم مدحه ولا ذمه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه مورد تقسيم إلى صحيح وفاسد (2) .
المسألة الثالثة: حجية القياس
اتفق جمهور العلماء على إثبات القياس والاحتجاج به من حيث الجملة (3) ، بل ذكره كثير من علماء أهل السنة ضمن الأدلة المتفق عليها (4) .
و
الناس في القياس طرفان ووسط
(5) .
فطرف أنكر القياس أصلاً، وطرف أسرف في استعماله حتى رد به النصوص الصحيحة، والحق هو التوسط بين الطرفين، وهو مذهب السلف، فإنهم لم ينكروا أصل القياس ولم يثبتوه مطلقًا، بل أخذوا بالقياس واحتجوا به ولكن وفق الضوابط الآتية:
الضابط الأول: ألا يوجد في المسألة نص (6) ؛ لأن وجود النص يسقط القياس، فلا بد أولاً من البحث عن النص قبل استعمال القياس حتى لا يُصار إلى القياس إلا عند عدم النص (7) .
(1) انظر: "إعلام الموقعين"(1/133) . وانظر الضوابط الآتية في المسألة التالية.
(2)
انظر: "إعلام الموقعين"(1/133) .
(3)
انظر: "الفقيه والمتفقه"(1/178) ، و"جامع بيان العلم وفضله"(2/77) ، و"روضة الناظر"(2/234) ، و"مجموع الفتاوى"(11/341) .
(4)
انظر: "الفقيه والمتفقه"(1/54، 55) ، و"مجموع الفتاوى"(20/401) ، و"مختصر ابن اللحام"(70) ، و"شرح الكوكب المنير"(2/5) .
(5)
انظر: "مجموع الفتاوى"(11/341) ، و"إعلام الموقعين"(1/200) .
(6)
المراد بالنص ههنا النص القاطع للنزاع. انظر (ص475) تعليق رقم (1) ، و (ص475، 476) من هذا الكتاب في مسألة سقوط الاجتهاد عند وجود النص.
(7)
المراد بالنص ههنا النص المخالف للقياس. انظر الشرط الرابع من شروط القياس الآتية في (ص193) .
قال الشافعي: "ونحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز"(1) .
الضابط الثاني: أن يصدر هذا القياس من عالمٍ مؤهل (2) ، قد استجمع شروط الاجتهاد (3) .
الضابط الثالث: أن يكون القياس في نفسه صحيحًا، قد استكمل شروط القياس الصحيح الآتي بيانها في المسألة اللاحقة (4) .
بهذه الضوابط الثلاثة يكون القياس صحيحًا ومعتبرًا في الشريعة، وهذا هو القياس الذي أشار إليه السلف واستعملوه، وعملوا به وأفتوا به، وسوغوا القول به (5) ، وهو الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، قال تعالى:{اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17]، وقال سبحانه:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} [الحديد: 25] .
قال ابن تيمية: "وكذلك القياس الصحيح حق، فإن الله بعث رسله بالعدل، وأنزل الميزان مع الكتاب، والميزان يتضمن العدل وما يُعرف به العدل"(6) .
وقال ابن القيم: "فالصحيح [يعني من القياس] هو الميزان الذي أنزله مع كتابه"(7) .
وهذا القياس من العدل الذي جاءت به الشريعة، ولا يمكن أن يقع بينهما شيء من التعارض أو التناقض (8) .
أما القياس الذي خلا من هذه الضوابط، أو من واحد منها فهو القياس
(1)"الرسالة"(599، 600) . وانظر: "إعلام الموقعين"(1/32، 67) .
(2)
انظر: "الرسالة"(509) ، و"جامع بيان العلم وفضله"(2/61) .
(3)
انظر في شروط الاجتهاد (ص472) من هذا الكتاب.
(4)
انظر (ص193) من هذا الكتاب.
(5)
انظر: "إعلام الموقعين"(1/176)
(6)
مجموع الفتاوى (10/176) .
(7)
"إعلام الموقعين"(1/133) .
(8)
انظر الأصل الثالث فيما يأتي.
الباطل والرأي الفاسد، وهذا هو الذي ذمه السلف ومنعوا من العمل والفتيا به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله (1) .
قال ابن عبد البر: "وأما القياس على الأصل والحكم للشيء بنظيره فهذا مما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من رُوي عنه ذم القياس قد وُجد له القياس الصحيح منصوصًا، لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام"(2) .
وقبل ذكر الأدلة على حجية القياس، تحسن الإشارة إلى أن العمل بالقياس الصحيح والاحتجاج به لدي أهل السنة، أمر مبني على أصول شرعية ثابتة.
(الأصل الأول: إثبات الحكمة والتعليل في أحكام الله وشرعه وأمره سبحانه وتعالى، وتنزيهه جل شأنه عن العبث، وسيأتي بيان ذلك – إن شاء الله – في مسألة التعليل (3) .
(الأصل الثاني: شمول النصوص لجميع الأحكام وإحاطتها بأفعال المكلفين، فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بكلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم جميع ما أمر به، وجميع ما نَهَى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون الدين كاملاً، كما قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ، ولكن الناس يتفاوتون في معرفة النصوص والاطلاع عليها، ويتفاوتون أيضًا في فهمها:
فمنهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه، ومنهم من يضم إلى النص نصًا آخر متعلقًا به فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك النص بمفرده، وهذا مشروط بفهم يؤتيه الله عبده (4) .
(1) انظر: "روضة الناظر"(2/241، 242) ، و"إعلام الموقعين"(1/67) وانظر (ص470، 471) من هذا الكتاب.
(2)
"جامع بيان العلم وفضله"(2/77) .
(3)
انظر (ص 196- 201) من هذا الكتاب.
(4)
انظر: "إعلام الموقعين"(1/268) .
والمقصود أن دلالة القياس الصحيح لا تخرج عن دلالة النصوص؛ فقد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان؛ فإن ما ثبت بالقياس لا بد وأن يستند إلى الكتاب أو السنة أو الإجماع في ثبوت حكم الأصل المقيس عليه من جهة، وفي ثبوت علته من جهة أخرى، والقياس على كل حال مستند في ثبوت حجيته إلى نصوص الكتاب والسنة (1) .
فإذا علم ذلك وهو شمول النصوص للأحكام وتفاوت الناس في فهم النصوص:
- علم أولاً بطلان قول من قال: "إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة"(2) .
- وعُلم ثانيًا أن النصوص كافية ويُستغنى بها عن القياس والرأي في كثير من المسائل. فمن ذلك (3) :
الاكتفاء بقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] عن إثبات قطع النباش بالقياس، إذ السارق يعم في لغة العرب وعرف الشارع سارق ثياب الأحياء والأموات.
والاكتفاء بقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (4) في إبطال كل عقد نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه وحرمه، وأنه لغو لا يعتد به.
- وعلم ثالثًا مقدار هذه الشريعة، وجلال مكانتها، وسعتها، وهيمنتها، وشرفها على جميع الشرائع (5) .
- وعُلم رابعًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين لأمته كل شيء من الدين (6) .
(1) انظر: "مجموع الفتاوى"(19/197 – 200، 280 – 289) ، و"الاستقامة"(1/6 – 14) ، و"إعلام الموقعين"(1/331، 332، 354) .
(2)
انظر المراجع السابقة.
(3)
انظر: "مجموع الفتاوى"(19/281 – 285، 289) ، و"الاستقامة" لابن تيمية (1/6 - 14) ، و"إعلام الموقعين"(1/350 – 383) .
(4)
رواه مسلم (12/16) .
(5)
انظر: "إعلام الموقعين"(1/350) .
(6)
انظر المصدر السابق.
(الأصل الثالث: موافقة القياس الصحيح لنصوص الشريعة؛ إذ ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس. ومما يدل على ذلك:
1-
أن القياس الصحيح من العدل، والنص الشرعي من العدل، فكلاهما عدل.
قال ابن تيمية: "وهو [أي القياس الصحيح] من العدل الذي بعث الله به رسوله"(1) .
2-
أن الشريعة لا تناقض فيها ولا تعارض بين شيء من أحكامها، والقياس الصحيح مما جاءت به الشريعة (2) .
3-
أن الشريعة جاءت بالجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، والقياس من قبيل الجمع بين المتماثلين فيكون موافقًا للشريعة (3) .
ولابن تيمية رسالة نفيسة في بيان أنه ليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا (4) ، كما عقد ابن القيم في ذلك فصلاً في كتابه القيم "إعلام الموقعين"، فقال:"فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس......"(5) .
وبذلك يتضح:
* خطأ من عنون لتلك المسألة بقوله: "ما حكم العمل بخبر الواحد إذا خالف القياس؟ ".
لأن هذا العنوان مبني على تصور وقوع الاختلاف بين الخبر والقياس، وهذا غير صحيح.
* وأن من ادعى وقوع اختلاف بين الخبر والقياس فالجواب عليه أن يقال: لا يخلو الحال من أمرين:
الأمر الأول: عدم ثبوت هذا الخبر المخالف للقياس.
(1)"مجموع الفتاوى"(20/505) ، وانظر (19/176، 288) .
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى"(20/526) ، و"إعلام الموقعين"(1/33، 4/373) .
(3)
انظر: "مجموع الفتاوى"(20/504، 505، 19/176) .
(4)
انظر: "مجموع الفتاوى"(20/504 – 583) .
(5)
"إعلام الموقعين"(2/3 – 70) .