الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإذا أريد بالإصابة إصابة الحق فهذا لا يتضح إلا بعد معرفة:
هل الحق عند الله واحد أو متعدد
؟
فإن كان الحق عند الله واحدًا فلا شك أن بعض المجتهدين مصيب وبعضهم مخطئ، وإن كان الحق عند الله متعددًا فكل مجتهد مصيب غير مخطئ. وبيان هذا موضعه في الجانب الأول.
وإذا أريد بالإصابة إصابة الأجر وانتفاء الإثم عن المجتهدين فهذا يحتاج إلى تفصيل، وهذا بيانه في الجانب الثاني.
الجانب الأول: هل الحق عند الله واحد أو متعدد؟
طرح الإمام الشافعي هذا السؤال ثم أجاب عليه، قال رحمه الله:«فإن قال قائل: أرأيت ما اجتهد فيه المجتهدون كيف الحق فيه عند الله؟ قيل: لا يجوز فيه عندنا - والله تعالى أعلم – أن يكون الحق فيه عند الله كله إلا واحدًا؛ لأن علم الله عز وجل وأحكامه واحدٌ لاستواء السرائر والعلانية عنده، وأن علمه بكل واحدٍ جل ثناؤه سواء» (1) .
وقد بوب ابن عبد البر لذلك، فقال:«باب ذكر الدليل في أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب» (2) .
وبعد أن ذكر آثارًا في ذلك، قال رحمه الله: «هذا كثير في كتب العلماء، وكذلك اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم من المخالفين (3) وما رد بعضهم على بعض؛ لا يكاد يحيط به كتاب، فضلاً عن أن يُجمع في باب، وفيما ذكرنا منه دليل على ما عنه سكتنا، وفي رجوع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، ورد بعضهم على بعض دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب.
ولذلك كان يقول كل واحد منهم: جائز ما قلت أنت، وجائز ما قلت أنا، وكلانا نجم يُهتدي به، فلا علينا شيء من اختلافنا.
(1)"إبطال الاستحسان"(41) .
(2)
"جامع بيان العلم وفضله"(2/85) .
(3)
في الأصل: "المخالفين". والتصويب من الطبعة المحققة: (2/919)"تحقيق أبي الأشبال الزهيري"
والصواب مما اختلف فيه وتدافع وجه واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم.
والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابًا كله» (1) .
ومن الأدلة على أن بعض المجتهدين مصيب وبعضهم مخطئ:
قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (2) . فقسم صلى الله عليه وسلم المجتهدين إلى مصيب له أجران، ومخطئ له أجر، فعُلم بذلك أن الحق عند الله واحد، غير متعدد، وأن المصيب من المجتهدين واحد، وليس كل مجتهد مصيبًا (3) .
الجانب الثاني: لا خلاف بين أهل العلم في أن المجتهد - الذي توفرت الشروط في اجتهاده - إذا أصاب الحق له أجران (4) ، للحديث المتقدم، لكن المسألة التي وقع فيها نزاع بين العلماء هي:
هل المجتهد - الذي توفرت الشروط في اجتهاده - المخطئ للحق، المخالف للصواب، معذور أو لا؟ وهل يأثم أو لا يأثم؟
مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان (5) :
أنهم لا يكفرون، ولا يفسقون، ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين لا في مسألة علمية ولا عملية، ولا في الأصول ولا في الفروع، ولا في القطعيات ولا في الظنيات (6) .
(1)"جامع بيان العلم وفضله"(2/87، 88) .
(2)
سبق تخريجه انظر (469) .
(3)
انظر: "روضة الناظر"(2/414، 420) ، و"مجموع الفتاوى"(20/27، 19/123) ، و"شرح الكوكب المنير"(4/488) .
(4)
انظر: "مجموع الفتاوى"(13/124، 19/213، 20/19) .
(5)
انظر: "الفقيه والمتفقه"(2/64، 65) ، و"مجموع الفتاوى"(19/207، 123، 142، 216، 213، و13/124، 125، و29/43، 44، و20/31 - 36، 252 - 254، 280) ، و"شرح الكوكب المنير"(4/491) .
(6)
خلافًا لمن قال: ليس للحادثة عند الله حكم في نفس الأمر، وإنما حكمه في حق كل مكلف يتبع اجتهاد المكلف واعتقاده. انظر تفصيل ذلك في:"مجموع الفتاوى"(19/143 - 152، 302) وما بعدها.
وذلك وفق الضوابط الآتية (1) :
1-
أن يكون مع هذا المجتهد المخطئ مقدارٌ ما من الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما من لم يؤمن أصلاً فهو كافر، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة.
ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي خاص بهذه الأمة كما جاءت النصوص بذلك (2) .
فمن كان مؤمنًا بالله جُملة وثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.
2-
أن يكون ذا نية صادقة في إرادة الحق والوصول إلى الصواب. أما أهل الجدال والمراء، وأصحاب الأغراض السيئة والمقاصد الخبيثة، فلكل منهم ما نوى، والحكم في ذلك للظاهر، والله يتولى السرائر.
3-
أن يبذل المجتهد وسعه، ويستفرغ طاقته، ويتقي الله ما استطاع، ثم إن أخطأ لعدم بلوغ الحجة، أو لوجود شبهة، أو لأجل تأويل سائغ، فهو معذور ما لم يفرط. أما إن فرط في شيء من ذلك، فلم تبلغه الحجة بسبب تقصيره، أو بلغته لكنه أعرض عنها لشبهة يعلم فسادها، أو تأول الدليل تأويلاً لا يسوغ، فإنه والحالة كذلك لا يُعذر، وعليه من الإثم بقدر تفريطه.
ومن الأدلة على ما ذهب إليه سلف هذه الأمة ما يأتي:
1-
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني، فذروني في البحر في يوم صائف. ففعلوا به. فجمعه الله، ثم قال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ما حملني عليه إلا مخافتك، فغفر له» (3) .
قال ابن تيمية: «فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك.
وكل واحدٍ من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت،
(1) انظر: "مجموع الفتاوى"(12/493، 20/256) ، و"طريق الهجرتين"(411 – 414) .
(2)
انظر (347) وما بعدها من هذا الكتاب.
(3)
رواه البخاري (11/312) برقم (6480) .